السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. لديّ مشكلة وهي أن ابنة أخي البالغة من العمر 13 عامًا في المرحلة الإعدادية ليس لديها الرغبة في الدراسة، ونحن حين نطلب منها المذاكرة تجلس وتتصفح الكتاب فقط أو تنظر إليه دون أدنى اهتمام بمحتواه، وتسرح بعيدًا عن محتواه.. هي ليست غبية، وقد طبقت عليها أحد اختبارات الذكاء فظهر أن نسبة ذكائها هي 122.9.
أتمنى أن تفيدوني بطريقة حتى أتمكن من حثِّها على الدراسة وجعل الدراسة شيئًا محببًا بالنسبة لها، ولكم مني جزيل الشكر.
وعليكم السلام ورحمته وبركاته.. أشكر لك اهتمامك بابنة أخيك وأصارحك بأن هذه هي المرة الأولى –بالنسبة لي على الأقل- التي أتلقى فيها استشارة تتوجه بها عمة إلى صفحة "معًا نربي أبناءنا"، فبورك لك من عمة، وندعو الله عز وجل أن تكون كل العمات، بل كل الآباء على هذا القدر من الوعي والاهتمام بأبنائهم، وأهلاً بك زائرة وسائلة على هذه الصفحة.
أما الرد على استشارتك فهو: كثير ممن يرسلون إلينا موضوع الاستشارة يتخيل أننا نعيش ونتابع ما يسألون عنه إلى الدرجة التي ينسى معها السائل أن يرسل لنا بعض الأمور الضرورية التي من شأنها أن تساهم في الحل الملائم والمناسب، فلم توضحي - سيدتي- لماذا لم يتقدم بهذه الاستشارة أحد الوالدين إذا كان موضوع ابنة أخيك بدأ يأخذ شكلاً جديًّا ومؤرقًا؟ وهل أنت المتكفلة أو المتبرعة بعملية الإشراف على مذاكرتها؟
ولم توضحي علاقة كل من الوالدين بالابنة، ولم توضحي مستواها الدراسي في المرحلة السابقة والمرحلة الحالية، وهل الشرود كان صفة لازمة لها أم هي حالة طرأت عليها مع دخولها هذه المرحلة السنية؟
ومستوى الذكاء الذي تفضلتِ بذكره في رسالتك ليس مؤشرًا على المستوى الدراسي، فكلنا يعلم أنه ربما يكون الفرد ذكيًّا، لكنه مع ذلك غير قادر على أن يتقدم بشكل مقبول في الدراسة.
كما لم توضحي علاقتها بأقرانها وأستاذتها بالمدرسة، بل وعلاقتها مع إخوتها. كل هذه أمور كان يجب توضيحها والإشارة لها في رسالتك.
لكن على أي حال سأحاول الرد على هذه الاستشارة من خلال ما ورد في رسالتك مع وضع كل الافتراضات المحتملة. وكما تعودنا دائمًا حين نبدأ في البحث عن الحلول لا بد أن نعرف أسباب حدوث المشكلة أولاً، وأسباب عدم الإقبال على الدراسة كثيرة ومتعددة وسوف أستعرضها لتعرفي أي الحالات تنطبق على ابنة أخيك، ومن ثَم تختارين الحل المناسب لها إن شاء الله تعالى.
وسأوضح الأسباب مع ذكر الحل لكل سبب فيما يلي:
أولاً: أسباب خاصة بالبيت وطبيعة المرحلة العمرية التي تمر بها الفتاة، مثل:
1. عدم توفر الجو والبيئة المناسبة التي تساعد على عملية مذاكرة ناجحة، ويتمثل ذلك في: توتر العلاقة بين الوالدين (وقد ذكرت في البيانات أن العلاقة بين الوالدين مستقرة)، أو توتر العلاقة بين أحد الوالدين أو كليهما بالابنة نفسها، وهذا النوع من التوتر قد يكون ملاحظًا، وقد يكون غير ملاحظ تشعر به الفتاة ولا تعبِّر عنه.
ومن هنا يأتي ضرورة إيجاد علاقة قائمة على المحبة والثقة والفهم بين الابنة والوالدين؛ حتى يتسنى للابنة التعبير عن نفسها ويسهل على الوالدين فهمها، ومن ثَم تسهل طريقة توجيهها، خاصة أنها على أعتاب مرحلة سنية جديدة وهي مرحلة المراهقة، فتحتاج الابنة هنا لأن تكون هي وأمها قريبتين تتحدثان وكأنهما صديقتان تُكِنّ كل منهما للأخرى الحب والتقدير والاحترام في نفس الوقت.
2. أو قد يكون السبب في عدم توفر مكان مناسب للمذاكرة خاص بها كأن تذاكر في وسط ضوضاء، أو أثناء تشغيل التليفزيون، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي تشتت التفكير ولا تساعد على التركيز، وحل ذلك سهل يسير بأن يُخصص لها مكان للمذاكرة، فإذا لم يكن هذا الأمر متاحًا فيمكن أن توفر الأم الهدوء في الوقت الذي تذاكر به الابنة، فتشغل باقي أطفالها بلعبهم في مكان آخر حتى تنتهي أختهم من المذاكرة.
3. وإذا كنت تتابعينها في عملية المذاكرة فعليك أن تعوديها على بعض العادات الصحيحة في الاستذكار، مثل: وضع جدول أسبوعي ويومي لهذه العملية، وكيفية مذاكرة كل مادة وتحديد وقت لها، وتحديد أوقات الراحة... إلخ، (يمكنك الاطلاع على عدة موضوعات طرحت على هذا الموقع عن عملية مذاكرة ناجحة، سنوردها لك بنهاية الاستشارة).
4. من أهم خصائص المرحلة التي تمر بها الفتاة أحلام اليقظة والشرود، ولم تَعُد المذاكرة من الأولويات لديها؛ لذا لا بد أن يكون هناك تفهم لهذا الأمر، وينبغي ألا تُنهَر الفتاة عليه، بل يمكن من خلال تشجيع وتعزيز الفتاة على إنجاز واجباتها بالموعد الذي حددته بالجدول، وبربط عملية المذاكرة بشيء تحبه الفتاة كأن تخرجي أو تخرج أمها معها للتسوق لشراء ما تحتاجه الابنة في هذه المرحلة من "ملابس جميلة زاهية في حدود ما يسمح به الشرع، وإكسسوارات خاصة بالفتيات في هذه السن… إلخ.
كما تحاول الأم أن تقترب من الابنة والحديث معها ليحدث التآلف والمودة، ولكن دون إلحاح؛ لأن هذه الفترة تتميز بالاستقلالية والرغبة في عدم التدخل في الشئون الخاصة للمراهق والمراهقة، وخصوصًا من الآباء (عليك بالاطلاع على خصائص مرحلة المراهقة من كتب متوفرة في علم نفس النمو للتعرف على المزيد لطبيعة هذه المرحلة).
ثانيًا: أسباب تتعلق بالمدرسة والأتراب:
1. وقد يكون من أسباب عدم الإقبال على المذاكرة قلة الدافعية، وأسباب ذلك كثيرة منها: جفاء المواد الدراسية وبُعدها عن مجال اهتمامات التلاميذ في هذه المرحلة العمرية، أو أن طريقة تدريسها تبعث على الملل، أو لعدم وجود التنافس الصحي المناسب بين الطلبة في المدرسة، أو لضعف المستوى العام لأقرانها بالفصل، أو لعدم الاستفادة الحقيقية من الدراسة في المجال التطبيقي والحياة العملية، ومثل هذه الأمور لا يمكن أن يقوم الآباء بحلها؛ لأنها ليست من الأمور المتاحة لهم، ومن ثَم يمكن فقط تحجيم قدر الضرر الواقع على الأبناء من جرَّاء ما تحمله المناهج والبيئة المدرسية من عيوب.
ويحدث ذلك عن طريق: التعرف على مدرسي الفتاة ومتابعة حالتها بالمدرسة، وتشجيعها على الانضمام للأنشطة المدرسية، وربط المنهج بالحياة العملية قدر المستطاع، فإذا كانت تدرس الجهاز التنفسي مثلاً بمادة العلوم فيمكن أن نجري تجربة عملية من خلال البالونات، ونوضح لها كيف تحدث عمليتا الشهيق والزفير، وما فائدة أن نستنشق الأكسجين ونخرجه ثاني أكسيد الكربون، وكثير من هذه المعلومات والأنشطة المختلفة التابعة لها أصبحت متاحة في الموسوعات العلمية المبسطة المخصصة للأطفال، فيمكن الاستعانة بها أو على مواقع متعددة من الإنترنت، وهكذا يمكن ربط كل مادة بمواقف أو بأشياء في حياتنا العملية قدر المستطاع.
كما يمكن ربط عملية الدراسة بالهدف الذي يبتغى الوصول إليه؛ فإذا كانت تبغي أن تكون معلمة مثلاً أو طبيبة أو مهندسة أو صحفية أو ربة بيت…، فلا بد أن يوضح لها أنها لا يمكن أن تحقق أيا مما سبق إلا إذا تعلمت وأتقنت هذا التعليم.
2. إتاحة الفرصة للتنزه وزيارات الأقارب والأصدقاء، كما يمكن استضافة بعض زميلاتها بالمدرسة إن أمكن ذلك.
3. وكما دائمًا أنصح كل القائمين على التربية بأنه ينبغي ألا تكون فكرة المذاكرة هي أساس التعامل مع الأبناء، فإذا كانت العلاقات الأسرية قوية ومبنية على أسس تربوية صحيحة كان من السهل علاج أمر المذاكرة بطريقة أيسر بكثير، فالعلاقة بيننا آباء ومربين وأبناء أعمق وأشمل من مجرد علاقة مذاكرة.
سيدتي.. قد لاحظت أن معظم ما ذكرته ينصب في المقام الأول على الوالدين وعلى علاقتهما بالابنة، وهذا ما يجب أن يكون، أما إذا وجدت أنهما –أي الوالدين– غير مستعدين للقيام بما سبق أو أنك المسئولة وحدك عن عملية المذاكرة لابنة أخيك، فعليك أن تستعيني بما هو متاح لك فعله من الخطوات السابقة.. وأخيرًا أعانك الله عز وجل وجعلك خيرًا لأهلك.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..