الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ...
فهذا زعم لا أساس له من تعاليم الإسلام، فبيت المال لجماعة المسلمين، والحاكم إنما هو خازن أمين، وليس له منه إلا ما يستحقه من راتب بالمعروف، هذا هو مسلك الراشدين المهديين الذين أمرنا الرسول أن نتبع سنتهم وأن نعض عليها بالنواجذ.
فهذا أبو بكر الصديق حين بويع بالخلافة ذهب إلى السوق كعادته ليتاجر ويقوت نفسه وأهله، فلقيه عمر فقال له إلى أين؟ قال: إلى السوق، قال عمر: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: من أين أطعم عيالي؟ فقال عمر: انطلق يفرض لك أبو عبيدة أمين بيت المال، فانطلق إلى أبي عبيدة فقال للخليفة: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أوكسهم، وكسوة الشتاء والصيف: إذا أخلقت شيئا رددته وأخذت غيره!!
وهذا عمر يقول: ألا أخبركم بما أستحل من مال الله؟ حلتين: حلة الشتاء والقيظ ـ الصيف ـ وما أحج عليه وأعتمر من الظهر ـ الركوبة ـ وقوت أهلي كرجل من قريش، ليس بأغناهم ولا أفقرهم، ثم أنا رجل من المسلمين يصيبني ما يصيبهم".
ويروى عنه أنه قال: إنما أنا وهذا المال كولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف.
ويرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمائة درهم، فقال عبد الرحمن: أتستسلفني وعندك بيت المال؟ ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري فتقول أنت وأصحابك: اتركوا هذا لأمير المؤمنين، حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أتسلفها منك لما أعلم من شحك، فإذا مت جئت فاستوفيتها من ميراثي!".
وهذا علي رضي الله عنه يدخل عليه بعض الناس فلا يجد عليه إلا قطيفة خلقة، وهو يرعد فيها من البرد.
وهذا عمر بن عبد العزيز كان لايوقد السراج إلا إذا استعمله في مصلحة الرعية حفاظاً على بيت مال المسلمين .
فمن ذا الذي يزعم بعد ذلك أن الزكاة تجمع في بيت المال لينفقها الحكام فيما يشتهون؟!
لذلك لم يعط الإسلام الحق للحكام بأن ينفقوا من بيت المسلمين من مكان على حساب مكان آخر لذلك رأى الإسلام أن توزع الزكاة أولا في الأقاليم التي جمعت منها، كما نبهت على ذلك السنة النبوية المطهرة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم" .
وعن عمران بن حصين إنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناه حيث كنا نضعه".
فإذا فضل شيء من الزكاة عن حاجة أهل البلد جاز نقله إلى من يستحقه في مكان آخر أو إلى بيت المال المركزي، وقد روى أبو عبيدة: أن معاذاً بعث إلى عمر من اليمن بثلث الزكاة، فأنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيا، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني.
فليس من سياسة الإسلام أخذ الأموال من القرى لتنفق على المدن أو العواصم الكبرى، وإنما تنفق الزكاة حيث جمعت، وهذا ما يقضي به العدل، وحسن التنظيم والتوزيع، وإشعار الفقير في كل بلد بأن له نصيباً في هذا المال الذي يراه، فيحرص عليه، وهذا ما جعل الناس في عصرنا ينتبهون إلى نظام "الإدارة المحلية" وينتفعون بمزاياه.
والله أعلم .
|