السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أعاني من مشكلة أراها كبيرة في نظري وهي مشكلة عدم رغبة ابنتي في تعلم الذهاب للحمام عند الحاجة، وعلى الرغم من أنني حاولت استخدام جميع الطرق للتغلب على هذه المشكلة.. أحيانًا بالترغيب، وأحيانًا بالترهيب والعقاب. والمشكلة أنني أحس أنها تدرك أن هذا التصرف خاطئ، ولكنها تُصِرُّ عليه، مع العلم بأنني بدأت تعليمها منذ سنة، أي عندما كانت تبلغ من العمر سنة ونصفًا، وشكرًا لتعاونكم.
سيدي الفاضل.. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله لك في ابنتك، وجعلها قرة عين لك ولوالدتها، وأنبتها نباتًا حسنًا.
وعلى الرغم من وجود بعض التضارب في بيانات الطفلة مع نص السؤال، حيث أوردت أن عمرها 3.5 سنوات في حين يرد في نص السؤال أنك (بدأت تعليمها من قبل سنة، أي عندما كانت تبلغ من العمر سنة ونصفًا)، وهو ما يدل على أن عمرها سنتان ونصف، إلا أننا سنحاول في الإجابة أن نأخذ في الاعتبار كلا العمرين إن شاء الله تعالى، وأن نورد لك من المعلومات ما يفيد باعتبار أن الطفلة عمرها 2.5 أو 3.5.
ولقد تداعت إلى خاطري العديد من الأسئلة وأنا أطالع سؤالك، ولعلَّ فيها تكمن الإجابة، فقد ذكرت أنك حاولت مع الابنة -وأنت والدها- بكل الطرق أن تستخدم الحمام، وأن تتحكم في عملية الإخراج، ولم تذكر لنا أين مشاركة والدتها في تعليمها هذه العملية؟ كما أنك أنت وأمها تعملان وتقضي معها الأم 9 ساعات وأنت 5 ساعات.. فأين تقضي الطفلة باقي اليوم ومع من؟ وهل تنتظم في التحكم في الإخراج في هذه الأثناء؟ أم أنها تستخدم "الحفاظات"؟ أم أنها تتبول في ملابسها ويقوم من معها بالتغيير لها؟ وهل هناك اختلاف في التعامل معها في هذه الأثناء حيال هذا الأمر عما تتعاملان به معها أثناء تواجدكما؟
في الحقيقة قد أثارت عندي كل هذه التساؤلات شعورًا بأن الإجابة عليها تضع أيدينا على سبب المشكلة، وهو ما يسهِّل حلَّها، وخاصة مع ذكرك في بيانات الطفلة أن علاقة الوالدين مضطربة، وهو ما يلقي الضوء على الحل مضمنًا في ذات السؤال، فلا شك أن سلامة نمو الطفل، واستجابته للتدريب والتطور في استقراره العائلي والأسري.
ونعود لطفلتنا الغالية (راما) وإلى عدم استجابتها للتدريب على التحكم في عملية التبول أو الإخراج، وإن كان لا بد من أن نوقن بأن هذا الأمر صعب على الطفل في ظلِّ ظروف عادية وفي بداية تدريبه، حيث إن هذا الأمر هو عكس استجابة الجسم الطبيعية على خط مستقيم، فكما يورد دكتور "محمد عماد الدين إسماعيل" في كتابه (دليل الوالدين إلى تنشئة الطفل) بأنه من طبيعة العضلات أن تنفرج حين يمتلئ المكان بمواد الإخراج، والمطلوب من الطفل يقتضي منه عكس ذلك تمامًا، أي أن يقبض عضلاته عندما تضغط عليها مواد الإخراج حتى يذهب للمكان المخصص ويقضي حاجته، وبالتالي فالأمر ليس سهلاً، ولو أدرك الوالدان ذلك لالتمسوا العذر للطفل، وترفقوا به عند بداية تدريبه على التحكم).
هناك صعوبة أخرى تواجه الأزهار الصغار في تعلم هذه العملية، وهي أن التدريب عليها عادة ما يتم في سن لا تكون لغتهم فيه قد اتضحت أو اكتملت إلى الحد الذي يفهمون به التعليمات بدقة أو يعبِّرون عن احتياجاتهم بدقة، وأنت تقول: إن تدريب الطفلة بدأ وعمرها عام ونصف، أي أنها كانت تحتاج أن تتعلم أن تقبض عضلاتها، حتى تنادي من يقوم بمساعدتها، ثم تذهب للمكان المخصص، ثم تخلع ملابسها، كل هذا وهي تقبض عضلاتها التي تلح عليها بالانفراج، فضلاً عن اللغة التي قد تشكِّل لها أيضًا عائقًا أمام تنفيذ المهمة المطلوبة بنجاح كل مرة، وبالتالي فهذه الصعوبة قد تسبب إخفاقًا للحبيبة الغالية في بعض المرات، ويجب علينا تقدير هذه الصعوبة، والتعامل مع هذا الإخفاق بشكل سليم لتجنب المتاعب والمضاعفات، وسنورد ذلك فيما بعد.
لا بد من إبراز حقيقة أخرى وهي أن استعداد الطفل إدراكيًّا وجسميًّا للنجاح في هذه العملية طبقًا لنضج جهازه العصبي، والمناطق اللازمة للقيام بهذه العملية فيه يتم بعد العام والنصف، وعادة ما يكون التحكم في التبرز في مرحلة تسبق التبول الذي تزيد فيه فرص الفشل نسبيًّا، وخاصة لانهماك الطفل في اللعب، كما أنه لا يمكن أن تتوقع من الطفل أن يكون نظيفًا أثناء الليل ولا يبلل فراشه بشكل منتظم ودائم قبل 5 - 6 سنوات بعدها يصبح الأمر مقلقًا، أما في النهار فلا يكون الأمر مقلقًا قبل عمر ثلاث سنوات، وفي حالة التبرز فإن الوضع يعتبر مشكلة إذا كان الطفل يستطيع استعمال الوعاء المخصص أو المرحاض، ولكنه يُصِرّ على التبرز في ثيابه.
وسنورد لك في نهاية الاستشارة العديد من المعالجات السابقة للصفحة حول موضوع التدريب على الإخراج والتحكم فيه.
أما عن الظروف التي قد تساعد على وجود مثل هذه الحالات من الفشل في التحكم في الإخراج فدعنا نفكر فيها سويًّا في ضوء ما بين أيدينا من معطيات، والتي يحتمل من بيانات السؤال وجود أحدها أو بعضها في حالة (راما) الغالية:
1 - وقوع بعض الأحداث المؤسفة للأسرة، مثل وفاة أو غياب شخص محبوب، مثل الجد مثلاً أو الجدة، أو أحد أفراد الأسرة، وهو ما قد يشعر الطفل بالحزن.
2 - غياب الوالدين مع عدم وجود البديل الذي يحل محلهما في التعلق، والرعاية، والحب.
3 - الانتقال إلى منزل جديد أو بداية ترك الطفل في حضانة مثلاً، ونزعه من حضن الوالدين أو الأم وقد اعتاد التعلق بهما.
4 - رؤية ما يخيف (فيلم مرعب مثلاً) أو الاستماع إلى حديث عن نزاع أو حادثة، ويضاف إلى ذلك مشاهدة خلافات الوالدين.
5 - وقوع الطفل تحت السيطرة الشديدة أو المعاملة القاسية، أو تهديد أحد الوالدين بترك البيت أو الانفصال، وغيرها من الأحداث التي تهزُّ وجدان الطفل.
كل هذه الظروف قد يترتب عليها حدوث اضطرابات في حياة الطفل واتزانه النفسي، وبالتالي تؤثر في تحكمه في عملية الإخراج، فضلاً عن أن قدوم ضيف جديد للأسرة وانصراف الاهتمام إليه كلية من دون إعدادها نفسيًّا لاستقباله يعتبر من الأسباب القوية لمثل هذه الحالة -وقد يكون هو السبب الحقيقي للمشكلة-، وهو ما قد يسبِّب انتكاسة لها وتراجعًا في عدة أمور.
ويورد الدكتور "محمد عماد الدين إسماعيل" في كتابه (دليل الوالدين إلى تنشئة الطفل) بعض الخطوات للتغلب على حالات فشل الطفل في التحكم في عملية الإخراج التي يكون من أسبابها أحد ما سبق، سنوردها لك فيما يلي:
أولاً: لا بد من التعرف على السبب الذي جعل الطفلة لا تستطيع التحكم في عملية الإخراج في الوقت المناسب.
ثانيًا: تحدث مع الطفلة عن السبب الذي تعتقد أنه أدى إلى هذه الحالة، مع منح الطفلة اهتمامًا ومساعدتها على الحديث عما يثير اضطرابها، وهو ما يعمل إلى حد كبير على التخفيف عنها، وإزالة الأسباب وراء ضعف قدرتها على التحكم.
ثالثًا: يجب إشعار الطفلة دومًا بالطمأنينة والتأكيد لها أن هذه الحالة من عدم التحكم هي حالة مؤقتة وسريعًا ما ستنتهي، مع إشعار الطفلة بالهدوء والتعاطف.
رابعًا: يمكن في هذا الجو من التفاهم والتعاطف أن تقترح أنت والأم بلطف على الابنة أن تحاول ألا تبلل نفسها أثناء النوم أيضًا؛ لإيجاد الرغبة داخلها للوصول لهذا الهدف.
خامسًا: لا يفوتنا تأكيد أن كل هذه الخطوات في حالة التأكد طبيًّا من خلو الطفلة من أي مشاكل عضوية تمنعها من التحكم الكامل في الإخراج.
كما لا يفوتنا أن نؤكد أن أطفالنا أمانة في أعناقنا، وأداء هذه الأمانة على نحو يرضي الله -عز وجل- يتطلب منا تجاوز المعوقات، وتوفير الجو الآمن والبيئة الملائمة لنمو سويٍّ لأطفالنا؛ حتى لو ترتب على ذلك أن نتنازل قليلاً.
وأخيرًا.. نتمنى لطفلتك دوام الصحة والعافية، ولك ولأسرتك الحياة الهانئة المستقرة.. وفقك الله تعالى.
ونتمنى أن يدوم تواصلنا معك ومع والدة (راما)، مع موافاتنا بأخبار راما التي نتمنى أن تكون دائمًا مبهجة ومفرحة.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..