ابنتي عمرها 19 شهرًا، وأحاول أن أدربها على استعمال النونية، لكنها تخاف منها وتصرخ وتفضل أن تتبول وهي واقفة، وقبل أسبوعين مرضت مرضًا شديدًا، والحمد لله عوفيت منه، لكنها أصبحت ترفض فكرة التبول في الحمام، وتصرخ بشدة بعد أن كانت تفرح لذلك، الرجاء تزويدي بالنصائح اللازمة لهذه الحالة، وجزاكم الله خيرًا.
مرحبًا بك أيتها الأخت الغالية، ومرحبًا بفاطمة، وعساها تكون "أم أبيها" كما كانت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان يداعبها ويلقبها دائمًا بهذا اللقب المحبب.
أختنا الكريمة.. إنه من أعجب الأشياء في الأطفال أنهم رغم عدم قدرتهم على التصريح بشكواهم ومشاكلهم؛ فإن لديهم في الإشارات و اللمحات ما يكفي لأن يصبحوا أمامنا مثل الكتاب المفتوح. بشرط أن نحسن ترجمة هذه الإشارات وتفهمها والاستجابة لها، وأعني بذلك صراخ ابنتك من محاولاتك معها لإجلاسها على مكان التبول؛ فهذا الصراخ قد ترجمتِه أنت بالخوف من "النونية" كما تسمينها، وربما يكون اشمئزازًا منها –فهكذا كانت ابنتي– وربما أن شكلها غير لطيف، أو أنها تؤلمها بالجلوس عليها، أو ربما أنك بدأت تدريبها بإجلاسها لفترات طويلة، فأصابها الملل والكره لهذا الأمر؛ فأصبحت ترفض المسألة لتجربتها غير السعيدة معها..
كل هذه احتمالات أفكر فيها معك لرفضها للتبول في المكان الذي خصصته لها.. وإن كان لديّ بعض التشابك في خيوط سؤالك:
فقد ذكرت أنها تخاف من فكرة التبول في المكان المخصص، ثم ذكرت أنها بعد الشفاء "أصبحت ترفض فكرة التبول في الحمام، وتصرخ بشدة بعد أن كانت تفرح لذلك".. فهل كانت فعلاً تفرح لذلك أم تخاف منه؟؟.. أم لعلك تقصدين أنها كانت تفضل التبول في الحمام، ولكن تخشى "النونية"، ثم بعد شفائها أصبحت ترفض الأمرين؟؟
و أيًّا كان الوضع فالمسألة تحتاج لإعادة التدريب مرة أخرى، ولكن بشكل مختلف.
أولاً: لا بد في هذا التدريب من مراعاة اختبار استجابة فاطمة للأمر بلطف وحنان؛ بمعنى أنها لو أصرّت على رفض هذا التدريب في وقت ما؛ فينبغي عدم إجبارها عليه عاجلاً، ويمكن المعاودة في وقت لاحق باستخدام شكل مختلف للوعاء.. أو التدريب فيما بعد، ولا تنسي أنك تدربينها على عكس ما تطالبه به عضلاتها، وأنت طبيبة وتعلمين ذلك جيدًا بلا شك.
ثانيًا: كما يجب أن يتم تطبيق هذا التدريب في جو من الحنان والسعادة والهدوء، وبدون أي زجر أو عنف أو تهديد أو ضغط؛ حيث يؤكد علماء النفس أن من المواقف البارزة في حياة الطفل التي يكون لها أعظم الآثار في شخصيته بعد حدث الرضاعة هو التدريب على الإخراج؛ حيث تؤثر ظروف هذا التدريب في بنيته النفسية؛ إذ يعتبر ما يخرجه جزءًا من جسده؛ إذ إنه حتى هذا العمر لا يميز بين ما يملك وما لا يملك أو ما بداخله وما هو خارجه، وتدريبه على إخراجه بهدوء وحنان وحب وعدم اشمئزاز مما هو جزء منه -من وجهة نظره- يوجد لديه التفاؤل والثقة بالنفس التي تجعل منه شخصية سلسة، كما تعلو كفاءته بالتدريج.
وربما خير ما نؤكد به هذه المعلومة هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه". و إلا فإن القسوة وإظهار الاشمئزاز في هذا الأمر وغيره قد تؤدي إلى تكوين صفات و سواسية لدى الطفل مع اهتزاز ثقته بنفسه.
وسأعطيك بعض الأفكار للتغلب على كره فاطمة للنونية:
1 - ربما تكون من الأطفال الذين لا يفضلون –أو يشمئزون– من التبول في وعاء، وإنما يفضلون أن يقلدوا من يكبرونهم في استخدام المرحاض، ومما يباع في الصيدليات قاعدة ضيقة توضع على المرحاض لتلائم جسد الطفل فلا يسقط في المرحاض لاتساع دائرة قاعدته، وفي نفس الوقت لا تؤلم مؤخرته؛ لأنها غالبًا ما تكون من المطاط المنفوخ مثل (العوامة) التي تستخدم في السباحة، وغالبًا ما يرضي الأطفال، بل ويحبون هذا البديل.
2 - يمكنك أن تجعلي فترة إجلاسها عليها محببة وجميلة بغناء الأغاني والتصفيق والضحك واللعب والمداعبة، وتحكيان سويًّا الحكايات، وعندما تنتهي العملية يكون الاحتفال الكبير، والتصفيق الحاد والضحكة التي تنير الوجه، مع الإشارة باليد والكلام لتشعر أن ما عملته إنجاز عظيم.
3 - يمكنك أن ترسمي لها أو تحضري لها صورًا أو قصصًا –وهذا ما فعلته مع ابنتي– بها صورة لفيل مثلاً أو حيوان يبلّل ثيابه، ثم تقولين عنه ما يشير إلى كونك مستاءة منه مثل "إنه سيئ" أو "غير نظيف"، وصورة أخرى لنفس الرمز وهو يحرص على نظافته ويطيع أمه ويذهب للحمام وتعلقين "إنه جميل ونظيف" بصوت تبدو فيه الفرحة؛ فالطفلة قد لا تفهم المفردات بقدر ما تفهم التعبيرات في صوتك ونظرات عينيك وحركات ملامح وجهك؛ فتستطيع أن تفرق بين الحالتين؛ لتعلم أنك تحبين وضعًا وتشجعينها عليه وتنبذين الآخر وتنهينها برفق عنه.
4 – لا بد من إقران عملية التبول دومًا بمكافأة.. ولا تظهر المكافأة إلا في حالة التبول في المكان المخصص لذلك، فهذا ينبِّه الطفلة وجهازه العصبي.
كما سيؤثر بشكل إيجابي أن تبلغي أباها عند عودته من العمل وبلغة مليئة بالزهو كم كانت فاطمة جميلة ونظيفة (بنفس أسلوب تعبيرات الوجه ونبرات الصوت الذي اتفقنا عليه)، وهكذا فالطفل يسعد جدًّا حينما يتحدث عنه أهله، ويمتدحونه، ويكون ذلك حافزًا له على أداء ما يدعو الآخرين لامتداحه بشكل أكبر؛ فمثل هذه الأفعال المليئة بالمرح والحيوية والسعادة ستدفعها لحب هذه العملية حتمًا، بل والسعي لفعل ما يدعو الآخرين لامتداحها.
ويمكنك ابتكار المزيد من الأفكار لترغيبها في العملية نفسها دون إجبار لها على كونها في "النونية" بالتحديد، وعلينا كآباء وأمهات أن نتذكر دائمًا أن المزاج النفسي للطفل قابل للتطور والصقل باستمرار.
أما عن برنامج التدريب نفسه فقد عرضناه في أكثر من موضع سابق، يمكنك الإطلاع عليها بالنقر على عناوين هذه الاستشارات في نهاية الإجابة.
ولا أحب أن أختم معك الحديث قبل أن أؤكد على أنه يا أختي الغالية ما من شيء في تربية أبنائك يمكنك تأديته بنجاح ويؤتي ثماره أسرع مما تتخيلين إلا بالدعاء الصادق في أوقات الإجابة، والتوكل على الله عز وجل، والاستعانة به تعالى؛ لينبت الله ذريتك نباتًا حسنًا؛ فالزارع يبذر البذور، ويرويها، ويأخذ بالأسباب، ولا ينمّي له زرعه ويحفظه إلا الله سبحانه؛ ولهذا فما من شيء تؤدينه لأبنائك إلا استعنتِ على أدائه بالدعاء.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..