السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. جزاكم الله كل الخير على ما تقدمونه لنا من نصائح مفيدة، أما استشارتي فهي أنني أريد معرفة التصرف الصحيح والسليم للأطفال عندما يضربهم أحد الأطفال في ساحة اللعب أو في المدرسة؟ أقصد ما علي أن أعلم أطفالي بكيفية التصرف. هل يردون بالمثل؟ أم هل يعفون؟ وما هو دور الأهل، ومتى بإمكانهم التدخل؟ أرجوكم أن تردوا عليّ بالشكل الوافي، بالنسبة للبنات والصبيان، ولكم تحياتي يا إخوتي في الله. ودمتم في رعاية الله وحفظه.
الأخت الكريمة..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
شكرًا كثيرًا على تحيتك الطيبة. وجزاك الله خيرًا.
زادت كثيرًا الشكوى من العدوان في محيط الأطفال. ولكننا لو أمعنا النظر لوجدنا أن هذا النمط من العدوان المنتشر كالفيروس في الجو لا يترك صغيرًا أو كبيرًا إلا وكان له منه حظ.
وقد تناولنا الأمر أكثر من مرة على صفحتنا إلا أنه يظل هناك اختلافات بين حالة كل سائل. ولذا كان من المهم معرفة أن هناك نقاطًا كثيرة تتعلق بهذا الأمر لا بد من تقصيها أولاً عن طفلنا، وهي:
- هل يمكنه التعبير جيدًا والتفاوض والتفاهم بالحوار؟
- هل هو عصبي لدرجة يفقد السيطرة على نفسه حين الغضب؟
- ما الذي يجعل طفلك هدفًا لعدوان الآخرين؟
- هل لدى ابنك تقدير عالٍ للذات أم العكس؟ كيف، لماذا؟
- ما نمط شخصية ابنك؟ وما طبيعته؟ وإلى أي الحلول يميل؟
- كذلك هل هو ذو طبع يميل لاستفزاز الآخرين، ويبدأ ببعض المشاغبات التي تنتهي بالاعتداء عليه، أي هل هو من النوع الذي يلقى بنفسه في المشاكل.
- ما درجة وشكل العدوان ومكانه وطبيعة الحلول التي تقوم بها السلطة في هذا المكان (المدرسة أو مشرفة ساحة اللعب)؟
- ما طبيعة الطفل المعتدي هل هو أقوى بدنيًّا من طفلك؟ هل هو مهذب يمكن التفاهم معه؟ هل هو عدواني بطبعه؟ هل هو كثير الاعتداءات أم أن الأمر عابر؟ هل هو صديق أو قريب من طفلك؟ أم أنه غريب تمامًا على طفلك؟
- ما شكل هذا العدوان أهو لفظي أم بدني أم تجاهل؟
- هل ابنك دائمًا يأخذ دور المعتدى عليه أم أن الأمر سجالاً مرة له ومرة عليه؟
- هل يمكنه رد العدوان عن نفسه أم لا؟
- هل طفلك وطفلتك كلاهما يتعرضان للعدوان؟
- ما طريقة التربية في البيت.. هل يشوبها بعض العقاب البدني؟ هل تميل إلى الهدوء وعدم العنف مطلقًا أم...؟
ما ردة فعل طفلك حين العدوان. هل يخاف لدرجة كبيرة؟ هل يرفض الذهاب لنفس المكان مرة أخرى؟
هذه بعض التساؤلات التي توضح مكامن المشكلة بأبعادها المختلفة. وأسوق لك ذلك لأؤكد أن الفروق الفردية بين الأطفال تصنع فروقًا حقيقية في طريقة التعامل مع كل طفل، وكذلك الظروف المحيطة.
وألخص لك في نقاط ما يمكنك عمله:
- لا تنفعلي انفعالاً شديدًا. ولا توجهي إليه أي لوم أو نقد (هذا يتم في موقف آخر وليس في ذات الوقت الذي يشكو فيه الطفل من الاعتداء). استمعي بهدوء وشجعيه ليحكى لك.
- أخبريه أن طفلاً من بين كل سبعة أطفال يتعرضون لهذا العدوان. وأظن أن النسبة الحقيقية أكثر مما أوضحت هذه الإحصائية.
- طمئنيه أنك موجودة حين يحتاج إليك.
- ساعديه ليتصرف بمفرده وأثني في قدرته على حل الأمر بطريقة سلمية.
- أعطيه الأمان (وليس الحماية المفرطة)، والحب (وليس التدليل)، وابني فيه تقدير الذات.
- يمكنك أن تعلميه بعض فنون الدفاع عن النفس (الكاراتيه – الكونغ فو – الجودو). الطفل يحتاج لتعلم طرق للتعامل مع هذا الاعتداء ويوقفه. دربيه بعض الطرق ليتمكن من ذلك.
- ابني فيه تقديرًا عاليًا للذات بتعلم مهارة جديدة -الانخراط في فريق ما- اكتساب صديق جديد - مزاولة نشاط.. والأهم تقديمك الأمان والحب والقبول والثناء على الإيجابيات.
- شجعيه ليبقى في جماعة. فهذا أكثر أمانًا فعادة ما يلتقط المعتدي فردًا بمفرده. ويقولون في لغتنا المصرية (الكثرة تغلب الشجاعة).
- أخبريه بضرورة أن يظل هادئًا. هذا صعب جدًّا، ولكنه مفيد لأبعد الحدود فما إن يشعر المعتدي بغضب الطرف الآخر والبدء في إظهار الضيق والحنق حتى يزيد من عدوانه؛ لأنه يكون بذلك قد حقق ما يصبو إليه من إثارة الطرف الآخر والشعور بأنه هو الأقوى والأفضل. وهذا كما أسلفت بالذكر في استشارة سابقة هي استشارة (بندق وشرشر ودبلوماسية فض المنازعات ) مرجعه أن المعتدي غالبًا ممن لديهم تقدير متدن للذات فيحاول استشعار قوته وتميزه عن طريق هذا العدوان؛ ولذا على المعتدى عليه إحباط ذلك بإظهار التماسك والقوة.
- على طفلك أن يحاول تجنب الاعتداء. فلا يكن بادئًا. وهذا التجنب ليس خوفًا، وإنما امتثالاً لأمر الله تعالى بألا نبدأ بالعدوان، قال تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ".
- أخبري ابنك بأن يظل في الأماكن الآمنة المكشوفة التي بها جمع من الناس.
- لا تجعليه يخفي الاعتداء عليه كما لو أنها وصمة له بالضعف فهذا يزيد الأمر سوءاً ويزداد الاحتمال بعدم القدرة على المواجهة مستقبلاً، فضلاً عن عدم الرجوع لأحد لإخباره وطلب المساعدة. أعلمي ابنك أن الأمر ربما تطلب إبلاغ المشرفين أو حتى تدخل أوسع نطاقًا إذا ما كان الأمر متفاقمًا.
- أحيانًا يكون الأمر لا يحتمل أن يعالجه الطفل بمفرده. وإذا ما كنا في المشكلات الصغيرة نفضل تصرف الطفل بنفسه ليعتاد التفاوض ورد العدوان والتفاهم والتعامل و...، إلا أنه في الحالات التي يتعرض فيها لعدوان أشرس من أن يرده بمفرده لا بد من تدخل الكبار.
أما عن سؤالك الذي شغل بالي كثيرًا حقًّا: هل أعلمه ألا يرد أم يرد؟ فكرت به كثيرًا؛ ولعلّ مرد حيرتي أننا نستشعر من الناحية الدينية والأخلاقية أننا لا نحب لأطفالنا أن يكونوا معتدين، ونريد أن نعلمهم العفو والصفح.
وعلى الطرف الآخر لا نريد أيضًا لهم أن يكونوا في موقف ضعف فيُعتدى عليهم ويقفوا مكتوفي الأيدي قليلي الحيلة. فما العمل إذن؟
وهذا التقدير يقلل كثيرًا من استهدافه كضحية للعدوان. كما يضعه في موقف القوة بحيث إذا ما اعتدى عليه يكون قادرًا على أخذ حقه ورد اعتباره ولا يقف عاجزًا عن رد العدوان عن نفسه. في هذه الحالة يمكننا بالطبع أن يكون في موقف العافي (مع المقدرة)؛ لأنه لا عفو بلا مقدرة حقيقية. وإذا وصل للعفو يمكنه أن يتجاوزه للإصلاح بينه وبين هذا الذي اعتدى عليه سابقًا. وله بهذا أجر عظيم. ولنا الأجر على تعليم وتربية أطفالنا على العفو بعد أن نكون أهلناهم للمقدرة.
يجب أيضًا أن أذكر أن هناك تمهيدات للاعتداء فليس هناك اعتداء يبدأ من ذروته. وإنما احتكاك، ثم مناوشة، ثم محاولة لجس النبض، ثم اعتداء صغير يمكن أن يتطور سريعًا. وكل هذه مراحل يمكننا فيها أن نعلم أطفالنا الكثير من ضبط النفس والحوار ومحاولة تغيير مسار الحدث لصداقة بدلاً من العداء. وهكذا علينا فعليًّا أن نحول دون العدوان. سواء كان طفلك معتدي أو معتدى عليه؛ لأنه ربما لو ذاق قوة الاعتداء لأحب هذا الشعور بالقوة الزائفة. وهذا وارد، فكثير ممن كانوا بالأمس معتدى عليهم صاروا اليوم معتدين. ولا نريد هذه الحالة ولا تلك.
ولذا يجب أن نعلم أطفالنا الحب ونذيقهم القوة الحقيقية في مجالاتها المشروعة.
إذن لا بد من أن توصلي الرسائل التالية إلى طفلك:
- كن قويًّا (نفسيًّا وبدنيًّا) حتى لا تستهدف بالعدوان.
- لا تبدأ أبدًا بالعدوان.
- رد العدوان إن حدث (بعد أن تكون قد سلكت كل السبل كي لا يحدث العدوان).
- إذا رجع المعتدي عن اعتدائه فالعفو والغفران. أرجو أن توافينا بمتابعاتك.
ونحن معك. ولمزيد من الإيضاح ولإلقاء الضوء على بعض الجوانب الأخرى الخاصة بهذا الموضوع يمكنك الرجوع إلى الاستشارة التالية:
- العفو والحِلم.. المعنى والممارسة
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..