السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أود أولاً إبداء إعجابي الشديد بموقعكم المتميز، حيث إنني أعتبر عضوة جديدة، وهذه أول مرة لي في دخول هذا الموقع المتميز لما وجدت فيه من مواضيع عدة تشغل أغلب الناس، وجميعها مفيدة للغاية وهادفة، وأتمنى لكم المزيد من التوفيق.
أرجو ألا أكون أطلت عليكم، وأريد أن أطرح عليكم مشكلتي، كما سبق لي في ملء البيانات أوضحت لكم أنني مصرية مقيمة بالخارج، وبالطبع بمفردي مع أسرتي الصغيرة بعيدة عن أمي وأبي وعن استشاراتهما ونصائحهما؛ فلعلي أجد النصيحة لديكم.. لي طفلان: الكبرى فتاة وهي يارا –10 سنوات-، والصغير وائل.
مشكلتي الكبرى مع ابنتي ذات السنوات العشر، أعلم أنها كبرت، وأنها دخلت في سن لا بد أن تكوّن فيها شخصيتها، ولكني أعاني معها ما قمت أنا بزراعته معها طوال الأعوام الماضية.. لا أدري ماذا أقول؟ بل هذا ما حدث، أنا أعتبر نفسي أمًّا غير سوية مع ابنتها، لعلي أنا أحتاج لعلاج، ولكن لا أعرف ما الحل، أول مرة قمت فيها بضرب ابنتي كان عمرها 7 أشهر، وهي تحاول سحب طبق من الشربة الساخنة أثناء الطعام، ومن خوفي قمت بضربها على يديها الصغيرتين حتى أوجعتها واحمرت يداها، ثم تتالت عملية ضربي لها باستمرار على جميع أخطائها، ولكن المشكلة في نوع الضرب كنت أضربها بقسوة قسوة شديدة.. لا أعلم من أين لي بهذا؟! عندما أجلس الآن وأتذكر شكلها وأنا أقوم بشدّ شعرها هكذا وضربها على وجهها هكذا أندم ندمًا شديدًا لا يحل المشكلة.
منذ حوالي 3 أعوام أخذت قرارًا بعدم ضربي لها نهائيًّا، والتزمت به قدر الإمكان، ولأني لا أنفي أنني ضربتها خلال تلك السنوات حوالي 3 مرات، ولكنها بمنتهى القسوة أيضًا. سيدي/ سيدتي المشكلة أنني قليلاً ما أشعر بحبي لتلك الطفلة المسكينة، خاصة وهي بعيدة عني أشعر بمنتهى الحب والندم، ولكن عندما تكون أمامي قليلاً ما أشعر بالحب والحنان تجاهها مع كل ما ذكرته لعلاقتي بابنتي..
العكس تمامًا مع ابني الصغير، لا أقول لكم مدى ارتباطي وتعلقي به، وقليلاً ما أقسو عليه أو أضربه إلا للشدائد، ويكون ضربًا غير مبرح على عكس فتاتي على الإطلاق، لا أعرف لماذا؟ ولكن هذه مشكلتي.
أما المشكلة التي أعانيها مع ابنتي الآن هي أنني كلما أردت الاقتراب منها وإجبار نفسي على عدم الشدة معها وعدم اللجوء للضرب إطلاقًا، تقوم ابنتي بعمل ما يستفزني حتى أقوم بضربها من جديد كأنها أصبحت تريد ذلك إذا قلت لها لا تضعي هذا هنا، وهي تعتبر كبيرة؛ أي أنها تعي ما يطلب منها ولا تنفذ، مرة أخرى لا تنفذ، وأخرى لا تنفذ، حتى أضطر لضربها، حتى إنني أردد دائمًا لها أنه يوجد شيء ناقص في مخها يجعلها لا تعي ما يقال لها، ونظرات عينها في بعض اللحظات أشعر أنها غريبة، وإذا أخذت أتكلم معها بلين ورفق ومحاولة الاعتياد على أنها كبرت، ولا بد من علاقة احترام بيننا تأخذ في التمادي والقيام بأخطاء كثيرة معتمدة على شعورها بأنني لا أريد أن أضربها أو أقسو عليها حتى بالكلام، فيصل بي الأمر كل مرة بالإحباط.
إنني لن أستطيع تغيير طريقة تعاملي معها، وأبوها دائمًا يقول لي: لقد تعودت إذا لم يُشدّ عليها جيدًا فلا تقوم بالمفروض القيام به مثل واجباتها الدراسة وعدم الكذب وعدم تخبئة درجات الامتحانات وغيرها، بل تهتم بأن تقص عليّ كل ما هو غير مهم على الإطلاق من مواقف ضحك مع صديقاتها ولعب وتبادل النكات، لكن ما هو ضروري لا أعرفه إلا من مدرسة الفصل لديها.
أعلم أن عليّ العامل الأكبر في هذه المشكلة، ولكن أرجوكم لا تهملوا رسالتي أو تملوا منها؛ لأنها طويلة؛ لأنني حقيقة أريد حلاًّ لهذه المشكلة.. أريد أن أحب ابنتي وأن أقترب منها، وأن تكون العلاقة بيننا علاقة احترام وثقة.
وفي النهاية أعتذر عن إطالتي، ولكن لعلي وجدت فيكم أهلي البعيدين عني لأطلب مشورتهم، مع الشكر
لشدّ ما كانت دهشتي -سيدتي- عندما قرأت مشكلتك؛ فقد كنت تحكين قصة مشابهة تمامًا لا تختلف إلا في النزر القليل عن تلك المشكلة التي عرضها أستاذ مادة الإرشاد النفسي علينا –نحن الطلبة- حينما كنا ندرس بالمعهد التربوي، وقد تركنا مدة أسبوع لنتناقش ونبحث ونحلل المشكلة، ولا أكذبك القول فإننا في بادئ الأمر قد أدنّا الأم إدانة عظيمة، وأخذنا نتساءل: لماذا تسلك الأم مثل هذا السلوك؟ وما ذنب ابنتها المسكينة؟ ولكن بعد تبادل الآراء ومناقشة المشكلة بشكل أكثر علمية وحرفية مع أستاذنا أصبح موقفنا مختلفًا إلى حد كبير، وما يهم في هذا المقام كيف تم العلاج، وسوف أستعرض معك نقاطه، ولكن قبل ذلك أود أن أنبّه إلى أمرين في غاية الأهمية:
أولهما: أن تصبري على نفسك وعلى تقويم مشاعرك تجاه "يارا" من ناحية، وعلى إقامة جسور المحبة بينك وبينها من ناحية أخرى، وإذا كنت أنصح بصبر كل القائمين على التربية، وفي كل الاستشارات التربوية التي وصلتني تقريبًا إلا أنني أركز وأشدد عليه هنا، وعليك إذا أخفقت مرة فلا تيئسي من نفسك، ولا من عون الله سبحانه لك، بل عليك دائمًا أن تتذكري أنه ما من عمل جليل إلا ويبدأ بالإخفاق مرات حتى ينتهي إلى ما نصبو إليه بإذن الله تعالى، وبالطبع ليس هناك أجلُّ وأعظم من تقويم وإصلاح النفس، وتوجيه وتربية الأبناء.
الأمر الثاني: المتابعة إما معنا على هذه الصفحة أو مراجعة مرشد نفسي تثقين فيه؛ لأن الأمر يحتاج إلى دعم ومساندة، وإليك الآن الخطوات العملية للعلاج التي تتكون من شقين: شق خاص بك وشق خاص بإعادة أو بناء علاقة سوية مع ابنتك تستعيدين وتستمتعين فيها بمشاعر الأمومة.
أما الشق الخاص بك:
أولاً: لا بد أن تقفي -سيدتي- على الأسباب الحقيقية وراء مشاعرك هذه تجاه ابنتك؛ فربما لم تكوني مستعدة للأمومة ومسئوليتها عندما حملت بابنتك، أو ربما لخلافات بينك وبين زوجك كانت أشد ما يكون في وقت حملك بها، أو ربما حال حملك بها بينك وبين سفرك لأهلك وربما وربما… أشياء كثيرة حاولي أن تواجهي نفسك بها بنفس الشجاعة والمصارحة التي لمحتها في رسالتك، واعملي جاهدة على حلها، واعلمي تمامًا أنك إذا توصلت إلى الأسباب الحقيقية التي دعت لتكوين مثل هذه الأحاسيس والمشاعر، فإن هذا سييسّر الشق الخاص بإقامة العلاقة الجيدة بينك وبين ابنتك، ويمكنك الاستعانة بزوجك في التعرف على الأسباب إن لم يكن هو أحدها، والأهم من ذلك أن يتفهم هذه المشاعر ويحاول مساعدتك ومساندتك في تقويم مشاعرك والإصلاح بينك وبين "يارا".
ثانيًا: قد يستغرق أمر البحث عن السبب وعلاجه وقتًا؛ فكيف تتصرفين مع ابنتك في هذه الفترة؟ أو بمعنى أكثر دقة: كيف تُحجّمين الضرر الواقع على ابنتك من جراء عصبيتك وقسوتك عليها في هذه الفترة؟
عليك فقط:
· أن تقللي نسبة الأوامر والنواهي لها، وحاولي بصفة مستمرة أن تتظاهري بعدم رؤيتك لها عند ارتكابها خطأ ما، ولكن إذا لمحتك تنظرين إليها أو عرفت أنك رأيتها في أثناء ارتكابها هذا الخطأ فعلقي بهدوء (حتى لو كان مصطنعًا متكلفًا) بأن هذا الفعل لا يليق، وأرجو أن تعلقي على التصرف لا على الفتاة نفسها؛ فلا يجب أن تقولي –على سبيل المثال-: "أهذا فعل يصدر من فتاة مهذبة أو مؤدبة…"، ولكن يمكنك أن تقولي: "هذا تصرف غير لائق.. أو هذا تصرف لا يصح..."، بل أحيانًا يمكن أن تكتفي بنظرة المغضب (وليست نظرة كاظم الغيظ) دون أن تعلقي.
وإذا وجدت أنها ستبدأ في استفزازك، فعليك أن تتركي المكان المتواجدة هي به في هدوء (أرجو ألا تخرجيها من المكان بل اتركيه أنت)، واذهبي وتوضئي فإن الوضوء يطفئ الغضب كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اذهبي للمطبخ مثلاً وافتعلي عملاً به.
· قبل النوم يمكنك أن تسترخي على فراشك قليلاً مغمضة العينين، ثم قومي بتدريبات للتنفس تساعد على الاسترخاء، وهي عبارة عن: شهيق عميق من الأنف، ثم زفير من الأنف والفم معًا كرّري هذا عدة مرات لمدة 7 أو 10 دقائق. (هناك عدة موضوعات عن كيفية علاج عصبية الأم على هذه الصفحة يمكنك الاطلاع عليها).
ثالثًا: استوقفني في رسالتك شيء أعتبره انتصارًا مذهلاً لك وجانبًا إيجابيًّا مشرقًا في حل المشكلة، وهو أنك عندما عزمت ألا تضربي ابنتك مرة أخرى منذ ثلاث سنوات استطعت أن تحققي هذا إلى حد كبير، وهذا يشجعني على أن أطلب منك المضي قدمًا نحو هذا العزم وبهذه العزيمة؛ فلا تقتربي من ابنتك أبدًا لضربها، ولكن كما نصحتك من قبل عليك بترك المكان على الفور إذا حاولت استفزازك وأوشكت أن تفقدي أعصابك.
هذا كله في أثناء بحثك عن السبب، أما إذا كنت تعلمين السبب جيدًا ولم تفصحي به لنا (وكنت أرجو أن تفعلي)، فعليك بمواجهته وعلاجه كما ذكرت لك، وحتى يتم العلاج لا بد من اتباع الخطوات السابقة أيضًا.
رابعًا: وهو أمر بديهي، لكنني أردت فقط التذكرة به؛ فإن الذكرى تنفع المؤمنين، ألا وهو اللجوء إلى الله عز وجل، والدعاء الدائم لك ولابنتك بأن يصلح أحوالكما، وأنت لا شك تعلمين ما للدعاء من أثر.
الآن جاء دوري لأعتذر عن الإطالة، ولكن أظنك -كما فهمت من رسالتك- في حاجة إلى هذه التفاصيل، ونبدأ الآن في الشق الثاني من الحل وهو الخاص بعلاقتك بابنتك:
اعلمي تمامًا سيدتي أن استفزاز ابنتك لك -على حد تعبيرك- إنما هو نتيجة لما زرعت بها كما أوضحت برسالتك، وهذه السلوكيات الصادرة منها ما هي إلا رسالة تبلغها لك بصفة مستمرة عن عدم إحساسها بالأمان والدفء والحب، وهذا هو بيت القصيد؛ فهي لم تمنح هذا الحق في الحياة منذ نعومة أظافرها حتى تُخرجه وتبثه لك.
ولكي تبني علاقتك من جديد مع ابنتك فعليك:
· لا تكثري من الأوامر والنواهي -كما سبق-، بل أرجو ألا تأمريها أو تطلبي منها شيئًا لتفعله في الفترة الأولى على الأقل التي تحاولين إصلاح ما بينكما إلا في حدود الضرورة، وتصرفي مع أخطائها كما سبق أن أوضحت لك.
· كفي تمامًا عن توبيخها وتقريعها بالكلمات التي ذكرتها برسالتك.
· عندما تقص عليك الأمور غير المهمة بالمدرسة أنصتي لها جيدًا والتقطي من كلامها شيئًا واحدًا إيجابيًّا، وعلقي عليه بمرح، ولا تعلقي على ما ترينه سلبيًّا أو مستفزًّا.
· عليك بمتابعة أحوالها مع مدرساتها وإقامة علاقة جيدة معهن، وإذا توسمت خيرًا في إحداهن فعليك باستشارتها عن حالة ابنتك بصفة عامة وعن تحسين مستواها الدراسي بصفة خاصة.
· حينما تخرجين للتسوق مع أسرتك يمكنك أن تأخذي بيد صغيرتك، وتسيران معًا واضعة يدك في يدها تتجاذبان أطراف الحديث بمرح وحيوية.
بالطبع عندما تحاولين تغيير معاملتك مع ابنتك بالطريقة السابقة لن تكف فجأة عن الاستفزاز، بل توقعي أن تزداد، والسبب بمنتهى البساطة أنها تعودت وتربت على نوع آخر من المعاملة إلى جانب أنها تتوجس خيفة من أن تنقلبي فجأة عليها؛ ولذا فهي تحتمي بدرع الاستفزاز؛ ولذا نصحتك في بداية رسالتي أن تصبري وتثابري، وتثقي أنك ستصلين إلى ما تبغين إن شاء الله تعالى.
· عندما تجدين ابنتك تعاندك وتستفزك بعد محاولاتك المستميتة في الإصلاح بينكما؛ فيمكنك حينئذ أن تجلسي معها بمفردكما، وتتحدثي إليها بود وحب وهدوء ناظرة إليها في عينيها قائلة لها: "أنا أعرف أنك غاضبة مني، وأنا لست مسرورة من نفسي حينما أضربك أو حتى أسبك، وأودّ لو استطعنا أن نكون أصدقاء، ولعلك لاحظت أنني أحاول ذلك فعلاً، وثقي أنني سأبذل قصارى جهدي في أن أكسب صداقتك" كوني صادقة في كلماتك وفي تنفيذ ما تعدين به أيضًا..
ثقي أن هذه الكلمات ستؤثر في ابنتك تأثيرًا بليغًا، وستحاول أن تختبرك وتختبر مدى صدقك معها، وهذا الاختبار سيكون عن طريق استفزازك مرة أخرى؛ فلو لم تحسني التصرف وتكوني هادئة وتستوعبي الموقف، فثقي أنها ستعتبرك قد سقطت في الامتحان، وتزداد سوءاً، ولكن إذا تمالكت أعصابك وذكرتها بكلمة لطيفة بالاتفاق الذي بينكما وبالحوار الذي دار؛ فإنها ستتأكد من صدق نيتك في الإصلاح، فتبدأ هي الأخرى في محاولات لكسب ودك، ولكن لن يخلو الأمر من بعض التصرفات الاستفزازية، ولكن بإصرارك وحسن توكلك على الله تعالى ستجنين أجمل النتائج، وتجدين فتاتك بعد ذلك من أرق وألطف الفتيات إن لم تكن أرقهن وأهذبهن على الإطلاق.
· كما يمكنك بل يجب -وذلك من تمام بناء العلاقة الإيجابية بينك وبين ابنتك- أن تقومي ببعض الأنشطة المنزلية معها (هناك موضوعات كثيرة تناولت هذه الأنشطة على هذا الموقع يمكنك الاطلاع عليها).
· وإلى أن يتم تعديل وتقويم عاطفتك ومشاعرك بابنتك أذكرك بأن تعدلي بين ولديك في المعاملة على الأقل، وهذا تملكينه بلا شك، وليكن حالك كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تحاسبني أو تؤاخذني فيما لا أملك".
وأخيرًا -سيدتي- نرجو أن تتابعينا بكل خطوة ونتائجها؛ فإن ذلك أدعى إلى التوصل للحل الأمثل إن شاء الله، وأدعو الله عز وجل أن يهدينا ويهديك سواء السبيل.
ملحوظة: إذا لم تتوصلي لنتائج مرضية بعد كل هذه المحاولات فيمكنك اللجوء إلى أحد المتخصصين في علم النفس لعلاج الأمر، وخاصة مشاعرك تجاه ابنتك.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..