ابني يبلغ من العمر 7 سنوات. نحن نعيش في أمريكا منذ 10 سنوات، بمعنى أن ابني لا يعرف له وطنا وموطنا إلا أمريكا. أحاول دومًا ألا أفقده انتماءه إلى بلدي مصر، أحكي له عنها، أرسم معي صورًا عن مصر، ونزور مصر كل صيف... إلخ. عندي مشكلة أثارتها أحداث 11 من سبتمبر.
ابني يذهب إلى مدرسة عادية (ليست إسلامية)، ويحيي العلم الأمريكي كل صباح، ولكن عندما جئنا إلى مصر هذا الصيف سمع الأقارب والأصدقاء يلعنون أمريكا، ويصفونها بأقبح الألفاظ، ورأى مشاهد تليفزيونية للطلبة في مصر وهم يحقرون العلم الأمريكي.
هو يسأل سؤالا بريئا جدًّا. هل عليَّ احترام أمريكا أم لا؟ هل أحبها؟! هو "داخليًّا" يحب أمريكا فهناك الإمكانيات والألعاب والأصدقاء.. والتعليم الجيد، ولكن كيف يحبها ويحترمها وهي محتقرة إلى حد حرق علمها الذي هو "رمز الدولة، رمز النموذج الأمريكي، ورمز الشعب الأمريكي.
السائلة الكريمة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا شك أن هذا سؤال جيد؛ لأنه يتعرض لقضية الولاء، ويجب على المسلمين في بلاد الغرب شرح هذه القضية بوضوح لأبنائهم، وعدم تركهم ليذوبوا ذوبانًا تامًّا في المجتمع بحسناته وسيئاته، ويجب على الآباء أيضًا انتهاز كل فرصة لتثبيت مفهوم أن الحب والكره يكون تبعًا لما أمرنا وأوصانا الله تعالى به، وفسَّره لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان".
ويجب على الآباء أيضًا توضيح قضية أنه لا يوجد مكان واحد كله خير وكله شر، فمثلاً هناك أمور كثيرة في أمريكا يمكن لطفلك أن يحبها؛ لأنه خير مثال للنظام الجيد والتزام المواعيد والإمكانيات المتاحة للتعليم في مدرسته، والأصدقاء الذين يعاونونه على الخير، ويقضي معهم وقتًا بريئًا طيبًا، واحترام الناس بعضهم لبعض، والتعامل بالحسنى مع الجار، والأنشطة، والخدمات، وأماكن التنزه التي توفرها المستويات المختلفة الحكومية لأفراد الشعب... إلخ.. كل هذه أشياء جيدة لا مانع من أن نعلم أطفالنا حبها والتعامل معها؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما حرم بنص، ولعلّ هذا هو ما يمثله العلم الأمريكي بالنسبة لابنك الصغير.. إنه يمثل هذه الأشياء الجميلة في نفس طفلك والتي لا مانع من حبها، بل على العكس يجب علينا غرس حبها في نفوس أطفالنا.
وفي الجانب الآخر لا بد أيضًا أن نوضِّح للطفل أن هناك أمورًا في أمريكا لا ينبغي علينا أن نحبها فقط لأنها أمريكا، وأيضًا هناك أمور طيبة في بلاد العالم الأخرى يجب علينا أن نحبها، وأمورًا سيئة لا ينبغي أن نحبها حتى ولو كنا في بلاد المسلمين؛ لأن المؤمن يجب أن يكون هواه تبعًا لما جاء به رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به".
ولعلَّ من الأمور السيئة التي يجب علينا توضيحها لأطفالنا هي أن الحكومة الأمريكية لا تعامل الناس جميعًا بمكيال واحد، وأنها تنحاز إلى بعض البلاد والحكومات الظالمة، وأنها مثلاً تعين إسرائيل على إيقاع الظلم على أهالي فلسطين، وهذا ظلم لا ينبغي أن نحبه ونشجعه.. إنها أيضًا تؤيد بعض الحكومات الظالمة في بلدان كثيرة في العالم، وشعوب هذه البلدان تحس بهذا الظلم؛ ولذا فالعلم الأمريكي في هذه البلاد يمثل أمام الناس رمزًا للظلم؛ لذا كان طبيعيًّا أن يعامله بعض الناس باحتقار.
يجب إفهام أبنائنا أنه يجب علينا ألا نحب ولا نشجع الظلم، سواء كان هذا الظلم واقعًا من قبل فرد أو حكومة، وسواء كان هذا الفرد أو الحكومة مسلمة أو غير مسلمة، فالظلم قد حرَّمه الأهل كما ورد في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظّالموا".
إذا فهمنا وضع هؤلاء الناس الذين يحتقرون العَلَم ويحرقونه فقد نعذرهم، فهم لا يعرفون عن أمريكا النظام الذي تعرفه أنت يا ولدي، ولا يعرفون الخدمات التي تستمتع أنت بها يا ولدي، ولا نظام التعليم الجيد الذي تعيش أنت فيه يا ولدي...، ولا...، ولا...، ولكن كل ما يعرفونه عن أمريكا هو الحكومة التي لا تتعامل مع الناس والتي تكيل بأكثر من مكيال حسب مصالحها؛ ولذا فعَلَم أمريكا بالنسبة لهم هو رمز للذل والطغيان، وعدم العدل، ومساعدة الظالمين.
أخي السائل.. نعم إنها قضية معقدة، ولكن يجب عليك كأب أن تنتهز كل فرصة وتستخدم كل أسلوب مبسط لتعرّف ابنك حقيقة الأمور وحقيقة ما يحدث من الحكومة الأمريكية من جرائم ضد البشرية وضد حقوق الإنسان، خصوصًا غير الأمريكي، وقد يعينك على ذلك أن تستخدم الآتي:
- شرائط الفيديو التي تنتجها المؤسسات الإغاثية عن أوضاع بعض الذين يعانون في أماكن متعددة من العالم.
- الإحصائيات المريعة لقتلى الحروب التي شنتها أمريكا على بعض الشعوب، أو بعض الحكومات الغاشمة ساعدت أمريكا على شنِّها، مثال حكومة إسرائيل وطريقتها في التعامل مع الفلسطينيين.
- الضغوط غير الإنسانية التي تضغط بها أمريكا على بعض بلدان العالم للمقاطعة الاقتصادية التي تقودها ضد العراق والتي تسببت في قتل أكثر من نصف مليون طفل صغير خلال العشر سنوات الماضية.
لا يمكننا أن نعزل أبناءنا عما يدور في العالم، ويجب علينا إطلالهم على حقائق الأمور بصورة تدريجية وبأسلوب مبسط دون أن نثقل عليهم، ولتكن الجرعات صغيرة وعلى فترات متباعدة حتى لا تؤثر عليهم نفسيًّا، ومن الممكن أن يكون المقياس في ذلك هو مدى اهتمام الطفل بأمر والسؤال عنه، فتكون الإجابة بشرح وتوضيح المفاهيم المتعلقة بهذا السؤال، وعدم التغافل عنه بحجة أن الطفل صغير، فما دام يسأل عن أمر ما فهذا يدل على استعداده لمعرفة الإجابة إن شاء الله تعالى.
لا يجب علينا أن نعزل أولادنا عما يحدث حولهم، وإلا فنحن مقصرون في حق تربيتهم التربية المتزنة التي تجعلهم يتفكرون في عواقب الأمور، ويزنونها بمقياس الحق ومقياس الولاء لله ورسوله –صلى الله عليه وسلم-، والله ولي التوفيق.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..