أحمد ابني (3 أعوام) طفل طيب، إلا أنني إلى الآن لا أعرف كيف أتعامل معه. أعترف أنني عصبية لكنني لم أكن كذلك. كل ما يفعله يضايقني، نقضي كل الوقت معًا هذا ما يجعل كل أفعاله تحت بصري حتى ولو تجاهلتها. أحاول منع نفسي من ضربه دون فائدة. أصبح صوتي عاليًا ولكن دون فائدة، لا يحب اللعب باللعب بعكس أخيه الصغير (عمره عام).. إذا أخرجته من الغرفة حتى لا أنفعل عليه يتركني ويجلس بالغرفة الثانية دون لعب بأي حاجة فماذا تشيرون علي؟ وجزاكم الله عنا خيرًا.
أختي الكريمة، ليس هناك إلا أطفال طيبون، أما أنك لا تعرفين كيف تتعاملين مع ابنك فهذا ما يمكننا مناقشته والتواصل بشأنه.
حبيبتي.. تعاملنا مع طفلنا بشكل إيجابي (وهذه وظيفة الأمومة) أمر يسبقه ويمهد له الكثير من التعلم والتدريب. وهذا إن لم يكن مدرجًا على خريطة تعاملنا مع وظيفتنا (الأمومية) فيجب أن يدرج حالاً وفورًا في هذه اللحظة قبل تاليتها؛ ولذا هيا سطري معي الخط الأول في رسالتنا: التعلم والتدريب.
وحيث إن هذا التعلم والتدريب لا تسري نتائجه إلا في بيئة ملائمة فسطري معي الخط الثاني: البيئة.
ونظرًا لأني لا أعرف تفاصيل مشكلتك فسيكون الخط الثالث هو: إستراتيجية عامة لحل المشكلات.
والآن نتناول نقطة تلو أخرى.
أولاً: التعلم والتدريب:
سأذكر لك بعض ما يجب معرفته:
1 - طبيعة مرحلة نمو ابنك، وتشمل: (النمو النفسي - النمو العقلي - النمو الحركي - النمو اللغوي).
2 - طبيعة ابنك الخاصة:
فكل طفل كبصمة الإصبع التي لا تتكرر؛ ولذا علينا التعرف على طبيعة الطفل الخاصة وذلك عبر تفاعلك معه، واستكشافك الفطري لهذه الطبيعة الخاصة، على أن تسألي عن أي تصرف يعتريه الغموض بالنسبة لك لتعرفي بدقة سببه، وهل هو طبيعي أم غير طبيعي لمرحلته السنية، وكيف يمكننا التعامل مع هذا التصرف، وهكذا... (وهو ما بدأته بالفعل برسالتك إلينا)، وتبقى للأم فطرتها التي نادرًا ما تضللها في التعرف على طبيعة طفلها؛ فاعتمدي على كليهما معًا كوسائل لتلمس طبيعة طفلك الخاصة به: (فطرتك، وعلمك).
3 - الطرق والوسائل:
بما تتضمنه من وسائل جديدة وأنشطة يمكن ممارستها، ومعرفة جديدة توصلت إليها يمكنها أن تحسن حيزًا من حياة ابنك.. وغيرها من تلك الطرق والوسائل التي تمكننا من الصعود بنمو طفلنا لأعلى حيز ممكن.
4 - التدريب:
فمعرفة الطرق والوسائل والأنشطة الجديدة والتي يجب اتباعها لا تكفل وحدها الأداء الجيد، وإنما التدريب على تنفيذ ما تعلمناه ضرورة ليتمكن منا ويصير جزءًا من سلوكنا وعاداتنا، ومن ثَم يمكننا من ابتكار وسائل أخرى مع ما يستجد من مواقف ومشكلات تتغير تبعًا لطبيعة مرحلة الطفل العمرية.
ثانيًا: البيئة الصحية:
فهي بمثابة التربة التي تثمر فيها البذور، وكل إيجابيات الطفولة لا تؤتي ثمارها إلا في بيئة هادئة سعيدة.
ولذا أنتقل معك إلى جملتك الثانية (أعترف أنني عصبية)، وقد ذكرت أعراض هذه العصبية (الضرب - الصوت العالي – عدم قبولك لكل تصرفات ابنك) وهو ما ردّ عليه طفلك بالانسحاب التام والكامل -"يتركني ويجلس دون لعب بأي شيء"- وهو الرد الأخطر من قبل الطفل إزاء تعاملاتنا الخاطئة معه؛ حيث ينسف الجسور الممتدة بيننا وبينه ويظل في خطر وحده ويصعب حينها الوصول إليه لإنقاذه حتى مع نوايانا الحسنة لذلك، ولن أناقش تفصيل هذا معك الآن، ولكن لزامًا عليّ أن أنبهك، وأرجو فقط أن تضعي نفسك مكان هذا الصغير (فهل يمكنك أن يُصرخ في وجهك وتضربي وتعاملي بمثل ما تعاملينه به الآن، ثم تدخلي حجرتك مبتسمة سعيدة بما وجّه إليك من إهانة ورسائل عدم التقبل!!).
عم تسألين؟ هل تريدين بحق أن يسعد ويبتسم بعد تعاملك (...) معه؟ كيف وقد لقنته وأقنعته بكل وسائلك الشفهية وغير الشفهية أنك لا تقبلين كل تصرفاته!! هل تسألين عن علاج لسلوكيات ابنك غير المرغوبة؟ التي عفوًا.. لم تذكري أيا منها، فكل ما ذكرته هو تفسيرات من جانبك لعدم القبول كما قلت: "كأنكما تقضيان طيلة الوقت معًا" (ولا تقبلين تصرفاته إن تجاهلتها)! معذرة هذه مغالطة فأنت غير مطالبة بأن تتجاهلي تصرفات ابنك غير المرغوبة، ولا أن تقبليها على عيبها فمن يربيه إذن؟ من يرسل له رسائل الحب والقبول والإيمان به، ومن يبني لديه احترامه لنفسه ومن يعلمه ويصوب له ويحبه؟
أصدقك القول: أرى هذا الذي ذكرته مجرد تأويلات وأعراض لحالة اللاسعادة التي تعيشينها الآن، وطفلك في هذه الحالة ليس إلا شاهدًا عليها أو متضررًا بها، وليس بطبيعة الحال سببًا فيها.
اخرجي من وراء تأويلاتك تلك، وواجهي نفسك بأسباب المشكلة وليس أعراضها، فمن الأفضل دائمًا مواجهة المشكلة الأساسية بدلاً من مواجهة الصعاب المترتبة عليها، خاصة إذا كان "التوالد" صفة أصيلة للمشكلات.. ولحسن الحظ أن التوالد أيضًا صفة أساسية لحل المشكلات. فالشمعة التي نضيئها على المشكلة الواحدة تلقي بأشعتها على المشاكل المحيطة.
ابذلي جهدك للحول دون توالد المشكلة الأصلية إلى عدد من المشكلات، خاصة أن مشكلاتنا مع أبنائنا من الممكن أن تصبح أزمة كبيرة بدلاً من مشكلة صغيرة إن لم ننتبه إليها مبكرًا، ولأن معظمنا ينظر لأطفاله على أنهم محور الحياة وجل الآمال، فعلينا ألا نهدد هذه المنطقة، ولا نشحنها بالتوترات التي يمكننا تلافيها.
ولأنني لا يمكنني التكهن بما لديك من مشكلات (حتى إن كانت بالفعل هي تفاصيل لم تذكريها لتعاملك مع أولادك) يظل ما في وسعي عمله هو تقديم ما يمكن تسميته: فن حل المشكلات.
وللحق أنه أمر سهل ويسير للدرجة التي يمكننا أن نتجاهله تمامًا، كما نستمر في فك "المسامير القلاووظ" بأظافرنا في حين يمكننا أن نستخدم المفك.
الخطوة الأولى تحديد المشكلة:
تصوري معي أنك دخلت حجرة مظلمة وتريدين جذب عدد من الأشياء للتعامل معها. هل يمكنك ذلك؟ بالطبع لا. هذا هو تمامًا الإحساس الغامض بعدم الارتياح. لا يمكننا التعامل معه؛ ولذا علينا أن نحدد بوضوح ما هي المشكلة التي نتعامل معها، وحين تدخلين الغرفة المظلمة اجذبي شيئًا واحدًا منها وتعاملي معه، وشيئًا فشيئًا سيمكنك فصل الأشياء عن بعضها وتصنيفها معًا حتى نتناول منها شيئًا واحدًا أو مشكلة واحدة نراها أهم واحدة في وقتنا الحالي أو هي المشكلة الأصلية التي تندرج تحتها مجموعة من المشكلات الفرعية، وربما كانت هي المشكلة الأكثر إلحاحًا لنبدأ بها.
المهم الوضوح التام للمشكلة التي نتعامل معها، وعلى أن نتناول علاج مشكلة واحدة في المرة.
ماذا بعد: اكتبي وصف المشكلة في جملة مركزة واضحة، وأعطها اسمًا، مثلاً (المكوث بمفردي لفترة طويلة - عدم معرفتي الكافية عن التربية - علاقة غير طيبة مع...).
الخطوة الثانية: طرح الحلول:
فكّري في أكبر عدد ممكن من الحلول، ولا تحاكمي أفكارك في هذه المرحلة. المهم الآن أن تدعي لنفسك حرية وضع كل ما يخطر في ذهنك من أفكار. فلنفترض الآن أن المشكلة التي سنتعامل معها هي (عدم المعرفة الكافية عن تربية الأطفال).
اطرحي كل ما يمكنك من أفكار، مثل:
- قراءة كتب.
- سؤال الأهل.
- سؤال الأصدقاء.
- المحادثة مع الزوج.
- إرسال رسالة لفريق معًا نربي أبناءنا.
- الالتحاق بدراسة منظمة.
- الحصول على دورات تدريبية... إلخ.
الخطوة الثالثة: اختاري حلاًّ
(ربما كان واحدًا مما سبق – أو تركيبًا لحلين معًا - أو بناء على أحدهما...) مع عدم إهمال بقية الحلول فربما استخدمتها فيما بعد.
الخطوة الرابعة: خططي لتنفيذه:
بتقسيمه لعدد من الخطوات الصغيرة. مع استخدام ما يسمّى بالخدم الجيدين ليساعدوك على وضوح الرؤية: (ماذا – لماذا – أين – كيف - من – متى). مثلاً لو أنك اخترت الكتابة لفريق معًا نربي أبناءنا. حددي ماذا سأكتب أولاً -متى سأكتب هذه الرسالة- من يمكنه أن يساعدني في تحديد المشكلة...). وهذا لتزداد الخطوات وضوحًا وتقسم لعدد من الخطوات يسهل أداؤها واحدة بعد أخرى. تذكري ورددي لنفسك دائمًا: الإنجاز الواحد بمثابة طرف الخيط لمجموعة من الإنجازات المتلاحقة.
الخطوة الخامسة: قيمي ما اخترته من حلول.
هل حقق بعض النتائج، هل تحتاجين لإضافة حل آخر معه... واصلي العمل على حل المشكلة حتى تشعري بتحسن حقيقي فيها؛ فالمثابرة أمر ضروري ولا تنسي (أن البذرة تحتاج لتربة جيدة، وتعهد ورعاية حتى تؤتي ثمرها ولا طريق مختصرًا لذلك).
ويبقى لدي أدوات أجدها دائمًا حلاًّ لكثير من المشكلات أوجزها لك على أهمية التفصيل فيها:
- علاقة قوية مع الله تعالى.
- علاقة قوية مع الزوج.
- علاقة قوية مع المحيطين.
أمامك الآن عدد من الأبواب توصل كلها لمساحة من النجاح والرضا. عليك أن تختاري من أيهم ستدلفين أولاً. استعيني بالله وتحركي فورًا. ونحن معك لكل تفصيلة تحتاجين فيها لصديق.. والله المستعان.
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر ميل صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..