| بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فاتفق العلماء على أن الزكاة تصرف إلى أصحابها بإحدى الطرق الثلاث:
1. أن يقوم المزكّي نفسه بصرفها إلى من يعرف من المستحقّين .
2. أن يدفعها لولي الأمر المسلم الذي يقوم بصرفها على المستحقّين لها، ويكون في هذه الحال وكيلاً عن المزكّي .
3. أن يدفعها إلى وكيل آخر ويفوّضه بصرفها على المستحقّين، ويمكن أن يكون هذا الوكيل فرداً أو جماعة .
وفي هذا العصر، ونظراً لفقدان ولي الأمر المسلم الذي يقوم بجمع الزكاة وصرفها على المستحقّين، ونظراً لضعف الروابط الاجتماعية واتساع المدن وكثرة المحتاجين غير المعروفين، أصبح من الصعب على المزكّي أن يعرف المستحقّين ويصرف زكاته لهم.
فقامت الجمعيّات والمؤسسات الخيرية بهذه المهمة، وهي بلا شكّ أقدر على معرفة المستحقّين وصرف الزكاة إليهم، وصار أصحاب الحاجات يقصدونها ويطلبون منها، وهذا أسهل عليهم في معرفة من تجب عليه الزكاة.
هذه الجمعيّات تكون في مثل هذه الحالة بمثابة الوكيل الشرعي عن المزكّي. وهذا الأمر جائز باتفاق ولا نعلم فيه خلافاً.
وإذا قامت الجمعيّات بهذه المهمّة جاز لها أن تأخذ من الزكاة نصيب (العاملين عليها) خاصّة حين تكلّف من يقوم بجباية الزكاة، ودراسة أحوال المحتاجين لمعرفة مدى استحقاقهم للزكاة، ثم توزيعها عليهم.
ويلاحظ هنا أنّ الجمعيّات لا يحقّ لها أن تأخذ من هذا المصرف الزكاة إلاّ المصاريف الإدارية المتعلّقة بجباية الزكاة وتوزيعها دون سائر نفقات هذه الجمعيّات، وأنّ هذه النفقات لا يصحّ أن تزيد عن سُبُع مِقدار الزكاة في أقصى الاحتمالات باعتبار أنّ مصرف (العاملين عليها) هو (واحد من سبعة) حسب نص الآية الكريمة وبعد زوال مصرف (تحرير الأرقّاء) بانتهاء الرِّق وذلك حسب رأي الشافعية.
والدليل على جواز أخذ الجمعيّات من نصيب (العاملين عليها) إذا قامت بجباية الزكاة وتوزيعها، أن الآية الكريمة خصّصت هذا المصرف للعاملين عليها دون أن تحدّد لهم أيّة صفة أخرى، فكل من عمل في جباية الزكاة وتوزيعها تحقّق فيه هذا الوصف، وجاز له أن يأخذ أجره من الزكاة، لا نعلم خلافاً حول هذه المسألة إلاّ بعض الذين يرون بأن مهمة جباية الزكاة وتوزيعها تقع على عاتق الدولة الإسلامية، فلا يجوز أن تقوم عنها الجمعيّات بذلك.
والمقدّمة الأولى صحيحة، وهي أن مهمّة جباية الزكاة وتوزيعها تقع على عاتق الدولة.لكن واجب الزكاة يقع على صاحب المال سواء وجدت الدولة أم لم توجد.
ومن أخرج زكاته بنفسه جاز له ذلك حتى مع وجود الدولة. وهو جائز من باب أولى إذا لم توجد الدولة. ويجوز له أن يوكّل من شاء بإخراجها حتى مع وجود الدولة.
والوكالة شرعاً تصحّ لفرد أو لجمعية ، والواجبات الشرعية المناطة بالدولة لا تسقط بعدم وجودها، بل تصبح على عاتق الأفراد والجماعات بحسب الاستطاعة، كإقامة العدل بين الناس. فكيف إذا كانت هذه الواجبات أصلاً يشترك فيها الأفراد كالزكاة؟
والله أعلم .
|