: ابني عمره 12 سنة، وهو ذكي جدا ومؤدب مع الجميع، والكل يجد متعة في الحديث معه، وهو متفوق في دراسته، لكنه مهمل جدا وينسى كتبه وأقلامه بالمدرسة لدرجة أن المدرسين يضطرون إلى إرسال ورقة للفت نظره بذلك، وخطه سيئ للغاية ويفقد درجات بسبب ذلك، ويضيع وقتا كثيرا وأخاف عليه، وحاولت معه بكل الطرق؛ لأعالج هذه العيوب لكن لا فائدة لدرجة أني فكرت في عرضه على طبيب نفسي.
سيدتي، بادئ ذي بدء أود أن أطمئنك أن الأمر أيسر مما تظنين، وكل ما يحتاجه ابنك هو تعديل لبعض سلوكياته التي يسهل تعديلها إذا توفر الصبر واتباع المطلوب بطريقة سليمة دون إلحاح أو عصبية.
من رسالتك - سيدتي- نستطيع أن نلخص شكواك من ابنك في ثلاث نقاط أساسية:
-الخط السيئ.
-الإهمال
-إهدار الوقت
أولا كيفية معالجة الخط السيئ: لا يتطلب هذا الأمر إلا البحث عن مدرس خط يتوفر فيه شرطان أساسيان:
حبه وعشقه لهذا الفن بحيث يستطيع نقل هذا الحب لابنك.
أن يكون لديه الصبر والقدرة على تعليم الابن.
بهذه الطريقة البسيطة تضمنين- ليس فقط - أن يكون خط ابنك جميلا بل تكون له هواية مفيدة يشغل نفسه بها، بل ويتميز في هذا الفن الذي نفتقده في عصر الكمبيوتر. وأصارحك – سيدتي – أنني كنت أعاني من سوء الخط حتى التقيت بمعلمة في معهد الخطوط وقد تعلمت على يدها فني: النسخ والرقعة، وبرعت فيهما حتى إنني كنت أكتب لوحات (وسائل الإيضاح) التي أستعين بها في شرحي بالفصل، بل وعلّمت أسس هذا الفن الجميل لبعض تلاميذي واستمتعوا به استمتاعا شديدا، ونصيحتي هذه تشمل الخط في أي لغة عربية كانت أو أجنبية.
ثانيا الإهمال: هذه صفة يشكو منها كثير من الآباء، ولكن قبل أن نتطرق لحلها تعالي- سيدتي - نتصارح بأننا نحن - الآباء والقائمين على التربية - في كثير من الأحيان لا نقبل أي خطأ أو عيب في أبنائنا، بل ومعظم الأخطاء والعيوب عندنا على درجة واحدة من السوء أو عدم القبول، وإذا سألت أي أم أو أب ما العيب الذي يمكن أن تتقبله من ابنك – باعتبار أن كل ابن آدم خطاء؟ –لن يكون الرد بالطبع: "لا أحب ولا أقبل منه أي خطأ أو عيب"؛ لأن هذا الرد لن يكون مقبولا على مستوى الواقع والمنطق فهو يخالف الطبيعة البشرية؛ لذلك سيكون الرد أنهما - أي الأب أو الأم - يقبلان منه أي عيب إلا العيب الموجود بالابن فعلا .
ولو أننا أنصفنا أولادنا أو حتى تذكرنا أنفسنا ونحن في سنهم لوجدنا أننا نُحمّل الأبناء أكثر مما ينبغي، كما أننا في كثير من الأحوال نكون سببا في كل عيوب أولادنا دون أن ندري.
وعيب الإهمال عند ابنك يمكن أن يكون سببه:
أن الابن أراد بهذا السلوك – دون وعي منه في الغالب - أن يلفت النظر إليه، فربما - بحكم عملكما - لا تتاح الفرصة الكافية للتواجد معه أو الاهتمام به كإنسان له احتياجاته الخاصة واهتماماته التي يريد أن تشاركاه فيها.
أو ربما التدليل أو الخوف المبالغ فيه، فهو يعلم مثلا أنكما -أو أحدكما- سيتحمل عنه عواقب نسيانه أو إهماله.
الإلحاح واتهامه بالإهمال بشكل دائم "والزن" - معذرة لهذا اللفظ – عليه بأن يكف عن هذا السلوك.
تعزيز النسيان والإهمال دون أن ندري، بل أحيانا نقع فيما هو أسوأ حينما نعزز سلوكا ونعاقب عليه في آن واحد، وسأضرب لك مثلا من الواقع حتى يتضح الأمر فقد كان أحد تلاميذي مهملا وكثيرا ما ينسى أدواته فما كان من الأم إلا أنها كانت ترسل السائق الخاص بها بالأشياء التي ينساها ابنها أو تحضرها هي بنفسها ثم تعاقبه بعد ذلك – مرات بالنظرات القاسية أو بالخصام، ومرات بالتوبيخ والتهديد، ولكن لا فائدة - وبالطبع كل هذا العقاب لم يُجد؛ لأن الأم أوقعت ابنها في حيرة فهي مرة تعزز إهماله (بحيث ترسل له أدواته التي ينساها)، ومرة تعاقبه أي أن هناك تناقضا في رد فعلها تجاه السلوك الواحد، و الأدهى من ذلك أنها هي نفسها تعاني من هذا العيب، الأمر الذي يجعلنا في كثير من الأحوال نبدو أمام أولادنا متناقضين بل يتهموننا – في أنفسهم أو حتى علنا – بالنفاق.لذا سيدتي عليك:
1. أولا مراجعة وسائلك التي اتبعتها مع ابنك مع تجنب كل ما سبق
2. سجلي في دفتر صغير عندك لمدة عشرة أيام عدد المرات التي نسي فيها ابنك أدواته أو كتبه، وهل هي نفس الأشياء التي ينساها كل مرة أم أنها متغيرة؟ فإذا كانت هي نفس الأشياء كأدوات الهندسة مثلا أو كتاب العلوم، فهذا يعني أن هذه المواد بالذات لا يتقبلها الابن، وعليك الذهاب إلى المدرسة وعلاج هذا الأمر مع مدرس المادة.
أما إذا كانت الأشياء التي ينساها متغيرة، فهذا يتطلب منك أن:
تتفقي معه في اليوم الحادي عشر على ألا ينسى أيا من أدواته لمدة أربعة أيام متتالية، وإذا لم يفعل فسوف يحرم من شيء يحبه ( كحرمانه من استخدامه للكمبيوتر مثلا في اليوم الذي نسي فيه أي شيء، ولا يجب أن يكون العقاب مؤجلا، فلا يقال له مثلا إذا نسيت أي شيء في أي يوم من هذه الأيام الأربعة فلن تخرج في نهاية الأسبوع لزيارة أحد الأصدقاء).
فإذا مرت الأربعة أيام دون أن ينسى شيئا، فعليك بتعزيز هذا السلوك فورا بأن تمنحيه نصف ساعة يمارس شيئا يحبه (كاللعب على الكمبيوتر) دون وعد مسبق بهذا التعزيز.
جددي الاتفاق مع ابنك في الثلاث أيام الباقية من الأسبوع بالطريقة نفسها السابقة، ثم جدديه مرة أخرى لمدة أسبوع آخر.
أوقفي الاتفاق وارفعي العقاب عن ابنك لمدة أسبوع ستلاحظين أنه ربما نسي في هذا الأسبوع بعض الأشياء، ولكن ليس كعادته الأولى
أعيدي الاتفاق مع ابنك مرة أخرى لمدة خمسة عشر يوما ستجدينه لا ينسى أي شيء إن شاء الله.
ثالثا إهدار الوقت: ولا أدري بالضبط ماذا يعني إهدار الوقت بالنسبة لك، فهل هو عدم استغلال هذا الوقت في المذاكرة أم أنه لا يستثمره في شيء مفيد؟ فإذا كانت الأولى فلا يجوز اعتبار هذا إهدارا للوقت، بل يكفيه أن يحدد عدد ساعات معينة في اليوم لعملية الاستذكار بعقد اتفاق معك يشبه الاتفاق السابق، وخاصة وقد ذكرت أنه متفوق في دراسته بالفعل. أما إذا كانت الثانية فأصارحك القول: إنها ليست مشكلة ابنك فقط، بل مع الأسف أصبحت ظاهرة تعم الجميع خصوصا الشباب. ولعلاج هذا الأمر عدة خطوات:
كما ذكرت في بداية الحديث عن مشكلة الخط، فإنه يمكن أن يقضي جزءا من وقته في هذه الهواية المثمرة.
لا بد أن يكون هناك لقاء أسبوعي أو دوري يجتمع فيه أفراد الأسرة لمناقشة موضوعات الساعة أو لمناقشة كتاب قد قرأه أحد الأفراد، وحتى يكتسب الأبناء هذه العادة يبدأ الأب أولا هذا اللقاء الدوري بمناقشة كتاب شيق يقبل الأولاد على سماعه بل ويمكن تخير فيلم – يتم اختياره بعناية – لمناقشة موضوعه ونقده.
لا بد أن يتعلم الابن من سلوككما - أنت ووالده بالطبع – كيفية تنظيم الوقت فلكل شيء له وقت معين ومحدد: المذاكرة، تناول الوجبات، اللعب، الرياضة ….
لا بد وأن يمارس ابنك رياضة يحبها.
شجعيه على الاشتراك في الأنشطة المدرسية.
اشتركي معه في تنظيم وتخطيط رحلات للأسرة.
لا بد من اشتراك الأب في كل ما سبق.
في ختام رسالتي أود أن أنبه على شيء ألا وهو الاهتمام بأبنائنا ككيان له وجود وليس مجرد تلميذ بمدرسة،كما يجب عليك سيدتي أن تفخري بابنك فهو -كما ذكرتِ - يتمتع بمزايا قلما نجدها في مثل سنه، وهناك قاعدة تربوية تقول: إننا كلما ركزنا على الجانب الإيجابي في أي إنسان تقلص بل وزال الجانب السلبي فيه.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..