بسم الله الرحمن الرحيم، استشارتي تكمن بأن الفتاة "رسيل" التي أقوم بتدريسها القرآن والتي فقدت والدها منذ ثلاث سنوات، وفقدت في الوقت نفسه اهتمام الأعمام والتي كانت بالنسبة لهم البنت المدللة؛ وذلك نتيجة نشوء خلافات على الميراث مع الأم، والحق بجانب الأم التي تسعى جاهدة لتعويض الفتيات الثلاث عن النقص الذي حدث في حياتهم.
والمشكلة أن "رسيل" حتى الآن لم تتقبل فكرة أن والدها متوفّى، فهي دائمًا تتخيل بأنه معها وتخاطبه وتحكي له أخبارها، ومنذ فترة قالت لأمها: بأن بابا يكلمني بالهاتف من السماء، وهو يسلم على الجميع.
كيف يمكن لي أن أساعد في حل مشكلة هذه الفتاة، خاصة أنها أحيانًا ترفض حضور درس القرآن؛ وذلك للفت الانتباه لوجودها، وما هي الوسيلة التي يمكن اتباعها من أجل قبولها بالواقع (وفاة الوالد)، وهي من نوع الفتيات اللواتي لا يعبّرن عما يجول بداخلهن، وإنما تحاول أن توصل ما لديها عن طريق أختيها. أرجو المساعدة، ولكم جزيل الشكر، ووفقكم الله لخير هذه الأمة.
بسم الله الرحمن الرحيم،
المدرسة الأم، جزاك الله خير الجزاء عن هذه الطفلة المسكينة الموزعة الفؤاد وعن أسرتها، عظّم الله أجرك.
فما أسوأ أن تنقلب مصيبة الموت إلى خراب للديار، كما يقول المثل المصري: "موت وخراب ديار"، ولكن الأمر تجاوز خراب الديار بفقد الميراث إلى الخوف من ضياع نفوس صغيرة طاهرة، لا ذنب لها ولا نصيب لها من هذه التركة إلا فقد مضاعف وتيه مرتقب، نسأل الله اللطف فيه.
ولن نخوض في تكهن الأسباب التي أدت إلى الخلاف، فانشغالنا سيكون بأثر ذلك الخلاف على طفلتنا، ومحاولة الإسهام في تجاوز هذه الآثار.
* وكل ما يمكن أن تقومي به أن تنقلي ردنا هذا إلى الأم، باعتبار دورها الأصيل في العلاج.
من الواضح أن فقد الطفلة لوالدها، ثم عائلة والدها التي كانت تتمتع عندهم بالحظوة قد أحدثت خللاً كبيرًا في بنية العلاقات الاجتماعية المحيطة بالطفلة، والتي كانت تتمتع لديهم بمكانة كانت تملأ مساحة كبيرة في البنية العاطفية للطفلة، وأصبحت فارغة بانقطاع هذه المودة، هذا الانقطاع الذي جاء بعد الفراغ الأكبر الذي تركه غياب دور الأب، وأحدث خللاً رهيبًا.
فتذهب إحدى النظريات النفسية إلى أن دور الأب يتمثل في 3 مراحل:
الأب الواقعي - الأب المتخيّل – الأب الرمزي.
- الأب الواقعي: ويمثله الوجود الفعلي المادي للأب إلى جانب الوجود المعنوي.
- الأب الرمزي: وهو متضمن في المسؤولية والسلطة والقانون والقيم والتوجيهات والطموحات؛ فكل هذه الأشياء تسكن في النفوس وتحركها وكأنها الضمير الإنساني، فهي التي تخلق الدافع لدى الأبناء والاهتمامات وتدفعهم إلى النجاحات.
- الأب المتخيّل: هو صورة متخيلة للأب الغائب ماديًّا ومعنويًّا يخترعها الشخص؛ ليهرب بها من الصدمة والواقع إلى أحلام اليقظة، ليخفف بها من إحباطات الواقع، وهذا هو تعريف أحلام اليقظة "ميكانيزم دفاعي للهروب من إحباط الواقع".
والطفلة هنا لا تهرب من إحباط واحد وإنما إحباطات، كل واحد منها أشد من الآخر، فهربت من كل ذلك؛ لتحمي نفسها وتعيش مع والدها المتخيل، والذي دعم ذلك عندها أنها كانت واعية لعلاقة أمها بأبيها لمدة خمس سنوات (فهي الآن في الثامنة من عمرها).
إذن، ما هو الحل؟!
- كان الله في عون أمها ونحن نقدر انشغالها بالسعي لتأمين حياة أطفالها، لكن العبء الأكبر في تجاوز هذه الأزمة – بإذن الله – سيقع على عاتق الأم، سيقع عليها محاولة سحب الطفلة – تدريجيًّا – من عالم أحلام اليقظة بهدوء(نكرر هنا بهدوء،لأنه في غاية الأهمية) إلى عالم الواقع، عن طريق استبدال الأب الرمزي بالأب المتخيل عن طريق:
أولاً: على الأم ألا تنكر عدم وجود الأب، ولا تصدم الطفلة بقولها: إن أباك قد مات، وأن ما تقولينه محض خيال وأوهام.. بل تجاريها في أحلامها في البداية؛ لأن البنت الآن ليست في حالة تسمح لها بتقبل مزيد من الصدمات والإحباطات، وفي الوقت نفسه تقوم بتوجيه هذه الأحلام واستغلالها بأن تكثر الحديث عن الأب الغائب أمام الأطفال، وتحاول تذكيرهم به بكل ما تستطيع بوضع صورة قريبة من متناول الأطفال مثلا، وتحكي لهم – ولهذه الطفلة بالذات – عن والدهم وماذا كان يفعل لهم، وكلما حكت لها طفلتها عن أحد أحلام يقظتها.. قالت: لها نعم لو كان والدك معنا الآن لكان فعل كذا وكذا/.. نعم دائمًا كان يطمئن علينا ويكلمنا كلما غاب/ كان حنونًا عطوفًا محبًّا لكم…..الخ.
وهكذا تملئ شيئًا فشيئًا فجوة الفراغ المعنوي الذي سببه هذا الفقد.
ثانيًا: عليها أيضًا أن تحاول ملء مساحة من الفراغ المادي الذي خلفه فقد الأب وغياب الأعمام، بتوسيع دائرة المحتضنين للطفلة من الأخوال والخالات والأصدقاء؛ ليسحبوا جزءاً آخر من الوقت الذي تقضيه في أحلام اليقظة.
ثالثًا: الاشتراك والاندماج في رياضة لما لهذه الرياضة من أهمية في سحب القدر الأكبر من طاقة الفتاة الزائدة التي تقضيها في أحلام اليقظة،ومن خلال سحب الطاقة يتم التعرف على الواقع والرجوع إليه مرة أخرى، لكن قد تسألين كيف تقنعها أمها بممارسة الرياضة والرجوع إلى الواقع.هذا ممكن من خلال الحديث المستمر عن الأب و عن وفخره بالبنات المتفوقات تقول الأم لها مثلا ، فإذا اشتركت في إحدى الرياضات واجتهدتِ فيها فسيكرمك الناس، ويقولون هذه فتاة ممتازة هذه الفتاة اسمها كذا.. ووالدها اسمه كذا، فكأنك ترفعين اسمه إلى عنان السماء على ألسنة المادحين والذاكرين له بالخير..
وهكذا وبالطريقة نفسها يمكنك أن تدفعيها لكل نجاح تستغرق فيه، ويملأ عليها عالمها ويغمسها في عالم الواقع الذي تعني تحقيق النجاح فيه وجود الإنسان فيه.
وهمسة أخيرة نهمس بها إلى الأم، نحن نقدر ما تعانينه بعد رحيل زوجك من مسؤولية تحملينها وحدك وسط عداءة مفاجئة، وحزن على غيابه، أدى إلى تغير في ترتيب أولوياتك، مما قد تحسبين معه كل ما سنطلبه منك ترفًا أو عبئًا فوق طاقتك.. لكن هذا ليس ترفًا، وإنما يعتبر سبيلاً هامًّا في المحافظة على بناتك. قد لا نبالغ إذا قلنا بتقدمه في هذه المرحلة بالذات على توفير العائد المادي؛ فاستعادة صورة الأب سيحافظ على جزء كبير من بنية البنات النفسية.
وفي النهاية نتمنى تقبل الأم لما ورد في الاستشارة وتقبلها لدورها المتزايد و نتمنى لو تواصلت معنا فنحن في انتظار أخبار الابنة "راسيل " .
و لمزيد من المعلومات المفيدة حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى الاستشارات التالية:
عندما يرحل الأب
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..