الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
(البوكيمون) مسلسل ياباني كرتوني، أنتج من أجل الأطفال، وقد انتشر في الآونة الأخيرة في أنحاء شتى من العالم، ومنه العالم العربي، الذي ترجم إلى اللغة العربية، وقُدِّم بلغة عربية فصيحة، وهذا من حسناته. وقد تعلق به الصغار من أبنائنا وبناتنا وأمسى شغلهم الشاغل.
كما أن (البوكيمون) هي أيضًا لعبة يتنافس فيها اللاعبون فيكسب بعضهم ويخسر آخرون .
وفي الأيام الأخيرة ثار حوله الجدل، واحتد النقاش حول الحكم الشرعي فيه: أهو حلال أم حرام؟ .
وتوجه إليَّ بالسؤال كثيرٌ من الآباء والأمهات، الذين يحرصون على تنشئة أولادهم تنشئة إسلامية صحيحة، تَسْلَم فيها عقائدهم، وتصح عباداتهم، وتزكو أنفسهم، وتستقيم أخلاقهم وسلوكياتهم .
والواجب على الفقيه المسلم: ألا يتعجل الحكم في مثل هذه القضايا قبل أن يعرف حقيقتها ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، والفقهاء عادة لا يعرفون مثل هذه الأمور، لأنهم لا يشاهدون هذا النوع من المسلسلات، أو اللعب، وبخاصة أنه صنع للأطفال. كما لا يجوز لهم أن يحكموا على هذه القضايا بما يشيع عنها على ألسنة الناس، فكثيرًا ما تكون هذه الإشاعات مبالغًا فيها، أو معبرة عن اتجاهات أصحابها، ما بين متسيبين ومتزمتين. والمطلوب أن يكون الحكم بعيدًا عن تسيب المتسيبين، وتزمت المتزمتين .
وهنا يجب علينا أن نرجع إلى أهل الخبرة والفكر، الذين يعرفون قضايا الفن والدراما والمسلسلات ونحوها من المؤمنين الملتزمين، وقد قال تعالى: (ولا ينبئك مثل خبير) فاطر:35 (فاسأل به خبيرًا) الفرقان:59 (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل:43 .
وبالرجوع إلى هؤلاء الخبراء الذين اطلعوا على هذا البرنامج، وتتبعوا حلقاته، ونظروا في معانيه وأفكاره وأغراضه نظرة علمية فاحصة، لا نظرة سطحية عارضة، أكدوا لنا: أن فيه جملة أمور تجعلنا نفتي بتحريم عرضه وتقديمه لأبنائنا وفلذات أكبادنا، ولا سيما أنهم في سن القابلية والتأثر والتشكل، ونحن أمناء عليهم، ورعاة لهم، وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " متفق عليه عن ابن عمر .
وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) التحريم:6 .
ويأتي التحريم على أساس ما يلي :
أولاً: يتضمن خطرًا على العقيدة، بتبني فكرة الداروينية المعروفة بنظرية (النشوء والارتقاء) وتطور الأجناس والأنواع من مخلوقات دنيا إلى مخلوقات أرقى وأكثر قدرة، فالإنسان نفسه تطور من أجناس أدنى منه، حتى تطور إلى القرد،و القرد هو أقرب شيء إلى الإنسان، ثم انتهى في تطوره إلى الإنسان .
وهذا الفيلم أو المسلسل الكرتوني يقوم على فكرة تطور الحشرات وارتقائها ويتكرر فيه الحديث عن هذا التطور، لغرسه في ذهنية الطفل بيسر وسهولة وتلقائية .
ثانيًا:يتضمن خطرًا على عقلية الطفل وحسن تربيته فكريًا، حيث يغرس في عقله خيالات لا أصل لها، وأشياء خارقة للعادة، وغير متمشية مع سنن الله الكونية، حيث تصدر من هذه الحشرات أو المخلوقات الجديدة عجائب وغرائب، لا أساس لها من عقل ولا نقل، بدل أن يُعرف بالحيوانات والأشياء التي توجد في بيئته، ولا يعرف الكثير عنها. ولذا لفت نظرنا القرآن إلى مخلوقات البيئة حين قال: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) الغاشية:17، والإبل أقرب الحيوانات إلى البيئة العربية، فليتنا نوجه تلاميذنا إلى معرفة ودراسة حيوانات البيئة، وطيور البيئة، وحشرات البيئة، بدل هذه المخلوقات التي تظهر بصور غريبة لا وجود لها .
ثالثًا: يتضمن خطرًا على سلوك الطفل، وحسن علاقته بمن حوله، حيث يبث الفيلم فكرة الصراع والبقاء للأقوى ـ وهي فكرة داروينية أيضًا ـ ويدعو الفيلم أو المسلسل إلى العراك الدائم، والعنف المستمر، والقتال الذي تدور رحاه بين هذه المخلوقات، التي لا تتوانى عن استخدام جميع الطاقات للفتك بالخصم .
ولا شك أن العالم كله الآن يشكو من (العنف) في الأفلام والمسلسلات حتى رأينا أثره في أمريكا في التلاميذ الصغار الذين يقتلون زملاءهم في قاعة الدرس، رميًا بالرصاص، بغير ذنب اقترفوه .
رابعًا: اشتمال لعبة (البوكيمون) على الميسر (القمار) المحرم شرعًا، والذي قرنه الله تعالى في كتابه بالخمر والأنصاب والأزلام، واعتبره رجسًا من عمل الشيطان .
فهناك الكروت التي تشترى بالعشرات أو المئات بل ربما الآلاف من الريالات أو الدراهم أو الجنيهات أو الدنانير، وخصوصًا (الكرت الأقوى). الذي يغلب به صاحبه من يحمل الكرت الأضعف، أو الأقل قوة، بطرق ورموز معروفة عندهم .
فإذا لم يرد الطرف الخاسر أن يفقد (كرته) فعليه أن يدفع بدلاً منه قيمته، وقد تزيد حسبما يحددها الطرف الكاسب فهو الذي من حقه أن يحدد السعر. وهذه إحدى صور القمار أو الميسر في الجاهلية حيث كان الرجل يقامر الآخر على ماله ـ وربما على أهله ـ فأيهما كسب أخذ مال الآخر، وربما أهله حسب الاتفاق. ولمَّا جاء الإسلام واستقر التشريع حرم الميسر كما حرم الخمر، ونزل قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) المائدة :
خامسًا: يتضمن (البوكيمون) رموزًا معروفة لها دلالالتها مثل (النجمة السداسية) وعلاقتها بالصهيونية والماسونية، والتي أصبحت شعار دولة الاغتصاب المسماة (إسرائيل ).
ومثل ذلك: المثلثات الزوايا، وهي رموز ماسونية، وكذلك رموز تمثل معتقدات الديانة الشنتوية اليابانية، إلى غير ذلك .
ومن المعروف أن لهذه الرموز إيماءاتها التي تترك بصماتها في نفوس المراهقين والصغار، ولها أثرها على المدى البعيد .
لهذه الأسباب كلها أرى تحريم هذه اللعبة وما بني عليها من أفلام ومسلسلات حفاظًا على عقول أبنائنا وعقائدهم وسلوكهم، وكذلك على أموالهم التي أتقن هؤلاء فن استلابها منهم برضاهم، واستدراج آبائهم وأمهاتهم للموافقة عليها .
أما ما ذكر من معان للكلمات والأسماء المتداولة في اللعبة أو الفيلم، مثل قولهم: معنى كلمة كذا: أنا يهودي، وكلمة كذا: كن يهوديًا، وكلمة كذا: الله ضعيف..الخ، فلم يثبت لنا صحة هذا، وأنكره بعض اليابانيين في دولة الإمارات العربية وغيرها. ولا يجوز أن نبني حكمًا على شيء غير ثابت بأدلة علمية .
والواجب علينا نحن المسلمين: أن يكون لنا إنتاجنا الخاص، المعبر عن عقائدنا وقيمنا وشرائعنا وأعرافنا وتراثنا وحضارتنا، وأن يتعاون على ذلك المبدعون من أدبائنا وعلمائنا وفنانينا، وأهل التقنية، وأصحاب المال والسلطان فينا، لنقدم (أفلامًا) ومسلسلات كرتونية تحمل رسالتنا، وتعبر عن شخصيتنا وهويتنا الدينية والثقافية والحضارية، بلغة سهلة.. فصيحة ومشوقة، فقد استطاع مترجمو هذا المسلسل أن يترجموه إلى العربية بلغة فصيحة سلسة ومفهومة. وهو ما يجب أن نحرص عليه فيما نقدمه إلى أطفالنا، حتى ينشأ كل منهم محبًا للغته، ولدينه وتراثه .
أسأل الله أن يوفق الواعين والنابهين والمخلصين من أبناء أمتنا إلى تحقيق هذا الأمل، وما ذلك على الله بعزيز .
والله أعلم .
|