سيدي الفاضل..
تحية طيبة.. وجزاك الله خيرًا وألهمك الصواب في تعاملك مع فلذة كبدك، وأظنه الأول في الترتيب، وأدعو الله أن يرزقك بره بعد أن تمنحه حبك، وتزرعه نبتة صغيرة في قلبه حبًّا يعينه في مستقبل أيامه إن شاء الله على برك، بل والبر والرفق بالعباد جميعًا، كما أحيك تحية خالصة على سؤالك فإنه بكل تأكيد سبيلك، وسبيلنا للوصول لما فيه الصواب والخير بإذن الله تعالى.
وددت أن أطلعك على تجربة شخصية لي مع ابنتي التي تبلغ من العمر عامين.
فهي تدخل معي المطبخ بالطبع، وكثيرًا ما تحب اللعب بالملح، والفلفل، والشاي، والسكر..
وجدت أنني إن أخذت منها هذه الأشياء -حفاظًا عليها- بالقوة ستصرخ، وأنا أشعر بالظلم أن أمنعها فائدة التعلم من خلال هذا اللعب، ولا أخفي عليك لقد فكرت كثيرًا.. ما الحل؟
وبعد التفكير اهتديت لطريقة قرَّرت أن أجربها معها فقلت لها: إن هذه الأشياء لا تصلح للعب، ولكن يمكن أن أريك كل هذه الأشياء، وبالفعل فتحنا علبة علبة لنتعرف على محتوياتها، وظللنا نردد: هذا شاي.. لونه أسود، أغلقي العلبة.
افتحي الثانية، هذا سكر لونه أبيض.
انظري الملح لونه أبيض.. ذوقي.
الدقيق أيضًا لونه أبيض أمسكي بيديك.
ثم حملتها وجعلتها تضع بعض الملح في الطعام على الموقد، وأحملها وجعلتها تضيف بعض السكر في كوب الشاي الذي كنت قد أعددته.
وخلال ذلك كان هناك بالطبع بعض الأشياء التي سكبت، فأحضرت لها المنشفة، وجعلتها تنظف المنضدة والأرض.
كانت في غاية السعادة؛ لأنها تشاركني أعمالي، ولأنها شعرت أني لا أحرمها لذة التعلم، ولذة الاستكشاف.. تلك اللذة التي لا تضاهيها في حياة الطفل لذة أخرى.
وإن أصبناها بالكبت فلن نستطيع أن نمضي في حفز أطفالنا للتعلم؛ لأن تطلعهم للمعرفة هو البداية، والمدخل الأول للتعلم ولا شيء سواه.
ونعود لصغيرتي الحبيبة وصغيرك الغالي -ظلت صغيرتي تردد: ماما هل اللعب بالفلفل خطأ؟
فأجيبها: نعم.. ولكن ماما ممكن أن تريك كل الأشياء.
ولما وجدتها قادرة على إشعال الكبريت وبدأت في ممارسة ذلك بالفعل أحيانًا قلت لها: الكبريت ممنوع؛ لأنه يؤذينا ويمكن أن يحرقنا، ويسبِّب ألمًا في أصابعنا، ولكني حرصت أن أضيف أنه لا بد أن نمسك عود الكبريت من نهايته كي لا تصل النار لأصابعنا، وأمسكت عود الكبريت فأشعلته أمامها، ولكن دون أن تمسكه هي، ومرَّ الموقف بسلام.
أخي الفاضل، ما أود قوله هو أن الصغار يقتنعون باللهجة الهادئة الحازمة؛ لأنهم يستشعرون من لهجتنا ونبرة صوتنا الخطر الحقيقي خاصة إذا ما اعتاد منا عدم الرفض لكل طلباته بدون مبرر واضح لديهم.
تكرَّر هذا الموقف مرات أخرى.. وطلبت أن نمسك بالفلفل والشاي..
ولكن هذه المرة كان إقناعها أيسر بكثير من المرة الأولى، فاستجابت بسرعة حين ذكرتها أن لون الشاي أسود.. لون السكر أبيض.. الملح.. الدقيق أبيض..
والآن سيدي أريد أن أجمل لك بعض النقاط:
- لتتخل عن فكرة الأوامر التي استهللت بها نص مشكلتك، حين قلت "لا يطيع الأوامر"، فالعلاقة بين الوالدين والطفل علاقة حب وتوجيه وليست أوامر؛ لأن كل كائن حي يرفض الأوامر، ولكنه يقبل التوجيه بحب وحزم.
- لا تكرر تجربة أن ينهره شخص غريب؛ لأن هذا خطأ كبير وهو والحمد لله لم يتأثر هذه المرة، ولكن يمكن أن يزرع فيه هذا السلوك خوفًا من الغرباء يستمر معه لفترات طويلة، ثم نبحث له عن علاج فنحن بحاجة لأن يبني الطفل ثقة بكل عالمه المحيط به، وأشخاص هذا المحيط بما فيهم الغرباء، بل عوده أن يحترم الناس ويحترمونه ليعتاد احترام نفسه، وحين نبحث لابنك عن كبير، فإياك أن تتخلى عن هذا الدور أو أن يشعر ابنك بأنك لست بقادر على قيادته، وحزم أمره بالحب قبل كل شيء.
- الوقاية سيدي خير من العلاج فلا تشعل الشرارة الأولى للعناد عند طفلك بنهره المستمر، ورفضك لكل ما يريد استكشافه، بل ساعده أن يكتشف كل شيء عن طريقك؛ لأن ذلك يزرع فيه الثقة بالنفس، ولأنه سيكسبه العديد من المهارات، إضافة لثقته بك؛ لأنك معلمه الأول الذي يسانده ولا يقف ضد رغباته المشروعة، وحينها لن تجده يفعل شيئًا بعيدًا عن رقابتك وإشرافك، ولن تجده يعارضك على طول الخط؛ لأنه يعرف أنك توافق على كل ما هو مشروع، ولا ترفض إلا الخطر فقط، وتأكد أن لديه ما يحبه ويتمناه من أعماقه، ويتمنى أن يجد فيك سندًا وعونًا له على تحقيقه.
- فكِّر لولدك في ألعاب بديلة، فمثلاً السكين.. يمكن أن تشتري له سكينًا بلاستيكيًّا بدلاً من السكين الحقيقي؛ ليقطع بها بعض الأشياء تحت إشرافك مثل الخيار، الخبز، الجبن، وغيرها من الأشياء اللينة سهلة التقطيع، فهو بذلك يكتسب مهارة، ويكتسب معها الثقة بنفسه وبك.
- أشغله دائمًا بأعمال مبهجة، فأسمعه مثلاً أغاني طفولية، أعطه الألوان والورق؛ ليمارس الرسم والتلوين.. أعطه كتبًا ممتعة، احكِ له القصص والحكايات المسلية والهادفة.
-الْعب معه دائمًا ولو لفترة قصيرة، وتذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيته كان كالصبي في أهله من فرط اندماجه معهم، وتبسطه، وملاطفته لكل فرد في الأسرة كل على قدر عقله، وبالكيف الذي يسعده، ويؤلف قلبه، ولتكن نيتك في هذا أن تبني معه صداقة قوية وحبًا يرغبه في أن يتمثل الصفات التي تطمح غرسها فيه بعد فترة، وليكن هذا الحب وتلك العلاقة بيئة ملائمة لأن تزرع فيه من الصفات ما شئت.
- لا تدع فرصة تمر إلا وتعلمه من خلالها شيئًا ما.
-حاول أن تشغل ابنك في الأماكن العامة، فالصغار لا يمكنهم الانتظار طويلاً، اصطحب معك بعض الألعاب أو الكتب الصغيرة لتشغل صغيرك بها.
- لا تُلْقِ بالاً لكلام الناس وما يرددونه عن ابنك وتربيتك له، فإن أردت أن تربي حقًّا ضع كل تركيزك في هذه التربية؛ لأن الناس غالبًا ما يحبون النقد.
-ساعده على أن يذهب، ويطلب، ويحادث بنفسه الغرباء فذلك يدعم ثقته ويساعده في علاقته الاجتماعية.
-ضع نصب عينيك أنه أمانة أودعها الله سبحانه وتعالى لديك، وصون الأمانة يقتضي توافر كل ما من شأنه الحفاظ عليها؛ ولذا فعليك دائمًا بالسؤال، ثم السؤال، ثم السؤال حتى لا تدع مشكلات ابنك تتراكم، وهو خير ما صنعت حين سألت، فمرحبًا بالمزيد من الأسئلة حول كل ما يدور بخلدك بشأنك ولدك.
-ادْعُ له، ونحن بدورنا ندعو لجميع الآباء المسلمين أن يلهمهم الصواب، ويرزقهم بر أولادهم، ويجعلهم قرة أعين لهم.
وختامًا.. علينا أن نغيِّر بعض صفاتنا ونحن نعلِّم أبناءنا، ولا مانع أبدًا من ذلك، فالتأثير والتأثر يولدان الوعي، فسنة الخلق هو النمو والتطور، ولا مانع أبدًا أن نتطور وننمي شخصياتنا من خلال تنمية أبنائنا، فنعدل هذه الصفة، ونروض تلك، فثمار التربية تشمل الطفل والأهل معًا.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..