السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بداية أحب أن أشكركم على الآراء المفيدة التي تقدمونها لنا في كيفية التعامل مع أبنائنا. أعيش أنا وابنتي التي تبلغ من العمر سنة ونصف وزوجي في الغربة بعيدًا عن أقاربنا ولكن لدينا العديد من الأصدقاء والمعارف، أما مشكلتي فهي تكمن في أن ابنتي - وعمرها عام ونصف - تخاف الناس، ولا تتفاعل اجتماعيا معهم، وهي كثيرة التعلق بي حتى أنها عند زيارتنا لأحد الأصدقاء لا تتحرك من جانبي، وأنا أدفعها للعب مع الأطفال دفعا.
ورغم أن ابنتي في المنزل تقوم بحركات جميلة جدًّا، وتتلفظ بكلمات كثيرة، فإن هذا فقط أمامي أنا ووالدها، أما أمام الناس فلا ترضى أن تنطق كلمة واحدة، حتى أن الناس أصبحوا يقولون لي ابنتك جامدة. أنا أريد لها أن تكون ابنتي نشيطة ومرحة، فماذا أفعل لها؟! وكيف أتعامل معها؟! أفيدوني أفادكم الله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،نشكر لك تحيتك الرقيقة
قد تستغربين في عدم بدئي في الرد على استشارتك مباشرة، بل إني سأبدأ في توضيح بعض الأمور عن الخجل وعلاقته بالخوف من الناس وهو محور شكواك.
فالإنسان الخجول هو الوَجِل الذي يفقد إمكانياته حالما يوجد أمام الغير،الذي يصل في بعض الأحيان إلى الخوف من الناس يظهر في عدة مظاهر، منها التهرب من العلاقات الاجتماعية وتجنب الألعاب الجماعية.
وأسباب الخجل متنوعة بعضها يعود للمزاج المرتبط بتكوين الطفل، وبالمؤثرات الأولى التي يتلقاها (مثل:الاحتضان المفرط أو طموح الوالدين الزائد أو سلطوية الآباء….الخ) فهناك أمزجة تتميز بالإحساس المرهف مع نزعة إلى الانطواء وبطء في التجاوب مع الأوضاع الراهنة، فهذا المزاج يشكل أرضية صالحة لنشوء الخجل.
ومنها أسباب تعود إلى مرحلة النمو التي يجتازها الطفل، فهناك مرحلتان يبرز فيهما الخجل بشكل عام: مرحلة الـ 3 – 4 سنوات، ومرحلة المراهقة، وليس هناك مجال في الحديث عن مظاهر الخجل وأسبابه فيها؛ لأن ابنتك ذات السنة والستة أشهر لم تدخل بعد في هاتين المرحلتين، وكونها نشيطة في وجودكما أنت ووالدها مؤشر جيد على تعلقها بكما معًا.
وعليه فإن عدم تفاعلها هو إلى حدٍّ بعيد استجابة ترتكز غالبًا على استعداد مزاجي لا مشكلة فيه؛ لأنها بنت وليست ولدًا ومكانها الطبيعي في هذه السن المبكر بين الوالدين، وكذلك تعلقها بهما والذي لا يعتبر مشكلة طالما أنها تتقبل المحيط الضيق الذي تعيش فيه، وكذلك لم يصل الأمر أن يصبح تعلقها معوقًا للأم أن تمارس حياتها الطبيعية العادية بمعنى تشبثها بها في كل حركاتها وسكناتها.
وبالتالي، فإن حل هذا الأمر - الذي تعتبرينه مشكلة وهو ليس كذلك- يرتكز أساسًا على تفهم طبيعة البنت وتخطي موقف المشاهدة للأعراض التي قد تستغربينها أو تستهجنينها بتحاشي إبراز هذا الرفض والاستغراب بشكل علني؛ لأن هذا من شأنه أن يخلق لديها مشكلة فيتحول هذا الحياء إلى خجل مرضي، وبالتالي يُعقِّد المشكلة مستقبلاً، وعوضًا عن أن تحل، فقد يرسِّخ الرفض العلني والاستغراب لدى الطفلة في المستقبل شعورًا بالعجز، وهذا ما قد تنتظره ضمنيًّا كي تتخذه ذريعة لتبقى على حالتها وتوفر على نفسها مشقة التغيير، ويمعن في إضعاف ثقتها بنفسها، وبالتالي يزيد من وطأة الخجل؛ فالأب والأم عندما يقتنعان داخليًّا بفكرة ما عن ابنهما فإن هذه الفكرة تتسلّل من نفس الأم والأب لتستقر وتصبح سلوكًا للابن وينشأ عنده ازدواجية و يعتاد بموجبها على التفكير ،قبل إقدامه على أي عمل بالصورة التي يقدمها من خلاله للناس، مما يعطل عفويته ويسبب له الخجل وبالتالي مهما يحدث أو يكن رأي الناس فصري دائما على أن تنطلق ابنتك على سجيتها لأن تخليها عن عفويتها قد يسبب لها التعاسة فليس أتعس من الشخص الذي يتوق إلى أن يكون شخصاً أخر غير الذي يؤهله له كيانه الجسماني ،والعقلي.
وبالتالي تجنبي إظهار المشاعر المستاءة من تصرفها سواء أمامها أو أمام الآخرين؛ فطفلتك لطبيعتها شديدة الحساسية لانتقادات الآخرين، خاصة من هم ذوي دلالة لها (والديها)، فإن من أهم أسباب تحول الخجل إلى مشكلة عدم إقامة وزن لميول الطفل وحاجاته، ومحاولة فرض القالب الذي يلائم إرادة الأهل عليه، وكأنه كائن يجب برمجته ليصبح ما قرر الأهل أن يكون، وكذلك طموح الوالدين المفرط بالنسبة للطفل بمطالبته بأن يَبْرع في كل أمر يقوم فيه، والأخطر الاهتمام المفرط برأي الناس؛ لأن الاحتكام إلى رأي الناس المحتمل أو القائم في تربية الأبناء قد يؤدي في المستقبل إلى إضعاف قدرة الطفل على المواجهة والاستقلال.
وليكن كل تركيزك في الفترة القادمة منصباً على مهمة تنمّية شخصيتها وثقتها بنفسها و روح المبادرة ، احتضنيها بحبك وحنانك، وأفسحي المجال لتكون صديقتك وتحافظ على طبيعتها، بأن توفري لها كل فرصة للتعبير عن نفسها تتدرب فيها على مواجهة الناس بالتدريج عن طريق:
- تشجيعها على الاتصال بالأولاد الآخرين.
- اعهدي إليها ببعض المهام المناسبة لسنّها تكون بوسعها أن تتغلب على صعوبتها،مما يعطيها ثقة بالنفس كمساعدتك في ترتيب حجرتها وترتيب ألعابها.
- أشغليها بالرسم أو بأي لعبة تحرصين دائمًا على وجودها في حقيبتك؛ لتنشغل فيها أثناء حوارك مع الآخرين، حتى لا يلتفتوا إلى خجلها هذا.
نرجو أن نكون قد أفدناك، وفي انتظار أخبار الصغيرة التي نرجو أن تحظى بحياء فاطمة الزهراء - رضي الله عنها -.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..