بسم الله الرحمن الرحيم، السادة فريق استشارات تربوية، سلام وبعد..
فإني أرسل لكم المشكلة التالية على لسان صاحبها، حيث يشكو من وَلَع العائلة جميعًا بما فيها من الأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين 8 - 25 سنة بالتلفاز، وقد حاول الأب أن ينصحهم بضرورة تنظيم الوقت، وتخير البرامج النافعة، غير أن الأولاد يتابعون التلفاز عُجَرُه وبُجَره.
إضافة إلى تضييع الصلاة بعد أن كانوا يحافظون عليها، مما جعل الأب يكسر التلفاز. بعدها أخذ الأولاد يهربون إلى الجيران لمتابعة التلفاز، وهم ذوو قرابة، رغم محاولات الأب بمنعهم. وقد قام خال الأولاد بتقديم تلفاز إلى هذه الأسرة، وما زال الأب حائرًا، ماذا يفعل؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا من الناحية الفقهية والتربوية.
السائل الكريم:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بداية ندعو الله أن يكون سعيك لحل مشكلة هذا الأب في ميزان حسناتك، "فإن من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته"، "ومن فرَّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم.
لم تدهشني المشكلة، فهي ليست بالجديدة، فإدمان مشاهدة التلفاز أضحى كالوباء، فقد تفشّى في مجتمعاتنا العربية، حتى طغى على جزء كبير من مساحة الإبداع والإنتاج في حياة معظم الأسرة العربية.
والمشكلة، أن مدمن التلفاز لا يشعر بأنه واقع تحت تأثير خطر يستنفد من طاقته، ومن ثَمّ قدرته على التفكير المستقل الكثير.
فأبناء معظم الأسر العربية معذورون في جلوسهم بالساعات الطويلة أمام التلفاز، فهو يمثل لكثير منهم الوسيلة الأسهل والأرخص والأكثر إتاحة للترفيه بعد أن تقلّصت تحت وطأة ضغوط البحث عن الرزق أوقات اجتماع الأب بأبنائه، واصطحابهم له في رحلة خارج البيت في نهاية الأسبوع للتنزه وممارسة الأنشطة المختلفة.
فماذا ينتظر من هؤلاء إذا جاء من يحاول منعهم، من أبسط حقوقهم كأطفال في المتعة والترفيه، بل حرمانهم من آخر أمل لهم في إشباع هذا الحق،عن طريق "مشاهدة التلفاز"؟
إذن فأي محاولة من الأب لمنعهم من مشاهدة التلفاز بالقوة والعند كما فعل "كسر التلفاز.." بوصفه ممثل القانون الاجتماعي بالبيت، لن يقابل من جهتهم إلا بعند مضاد، بل سيوحّدهم كجبهة معارضة، وسيقومون بتطبيق قانون سياسية الأمر الواقع في مقابل قوانين الأب المانعة لمشاهدة التلفاز بمنطق "الكثرة تغلب الشجاعة"، وهو بالضبط ما فعلوه عندما كسر الأب التلفاز "هربوا لمشاهدته عند أولاد الجيران..".
- وكلما احتال الأب بالقوة للأمر احتالوا هم لمجابهته بأمور أشد غرابة؛ لأنهم لا يشعرون بأنهم مختلفون عن أقرانهم، وبالتالي فأي معارضة من الأب هي غير مبررة أو ذات معنى عندهم.
ونعود مرة ثانية للسؤال:
ذكرت أن الأولاد أعمارهم بين 8 - 25 سنة، والسؤال: ألا يدرس هؤلاء الأولاد وعندهم الآن مذاكرة وامتحانات، أم أنهم منقطعون عن الدراسة والالتزام بالمذاكرة، ويصرفون كل وقتهم في الجلوس أمام التلفاز؟ أم أن الأب يتحدث عن وقت فراغهم أثناء العطلة الصيفية؟
ثم إننا نتحدث عن فترة عمرية كبيرة بينهم شباب ومراهقون، لن يفلح معهم العند في علاج الأمر، فهم في مرحلة أبرز صفاتها العند والتمرد على السلطة، والنزوع إلى الاستقلال، ولن يجني الأب إذا حاول فرض إرادته بالقوة سوى خسارته لنقاط في علاقته بأبنائه، تمامًا كما يخسر المرشحون للرئاسة نقاطًا في سباق الانتخابات إذا أتوا من الأفعال ما يخالف هوى المنتخبين دون سبب واضح.
إذن ما الحل؟! لا يأمل الأب في أن يجد حلاًّ لهذه المشكلة إذا لم ينظر إلا لعلاجها في البيت، فمثل هذه المشكلة لن تحل إلا بسحب الأولاد خارج البيت.
- فإذا كانوا يدرسون، فلا بد من المحافظة على مواعيد الدراسة والمذاكرة بعد العودة، ويعمل الوالد والوالدة على تشجيعهم على الاشتراك في الأنشطة المدرسية المختلفة، فهذه الأنشطة ستعمل على استيعاب جزء كبير من وقت فراغهم وطاقتهم، وستحقق لهم جزءاً كبيرًا من الإشباع الذي يسعون إليه، وهو "حقهم في الترفيه والمتعة"، هذا إذا كنا نتحدث عن وقت فراغهم أثناء السنة الدراسية.
أما عن حل المشكلة أثناء العطلة الصيفية: - على الأب أن يحاول قدر الإمكان اصطحابهم لممارسة الرياضة خارج البيت في النادي، في الساحات الشعبية، مراكز الشباب أو أندية المدارس والجامعات الصيفية، بحيث يقومون بممارسة أكبر قدر ممكن من المهارات وليس فقط التدريب، وأقصد بالمهارات اشتراكهم في أعمال فنية وإنتاجية تستنفد أكبر قدر من طاقتهم، وتحقق لهم أعلى قدر من الإشباع، فيعودون إلى المنزل وقد خارت قواهم وزهدت نفوسهم في المتعة السهلة التي لا تحقق إلا نوعًا واحدًا من الإشباع.
* فهؤلاء الأولاد لو كان عندهم ما يشغلهم فلن يجلسوا أمام التلفاز.
- الأمر يحتاج إلى تغيير في المنظومة الاجتماعية للأسرة كلها، فالأم ربة بيت، وأغلب الظن أنها لا تفعل شيئًا، ولا سبيل لها للترفيه سوى مشاهدة التلفاز، ولكن لو حاولت أن تجد ما يشغلها من زيارة الأهل ومساعدة الجيران، أو القيام بأي عمل إنتاجي، أو ممارسة هواية أو أي شيء، وكذلك الأب بحيث يقدم الوالدان لأولادهم القدوة العملية في استثمار أوقات الفراغ.
- والأفضل أن يشتركوا جميعًا في ممارسة أي هواية ولو هواية واحدة، فإن ذلك سيغيّر ولا شك من الجو السائد في البيت، وسيعين الأولاد على التغيير الهادئ.
- ما أريد أن أقوله: إن حل المشكلة هو سحب الأولاد خارج البيت، وانخراطهم في ممارسة أنشطة ترفيهية وإنتاجية وفنية في أماكن آمنة ومنتجة ومُسلّية.
- ونؤكد على أن القوة والعند ودخول الأب في صراع مع الأبناء لن يَجرّ إلا إلى مزيد من التمرد والرفض لسلطته الأبوية.
فهو بهذه الطريقة يضغط على رغبة حية في نفوسهم ستؤدي بهم إذا مزيد من العند و الاستمرار في مشاهدة التليفزيون بنفس الطريقة التي يشتكي منها الأب، تمامًا كنفس النتيجة التي يمكن تحدث لو قمنا برجِّ زجاجة للمياه الغازية بشدة فإنها ستنفجر مهما كان غطاؤها محكمًا.
- فعلى الأب أن يوجّه أبناءه لهذه الأنشطة بقوله: "تعالوا نعمل كذا.. هيا نخرج لنتسابق، ما رأيكم في لعب مباراة للكرة بعد صلاة الجمعة؟ هيا يا شباب.. هكذا!".
- ولكن ماذا لو لم يستطع، ولم تنفع هذه الحيل لا قدر الله؟
عليه أن يتركهم وشأنهم، ويتركهم يشاهدون التلفاز، ولكن بعد أن يضع معهم حُدودًا حازمة، فيقول لهم: أنتم وشأنكم، شاهدوا التلفاز على ما في الاكتفاء به - كمصدر للمتعة والمعرفة - من أضرار كثيرة، وهي (كذا...)، ولكن بشروط فكل مكان له نظام، وهي:
- لا تضييع لوقت الصلاة.
- لا إهمال في الواجبات (المذاكرة - المساعدة في شؤون البيت...).
- لا مشاهدة لما يخالف شريعة ديننا من خلاعة... وفي الباقي أنتم أحرار.
- وعليه أن يستعين بالله تعالى، ويُكثر من الصلاة والدعاء لهم أن يهدهم الله إلى ما يحبه ويرضاه، وكذلك أن يكثر من الدعاء بقوله تعالى: "... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار". وقوله - عز وجل -: "... رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا".
- وأن يكثر من الصدقة عليهم، ولو بجزء ضئيل من ثمن التلفاز، فإن ما فيه أولاده بلاء عمّ الكثيرين، وهو كالداء، ولقد أخبرنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن نداوي مرضانا بالصدقة.
- ادْعُ الله أن يوفقه في حربه بل جهاده هذا، وأن يكتب له التوفيق والنجاح في مسعاه، ولعلّه يبعث لنا قريبًا بتجربته الناجحة في تخطي هذه الأزمة، فتكون تجربته عوننا لباقي زوار الصفحة.
هذا هو الرأي التربوي أما عن الرأي الفقهي فستجده في هذه الفتوى التي أمدنا بها قسم الفتوى:
ضوابط مشاهدة التلفاز
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..