ابنتي - 7 سنوات - طالبة متميزة ومتفوقة منذ صغرها، وهي تكنّ لي كل الاحترام والحب، مطيعة منذ صغرها، ترى فيّ وفي والدها قدوتها.. ربيناها ونحن نغرس فيها الاستقلالية والاعتماد على النفس. وبحكم وجودنا في قرية صغيرة يعرف كلانا الآخر.. لاحظت عليها أمرًا في مرحلة الروضة، فحين تمتدح المعلمة فيها سلوكًا طيبًا أو تفوقًا، فتقول: (بنت فلانة).. كان ذلك يثير أعصابها، وتخبرني بذلك، وتقول: يجب أن يثنوا عليّ لأنني أنا، ولست لأنني ابنتك.
كنت أخبرها أن ذلك لا ينقص من قدرها.
وعند دخولها إلى المدرسة بدأ يزداد لديها الخوف من هذه الكلمة، خصوصًا وأنا أعمل معلمة في نفس المدرسة، وبالرغم من أنني أتحاشى الالتقاء بها وهي كذلك، لكن إذا حصل الالتقاء أجد لديها نوعًا ما من الشعور.. لا أعلم أهو ضيق أم خوف أم ماذا؟
دلوني.
المعلمة الفاضلة صاحبة الاستشارة أشكرك على ثقتك بنا، وأرجو أن نكون خير عون لك. وردًّا على استشارتك أقول:
أولاً- إن حساسية ابنتك من كونك معلمة في نفس المدرسة التي تدرس هي بها، وغضبها حين ينسب من يمدح سلوكها الحميد وتفوقها الدراسي لك ولوالدها، هي حساسية تنتاب كثيرًا من هؤلاء الأولاد، خاصة المتفوقين منهم الذين تربوا على الاستقلالية والاعتماد على النفس، والذين بذلوا من الجهد ما يجعلهم فخورين بما صنعوا هم بأنفسهم؛ وهو أمر يحمد فيها ولها، وكأن لسان حالها يقول:
ليس الفتى من قال هذا أبي........ولكن الفتى من قال ها أنا ذا
ولكن إذا وصل الأمر إلى مرحلة الحساسية المفرطة، والغضب الشديد، وفقد الأعصاب، ومحاولة التهرب منك بالمدرسة كما وصفت برسالتك، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة وتعديل لهذا السلوك.
وقد ذكرتني قصة ابنتك بفتاة ذكية متفوقة متميزة، والدها رجل ذو مكانة اجتماعية وأدبية كبيرة، كانت تستشيط غضبًا حينما يعلق الناس على تميزها في دراستها، ثم في عملها بجملة: "طبعًا لا بد أن تكوني كذلك.. ألست ابنة فلان"، برغم أنها لا تتخيل أن أحدًا يحب أباها ويقدره كما تفعل هي، فأنا أدرك تمامًا ما تشعر به ابنتك، وليس معنى إدراكي لمشاعرها أنني أوافق على هذه الحساسية المفرطة في التعامل بينكما.
واقتراحي لعلاج هذا الأمر ما يلي:
1- عليك أن تتصرفي أنت ووالد الفتاة بطريقة تلقائية طبيعية دون خوف زائد على مشاعرها وبعيدًا عن الحساسية. ولا تتحاشي ولا تتعمدي اللقاء بها في المدرسة، بل اجعلي الأمور تسير بطبيعة وتلقائية، وإذا التقيت بها في المدرسة لا ترتبكي كأنك ارتكبت ذنبًا، ولا تحاولي تفرس وجهها لمعرفة تأثير هذا اللقاء عليها، بل تعاملي معها كأية تلميذة عندك بالمدرسة.
2- وحينما تقابلان أحدًا يوجِّه مدحًا لابنتك لسلوكها الطيب، وينسب الفضل لك، لا تتوتري، ولكن اشكري من يمدح بكلمة مقتضبة بسيطة على مجاملته وحسن ظنه، وتذكّري رد أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- حين كان يُمدح فيقول: "اللهم اجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون". وفي هذا الرد البليغ درس رائع لابنتك لتتعلم أمورًا كثيرة منها: التواضع وحسن الرد.
3- أن تعلمي ابنتك أن الفضل لله سبحانه وتعالى أولاً وأخيرًا فيما نوفق فيه بحياتنا.
4- إذا غضبت ابنتك وفقدت أعصابها -على حد تعبيرك- حينما ينسب لك أو لوالدها الفضل لسلوكها الطيب أو لتفوقها الدراسي، فلا تبدي قلقًا ولا تحاولي استرضاءها، بل اتركيها حتى تهدأ، ثم تحدثي معها بطريقة لطيفة حازمة في نفس الوقت (احذري –سيدتي– أن تنم طريقتك عن اعتذار أو استعطاف) قائلة لها على سبيل المثال: أنا أعرف وأقدر مشاعرك، ولكن اسألي نفسك لماذا تثيرين هذه الثورة؟ فإذا أجابت بأنها تحب أن ينسب إليها هذا الفضل وهذا المدح؛ فأجيبيها بأنها محقة إلى حد كبير؛ ولكن أليس لنا نحن أيضًا فضل فيما تتمتعين به من صفات؟ فمن الذي ربَّى فيك هذه الأخلاقيات؟ ومن هيأ لك الظروف حتى تتفوقي؟ بالطبع أنت أيضًا لك محاسنك وفضلك في استثمار هذه الظروف لتكوني بهذه الصفات الحميدة، وأنا على يقين تام أن هناك من لهم مثل ظروفك وبيئتك، ومع ذلك فإن سلوكياتهم ومستواهم العلمي غير مرضٍ على الإطلاق.
إذن ألست معي في أن كلاًّ منا له فضل؟ وليس من البرِّ أن تثوري، أو حتى تغضبي، حين ينسب لنا جزء من هذا الفضل.. وليس من الإنصاف أن ينسب لنا نحن كل الفضل، كما أننا لن نسير في الطرقات لنعلم الناس كيف يتكلمون معنا وبأي الكلمات يجاملوننا، وثقي تمامًا أنهم لا يفعلون ما يفعلون أو يقولون ما يقولون إلا محبة وتقديرًا لنا ولك أيضًا، فذكِّري نفسك دائمًا بهذا.. ولا تحاولي أن تختفي بالمدرسة حتى لا نتقابل؛ لأنني لن أفعل ذلك.
ثم اتركيها لتفكر بكلامك دون أدنى تعليق بعد ذلك عن الموضوع إلا إذا تكلمت هي فيه، فأجيبي عليها بكلمات مقتضبة على قدر ما تسأل دون أن تستطردي في مواعظ.
5- علِّميها أنها إذا غضبت مرة أخرى من تعليقات الآخرين في هذا الموضوع أو غيره فعليها ألا تعبر عن ذلك الغضب بفقد أعصابها، بل يمكنها الرد بطريقة ودودة لطيفة لتأخذ حقها إن كان لها حق، فيمكنها - إذا مدح الناس تفوقها ونُسب إليك مثلاً - أن تبتسم ابتسامة رقيقة قائلة: "لقد هيأت لي أمي الظروف لكي أتفوق وأنا أشكرها على ذلك، وأنا التي ذاكرت واجتهدت، والحمد لله". هكذا يمكن أن تتدرب على مثل هذه الردود المهذبة التي لا تجعلها تكبت غضبها وتكتمه، فيُنمي لديها الحقد والكراهية على الآخرين لكونهم لا يفهمونها ولا يقدرونها حق قدرها، أو تنفجر بطريقة غير لائقة.
6- عند اللقاء بالأهل والأصدقاء تحدثي عن مزايا ابنتك وصفاتها التي هي هبة ومنحة من الله تعالى تحمدينه عليها، على أن يكون ذلك أمام ابنتك، ولكن بقدَر حتى لا تصاب بالغرور.
7- على والد الفتاة أن يشترك معك في كل ما سبق، بل يجب أن تتفقا مسبقًا على أسلوب التعامل معها حتى لا تتعارضا في طريقة التوجيه.
في الختام سيدتي أودُّ أن أسدي لك نصيحة في تعاملك مع أولادك بصفة عامة: لا تحرصي بشكل مبالغ فيه على مشاعرهم؛ فإنك إن فعلت أصبحوا في غاية الحساسية ولن يستطيعوا التكيف مع الآخرين، بل لن يتكيفوا مع ظروف الحياة القاسية أحيانًا، وفي نفس الوقت لا تستهيني بها – أي بمشاعرهم – فإن ذلك يورثهم المذلة والمهانة، فعليك بالوسطية في تربيتك وتوجيهك لهم.
وأخيرًا، وفقك الله عز وجل لما يحب ويرضى، وأعانك على تربية أولادك وتلاميذك تربية صالحة تثقل ميزانك يوم القيامة.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..