بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فاختلف الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروة فمنهم من قال: إنه ركن، ومنهم من قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه سنة، والراجح أن السعي بين الصفا والمروة واجب وليس بركن لأن دليل من أوجبه على أنه ركن يدل على مطلق الوجوب، لا على كونه ركنًا لا يتم الحج إلا به، والذي يترتب على هذا الخلاف لمن ترك السعي في الحج أو العمرة أنه يجب عليه دم، وذلك على اعتبار الرأي الراجح .
وإليك تفصيل هذه الآراء ، والراجح منها ، وأسبابه في ما ذكره الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان أستاذ ورئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة بغداد سابقاً :
القول الأول: أنه ركن
السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج لا يصحّ ولا يتمّ بدونه، لما رواه الإمام أحمد عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَانةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءهُمْ وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ وَهُوَ يَقُولُ:" اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ". وروى الإمام أحمد عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَقُولُ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيُ فَاسْعَوْا". قال الشوكاني بعد أن ذكر هذين الحديثين: استدل به من قال: إن السعي فرض وهم الجمهور. ومنهم المالكية، والشافعية، وأبو ثور، وإسحاق، ورواية عن أحمد، وهي التي اختارها فقهاء الحنابلة المتأخرون.
ويستدل لهذا القول أيضًا بما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة.
القول الثاني: أنه واجب
السعي بين الصفا والمروة ليس فرضًا، وبالتالي ليس ركنًا من أركان الحج، وإنما هو واجب، وهذا قول أبي حنيفة، والثوري، والزيدية، والقاضي أبي يعلى الحنبلي. يجب في تركه دم.
واحتجَّ الحنفية لقولهم: إنه واجب بأن ركن الحج هو زيارة البيت، والوقوف بعرفة كما ذكرناه عنهم فيما سبق، ولا دليل على أن السعي فرض حتى يعتبر ركنًا من أركان الحج، وحديث عائشة الذي أخرجه مسلم وفيه: "مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ… الخ" فيه إشارة إلى أنه واجب وليس بركن؛ لأنها وصفت الحج بدونه بالنقصان لا بالبطلان، وفوت الواجب هو الذي يوجب النقصان، بينما فوت الفرض -الركن- يوجب الفساد أو البطلان. وأما قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد: "كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" فمعناه حكم الله -تعالى-، وحكمه -تعالى- هو ما شرعه من الإيجاب، أو الندب، أو الإباحة، أو التحريم، فلا يكون لهم حجة على الفرضية، ولا يكون ركنًا، أو نحمله على الوجوب توفيقًا بين الأدلة صيانة لها عن التناقض. وهذا ما نقول به فهو واجب وليس بفرض، فلا يكون ركنًا؛ لأن الفرض ما ثبتت فرضيته بدليل مقطوع لصمته دلالة وسندًا.
القول الثالث: أنه سنة
السعي بين الصفا والمروة سنة، ليس بركن ولا واجب، ولا يجب بتركه دم، وهذا قول عطاء، ورواية عن أحمد، فلا يجب بتركه دم، وروي هذا القول عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين لقول الله تعالى: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه، فإن هذا رتبة المباح، وإنما ثبتت سنيّة السعي بين الصفا والمروة بقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، لأن شعائر الله هي أعمال الحج، وكل ما جعل علمًا لطاعة الله.
ولكن يردّ على هذا القول ودليله ما ردّت به عائشة -رضي الله عنها- على عروة، ورواه عنها الإمام مسلم في "صحيحه" عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قًالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ مَا أَرَى عَلَيَّ جُنَاحًا أَنْ لا أَتَطَوَّفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآيَةَ فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْحَجِّ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ".
قال الإمام النووي في تعليقه على هذا الخبر: "قال العلماء: هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطَّوَّف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه، فأخبرته عائشة -رضي الله عنها- أن الآية ليست في دلالة الوجوب ولا لعدمه، وبيَّنت السبب في نزولها، والحكمة في نظمها، وأنها نزلت في الأنصار حين تحرَّجوا من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام، وأنها -أي الآية- لو كانت كما يقول عروة لكانت: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما". وقد يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان أنه يمنع إيقاعه على صفة مخصوصة، وذلك كمن عليه صلاة الظهر، وظن أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس فسأل عن ذلك، فيقال في جوابه: لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت، فيكون وجوبًا صحيحًا، ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر.
القول الراجح:
والراجح أن السعي بين الصفا والمروة واجب وليس بركن، فيجب بتركه دم؛ لأن دليل من أوجبه على أنه ركن دل هذا الدليل على مطلق الوجوب، لا على كونه ركنًا لا يتم الحج إلا به. وما جاء في بعض الأحاديث الشريفة قوله -صلى الله عليه وسلم-: "كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ". فهذا يدل على أنه مكتوب، وهو الواجب. وأما الآية الكريمة: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، فإنها نزلت لما تحرَّج ناس من السعي في الإسلام لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة كما روي عن عائشة -رضي الله عنها-.
والله أعلم .
|