بسم الله الرحمن الرحيم ابني عمره 7 سنوات، وهو عنيد جدًّا، وعنده لا مبالاة لدرجة أنه إذا قام بعمل سيئ عندما أعاقبه بحرمانه من شيء ما؛ فإنه يقابل الموقف بلا مبالاة وكأن شيئًا لم يكن. لا أدري ماذا أفعل معه؟! فهو يريد فعل ما يشاء مهما كان الثمن، ولا يبالي بأي عقاب. حاولتُ كثيرًا معه بأن أهديه شيئا طلبه إذا أحسن السلوك، ولكن سرعان ما يمل ويعيد سلوكه السيئ .
وهو نشيط جدًّا، ويحب اللعب كثيرًا، وليس عنده أي شعور بالمسؤولية؛ فلا يدرس إلا إذا وضعته أمامي ودرّست له بنفسي، وأعطيته كل دفتر وقلم، حتى ثيابه لا يرتديها إلا إذا قلت له ولاحقته ليلبسها. دائما مشغول باللعب والتلفزيون. في المدرسة هو ذكي جدًّا، ولكن دائما أساتذته يشكون من عدم تركيزه داخل الفصل؛ فهم يطلبون من التلاميذ فعل شيء معين؛ فكل رفقائه بالمدرسة يقومون بما طلبت منهم المعلمة إلا هو. أرجوكم، دلوني كيف السبيل إلى حل مشكلاته؟! هذا مع العلم أني مستعدة لفعل أي شيء حتى يغير تصرفاته ويصبح أكثر وعياً، ويحس بالمسؤولية ولو قليلاً.
إن من المثير للنفس أن نلاحظ الأطفال و هم يتعلمون و ينضجون فعندما يبدأون في الخطو و المشي و النطق بالكلمات الأولى و تكوين الأشكال من الرمل و عندما يغنون أول أغنية لهم ..كل هذه الأشياء العجيبة يسرون لها و نجد فيها متعة و سروراً لأنفسنا،و أفضل لنا أن ننشرح و نسر بهم و لا ندفعهم إلى عمل كل شيء على طريقتنا؛فإن ذلك يزرع في نفس الطفل العجز،بحيث لا يخطو الأبناء و لا يفكرون إلا إذا فكرنا لهم.
إننا ننسى أن أبناءنا أطفال، خاصة إذا بلغ الطفل السابعة من عمره، وذهب إلى المدرسة، وبدأ يتحدث.. ويعبّر عن نفسه، في هذه اللحظة نعامله معاملة الرجال، وربما نطلب منه ما لا نطلبه من الرجال أو حتى من أنفسنا.
مما تشكين أيتها الأم الفاضلة؟! إن طفلك يريد فعل ما يشاء مهما كان الثمن، ما هذا الفعل، ومتى أتدخل لمنعه؟! هذا هو السؤال الذي يجب أن تقفي عنده قليلاً؛ لأن بعضنا يتدخل في كل فعل يفعله الطفل، ويعلق على كل حركة أو إشارة يقوم بها، وتتحول الحياة إلى "افعل.. لا تفعل"، ونعتقد أننا نربي أولادنا، أليست التربية أن نضعهم أمامنا طوال الوقت ونربيهم؟!
الحقيقة أن الأمر ليس كذلك، الأمر هو أن نضع قاعدة للتدخل تقول: "نتدخل عند الخطر، أو عند وجود قاعدة تربوية"، والخطر معروف، أما القاعدة التربوية فهي أمر متفق عليه مع الطفل، وتم توضيح خطئه وثوابه وعقابه له، وذلك في أمور محددة، معروفة، لها أثرها في حياة الطفل حتى لا تتحول حياة أطفالنا إلى سجن كبير تحكمه مجموعة لا تُحصَى من القواعد.
لذا عليك أن تساعدي طفلك لكي يستقل برأيه عن طريق إشعاره بثقتك فيه،لكن مع الانتباه إلى ضرورة الحذر من الإسراع في تقديم المساعدة له أثناء قيامه بأداء أي عمل بمجرد تأخره أو ظهور مشكلة عارضة؛فواحدة من ألذ و أمتع تجارب الطفل أن يكون قادراً على أن يقول:" أمي…انظري لقد فعلت…بنفسي".و عندما تستعجلين و تفقدين صبرك وهو يؤدي ما يجب عليه من العمل،و تقولين له:دعني أريك كيف تفعله،أو تقومين أنت بفعله تحرمينه من ذلك الشعور،فمن الأفضل أن تفسحي له المجال ليكمل أي عمل بدأه و إن لم تكن نتيجة العمل في النهاية متقنة على أن يكون التوجيه من خلال تلميح،أو إشارة خفيفة،و ليس بتعليمات واضحة و مباشرة.
إذا فعلت ذلك ستجدي نفسك لا تحتاجين كثيرًا إلى التدخل في حياة طفلك، أو إلى الصدام معه؛ لأنه حتى في حالة حدوث الخطأ؛ فإن العقوبة متفق عليها، وستُطبَّق دون صدام. فإذا عاد بالرغم من ذلك للسلوك الخاطئ، ، فراجعي نفسك في القواعد التي تطبقينها و أبحث معه سبب كسره المتكرر للقاعدة؛ لأنه ربما تجدين أنها تحتاج إلى تغيير، مثل ميعاد النوم مثلاً في الشتاء الذي يجب أن يعدل مع مجيء الصيف. ولنفترض أنه لا يوجد سبب لكسر القاعدة إلا الملل كما تقولين في رسالتك فما المانع؟! ألسنا كبارًا بالغين؟! ألا يُتلى القرآن بين ظهرانينا ليل نهار؟! ألا نعرف الحلال من الحرام؟! لماذا نقع في الخطأ إذن؟! لماذا ننسى أن الأطفال بشر مثلنا، من حقهم أن يخطئوا ويصيبوا، وهم فوق ذلك أطفال لهم حق زائد في ذلك؛ لأنهم ما زالوا في مرحلة التعليم، إننا يجب أن نتقبل خطأ أولادنا، ولا نتصور أنهم سيكونون ملائكة وأشخاصاً فوق العادة أو "سوبرمان".
إن ترك الطفل يخطئ ويصيب، ينمِّيه ويعلمه، ويزيد ثقته بنفسه، أما توجيهه المستمر ونقده وتخويفه عند كل حركة وكل همسة يكون له أسوأ الضرر على شخصيته، إن ما تصفينه بعدم المبالاة في رسالتك هو بسبب فقدان التوجيه لأثره؛ بسبب كثرته واستمراره بحيث تصبح العَلاقة بيننا وبين أبنائنا في اتجاه واحد، وهو أمر يجعل الطفل في النهاية يرفض كل التوجيه وكل الأوامر مهما كانت صحتها،فما عليك إلا أن تعطيه قليلاً من الحرية المقيدة بسنه،و حاجاته.
والنقطة الثانية التي تصفينها في رسالتك بعدم المسؤولية؛ وذلك لنشاطه المستمر ورغبته في اللعب، وعدم دراسته إلا إذا قمت أنت بمساعدته، وأيضًا نسأل: وماذا في ذلك؟! إن نشاط الطفل المستمر جزء من طبيعته، واللعب هو محور هذا النشاط، والتعليم كسلوك جديد يحتاج إلى اكتسابه، كما يحتاج إلى تدريب وتعود. لا بد أن يُعوّد الطفل على الجلوس، وعلى الاستذكار، ولكن بطريقة صحيحة؛ فلا يُطلَب منه وقف كل أنشطته ولعبه من أجل المذاكرة؛ بل تُوضَع المذاكرة كجزء من هذا النشاط بحيث يقسَّم وقت المذاكرة إلى وحدات زمنية قصيرة تصل إلى نصف ساعة على الأكثر بالنسبة لسنّ طفلك، يتخلّلها فترات للراحة واللعب والنشاط والمشاهدة لكل ما يحب؛ بحيث تصبح مكافأة له على أدائه الدراسي، وتنشيطًا وإعدادًا لذهنه للعودة إلى المذاكرة مرة أخرى،ويصبح أيضاً الحرمان منها هو عقابه عندما يهمل في أداء ما عليه من مسئولية.
وهنا نصل إلى النقطة الأخيرة في رسالتك، والخاصة بشكوى المدرسين، والتي تنبع من عدم فهم المدرسين لمسألة انتباه الأطفال في هذه السن، حيث إن قدرة الأطفال على الانتباه تساوي عمرهم الزمني، مضروبًا في دقيقة واحدة، أي أن قدرة طفلك على الانتباه هي سبع دقائق، بمعنى أن طريقة الشرح يجب أن تتغير كل سبع دقائق؛ بحيث تتغير وسيلة توصيل المعلومة حتى يكون الذهن مستعدًّا لاستقبالها؛ بمعنى أن تُستخدَم الكلمة المباشرة مرة، والكتابة مرة أخرى، ووسيلة الإيضاح المختلفة من سمعية ومرئية مرة ثالثة و…إلخ. وبذلك لا يفقد الطفل انتباهه.. طفلك طفل عادي يحتاج أن نتذكر أنه "طفل".
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..