بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أنا فريدة من الجزائر، أريد أن تنصحوني كيف أتعامل مع ابنتي التي عمرها ست سنوات، هي كانت منذ ولادتها هادئة لا تبكي، لا تريد أن تأكل دائما نائمة، ولما بلغت العامين أصبحت لعبتها المفضلة الدمية كانت دائما تحسبها ابنتها وهي أم الدمية، كانت تفضل اللعب بها من بين اللعب الكثيرة التي كنت أشتريها لها، ولما كبرت قليلا أصبحت لا تريد الخروج إلى الشارع واللعب مع الأطفال، ولما بلغت سن التمدرس أي ست سنوات أصبحت تحب المدرسة كثيرا، وعندما تأتي إلى البيت لا تريد أن تدرس مع أنها في الفصل الأول فقط، ولما ذهبت إلى مدرستها لكي أتحدث مع معلمتها قالت لي: هي هادئة تماما، لا تشارك ولا ترفع يدها إطلاقًا، وعندما أقول لها جاوبي عن السؤال تجب بالجواب الصحيح، قالت لي أيضا: إنها تخجل كثيرا صعبة المراس لا أدري ماذا أفعل لها؛ انصحوني: ماذا أفعل لها؟ وكيف أتعامل معها؟ لأنني أخشى عليها من هذا الانطواء، ولا أنسى أن أقول لكم إنها بنت ذكية هادئة، لا تتكلم كثيرا، وجزاكم الله خيرا.
أختي الفاضلة فريدة، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لنعلم أولاً أن كل طفل يولد بطبيعة جسدية ونفسية مختلفة، إذا استطاع القائمون على تربيته فهمها واستيعابها استطاعوا أن يطلعوا بمسئوليتهم في تهذيبه وتربيته بتهيئة المناخ الملائم الذي يتيح للطفل إخراج أفضل ما عنده؛ ومن ثم يغيرون في شخصية الطفل ويوجهونها، فإذا ما تم مبكراً التركيز على نقطة ضعف الطفل ومعالجة أية مشكلة فإنها تنتهي بشكل أسهل، وأما إذا أُهملت، فتصبح قابلة للعلاج، ولكن تحتاج إلى صبر ووقت، وأعتقد أن طفلتك "نهاد" ما دامت كما تقولين ذكية وتعبر لك عن محبتها للمدرسة وعن خجلها تجاه الأصدقاء، فما عليك إلا عمل برنامج لتنمية شخصيتها الاجتماعية ومهارات الحياة اليومية، أما إذا كان هناك كسل جسدي واضح فأنصحك بعرضها على طبيب للاطمئنان على صحتها.
وسأعرض عليك بعض الأسباب العامة لانطواء الطفل، وأترك لك تقدير السبب الذي كان وراء انطواء طفلتك؛ فمعرفة الأسباب هي نصف العلاج، وسوف يساعدك على تطبيق الحلول المناسبة التي سأقترحها عليك، والتي من أبرزها:
أولاً: انطواء الأم والأب؛ فانطواؤهما يشجع الطفل على ممارسة هذا السلوك وعلى الانطواء حتى لو كان الطفل طبيعيًّا، وإذا كان لديه الاستعداد لذلك تصبح المشكلة بحاجة أكبر للتدخل المبكر لتلافي تطوره على نحو يصعب معه العلاج.
ثانيًا: الخوف من الآخرين ومن غضبهم وتوترهم، وهنا السبب يكون سلطوية المربي وخاصة إذا كان غير عطوف أو لا يظهر مشاعره وحنانه على الطفل، كل هذا يولد لدى الطفل رغبة الانسحاب والتراجع أمام كل الأشخاص الآخرين تقريباً؛ لخوفه من أن يتلقى نفس ردة الفعل من كل الكبار.
ثالثًا: نقص فرص تعلم المهارات الاجتماعية في البيئة التي يعيش فيها الطفل؛ حيث يعيش الطفل في بيت لا يتعلم فيه كيف يقيم صداقات أو كيف يتفاعل مع الأشخاص ولا يتم تشجيعه بالشكل الكافي على إقامة صداقات مع أطفال الحي والعائلة لأسباب مختلفة منها الحماية الزائدة للطفل على سبيل المثال.
وبعد أن استعرضنا أبرز الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى انطواء الطفل نأتي لمقترحات العلاج بالنسبة لطفلتك:
- بداية وهي أهم خطوات العلاج بالنسبة لطفلتك.."تقبل الطفلة" تقبلها بكل ما فيها وأعني تقبل طبيعتها، فسوف يعينكم هذا على تفهم دوافع سلوكها وبالتالي إعطاؤها مزيدا من الحنان والاهتمام والرعاية والعطف الذي تحتاجه ولهذا عليكما:
- تنمية حس الفكاهة والمرح والضحك عندها بإحاطتها بجو من المرح والسعادة عن طريق:
- التمثيل بتمثيل القصص التي تحكيها لها باستخدام العرائس؛ فيمكنكم إنشاء مسرح صغير بأدوات بسيطة في حجرتها؛ لتحكي لها من خلاله القصة، ويمكنك القيام بهذا النشاط في اجتماعات العائلة، فيمكنك:
- قراءة النكات ومشاهدة مسلسلات الأطفال الفكاهية الهادفة واصطحابها إلى الألعاب الترفيهية والحدائق العامة في الهواء الطلق والعبد عن الأماكن المغلقة والأجواء التي تبعث على الكآبة وتوفر مناخا ومرتعا خصبا للنكد والكآبة والانطواء.. أوقات سعيدة ملؤها المرح والسعادة واللعب الحر. وذلك عن طريق:
القصة والكلام المباشر والإصغاء والحديث والمساعدة والتعاون واستقبال الضيوف... إلخ.
- دمجها في مجموعات من الأصدقاء من الأطفال في مثل عمرها في النادي ولقاءات العائلة ومع أطفال الجيران.. على أن يتم هذا بصورة هادئة غير مفتعلة ولا يتم فيها دفعها إلى هذا الأمر دفعا أو استعجال النتائج، فحفلة لمناسبة سعيدة أو الحرص على اجتماعات العائلة الأسبوعية والحرص على صلة الأرحام وتبادل الهدايا ولو بسيطة مع الجيران تحملها طفلتكم لتقدمها لهم بتشجيع منكم وأنتم بجوارها.. كل هذا سيوفر لها أكبر قدر من الخبرات الاجتماعية ومن الألفة التدريجية مع الآخرين.
- تنمية الثقة بالنفس وروح المغامرة بتعليمها مهارة رياضية كالكارتيه أو السباحة والركض… إلخ مع الحرص على القيمة الاجتماعية و التواصل الإنساني لهذه الرياضات من التعرف على أهل الأطفال المشاركين في الرياضة بهدف فتح المجال لتعرف طفلتكم على أطفالهم حتى ولو خرجت طفلتك بصديقة أو صديقتين، وتبادل الزيارات والهدايا البسيطة ممن تلتمسين فيهم الصلاح.
- ويتزامن مع كل خطوة من هذه الخطوات تعزيز أي تقدم أو شكل من أشكال التفاعل الاجتماعي تعزيزًا حقيقيًّا، وتشجيع أية علاقات مع أطفال آخرين مهما كانت قليلة، وامتداح قيام الطفلة حتى بإجراء مكالمة مع صديقتها.
وبالمقابل التقليل من تعويد الطفلة على الهدوء والجلوس في مكانها، بل تعزيز حركتها ونشاطها.
أختي الكريمة، إن كل ما ذكرته لك ما هو إلا أسباب، أما النتائج فهي من الله سبحانه، فهو وحده مقلب القلوب ومغيِّر الأحوال، فاعتصمي به، واستعيني به، والزمي الدعاء والاستغفار، وأكثري من الصدقة طمعًا في رحمته التي وسعت كل شيء؛ فهو دائمًا قريب من المحسنين، وكلما فتر عزمك اذكري قوله تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاة…"، وكلما قلَّ أملك اذكري ما كان عليه حال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)من التحول من الكفر إلى الإيمان، ومن العداء إلى نصرة الإسلام، فهو وحده بحسن التوكل عليه، وبالأخذ بالأسباب، والتزام الدعاء قادر على تبديل حال ابنتك من الانطواء إلى الانفتاح، بروح مطمئنة حية منطلقة واعية.. لا تحرمينا من صالح دعائك، والاطمئنان على أخبار صغيرتنا الحلوة الجميلة.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..