أخانا في الله/ أبا حمزة
السلام عليك ورحمة الله وبركاته وأهلا ومرحبا بك، وشكر الله لك ثقتك بإخوانك في شبكة "إسلام أون لاين.نت"، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا أهلا لهذه الثقة، وأن يتقبل منا أقوالنا وأعمالنا وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وألا يجعل فيها لمخلوق حظا،...آمين... ثم أما بعد:
يقول تعالى في الدستور السماوي الخالد:( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) .(النساء :36).
يوصي الله تعالى في هذه الآية الكريمة بالجيران كلهم، قريبهم وبعيدهم، مسلمهم وكافرهم، ولا شك أن الإسلام شدد على بيان ما للجار – الفرد- على جاره من حقوق، وهذا ثابت بالقرآن الصريح والسنة الصحيحة. وكما أن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، فإن مبادئ الإسلام وقيمه وشريعته – أيضا – صالحة للمجتمع وللدولة كما هي صالحة للفرد.
فلا تتوقف حقوق الجار في الإسلام على حقوق الأفراد وحسب، بل تتعداه إلى "حقوق الدول"، فللدولة على جارتها حقوق كثيرة منها :-
1- أن تتعايش معها في سلام، فلا تناوشها ولا تعتدي عليها ولا تجور على حدودها.
2- ألا تتدخل في شئونها الداخلية، بل عليها أن تعترف باستقلاليتها، ووحدتها وحقها في تقرير مصيرها.
3- أن تقدم النصح لها، فيما تراه خيرا ونافعا، وألا تبخل عليها بمشورة، وأن تمدها بخبراتها وعلمائها إن استطاعت، وأن تدعم نهضتها وتقدمها، فكلما كانت الدولة الجارة لها قوية عسكريا وسياسيا وعلميا كلما كان ذلك سندا لها.
4- ألا تعين عليها دولة ظالمة أو حاكما معتديا، وألا تقدم للمعتدين عليها يد العون.
5- أن تقف إلى جوارها، وأن تناصرها، وأن تعزز حقوقها ومطالبها المشروعة.
6- أن تمنع عنها عدوها، وأن تمنعه من احتلالها بشتى الطرق المشروعة، وان تعتبر ذلك واجبا إنسانيا عليها، فضلا عن أن يكون واجبا شرعيا في حال كونهما دولتان مسلمتان.
7- أن تقاوم معها من يحتلها، حتى تحصل على حريتها، ويجلو عنها المحتل.
8- أن تساهم في دعم اقتصادها، بفتح أسواقها لمنتجاتها، ورفع أو تخفيض الجمارك عن منتجاتها، وأن تتعاون معها في إقامة المشروعات التي تعود بالنفع على الشعبين، وان تفتح حدودها لأبناء جارتها من العاطلين لتساهم معها في حل مشكلة البطالة إن تمكنت من ذلك.
9- أن تؤمن حدودها، حتى لا تؤتى تلك الدولة الجارة من جهتها، وأن تعتبر أن أمنها القومي مسئولة مشتركة.
10- ألا تظلمها بالاعتداء على حدودها، أو بتحويل مصدر الماء عنها، أو بالتعاقد مع دولة أخرى منافسة لها، مما يلحق الضرر بها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن). قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه).
أخي الفاضل:
إن كانت هذه الحقوق التي رتبها الإسلام، واجبة على الدولة الجارة – مسلمة كانت أو كافرة- فهي على الدولة المسلمة لجارتها المسلمة أوجب، أما ما نراه اليوم من إعانة بعض الدول المسلمة لقوات الاحتلال الظالمة على جارتها الدولة المسلمة، وتقديمها كل ألوان الدعم المادي واللوجستي والعسكري، فإنه مخالف لتعاليم الإسلام وأحكامه ومبادئه.
وجاء في (الجزء الثالث من موسوعة (كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية في شريعة الإسلام)، للدكتور أحمد أبو الوفا، أستاذ القانون الدولي العام بكلية الحقوق جامعة القاهرة :
يعتبر مبدأ حسن الجوار bon voisinage من المبادئ الأساسية للقانون الدولي المعاصر، وهو مبدأ له ارتباطات مع العديد من المفاهيم الأساسية المعاصرة مثل: مبدأ احترام سيادة الدولة، واستقلالها، وعدم الاعتداء عليها، والتفاهم الودي بين الدول المتجاورة؛.. إلخ، وأن الإسلام قد اهتم بالجار اهتماما كبيرا سواء علي الصعيد الداخلي، أو علي مستوي العلاقات الدولية.
ويكفي أن نذكر هنا ما قاله الرسول صلي الله عليه وسلم:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)، وقال أيضا :(والله لا يؤمن – قالها ثلاثا- قالوا : من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) (أي أفعاله السيئة وشروره)".
من المعلوم أن الجوار في الشريعة الإسلامية نوعان: جوار جانبي: وهو الذي ينشأ "عن ملاصقة الحدود"، وجوار رأسي : وهو الناشئ عن حق التعلي، ولا يخفي علي أحد- أنه علي صعيد العلاقات الدولية – يكون الجوار إما جوارا جانبيا ( إذا كان هناك اشتراك في الحدود بين الدول الإسلامية ودولة أخري) أو تقابليا ( إذا كان هناك فاصلا في الحدود كبحر أو نهر بين الدول الإسلامية ومن يقابلها).
ويمكن التدليل على تطرق فقهاء أو حكام الدولة الإسلامية إلي فكرة أو مبدأ حسن الجوار، بالآتي : فقد بعث أمير الروم ثيوفيل (829م) رسالة إلي الخليفة العباسي المأمون، جاء فيها : وقد كتبت إليك داعيا إلي المسالمة، راغبا في فضيلة المهادنة، لتضع أوزار الحرب عنا، ويكون كل واحد لكل واحد وليا وحزبا، مع اتصال المرافق والفسيح في المتاجر وفك المستأسر وأمن الطرق، فأجابه المأمون إلي طلبه حتى تصبح العلاقات بين الطرفين طبيعية.
ومن الأمثلة الهامة في هذا الصدد الرسالة التي بعث بها بطريق القسطنطينية، نيقولا ميستيكوس، إلي حاكم كريت المسلم، أيام تبعيتها للدولة الإسلامية في منتصف القرن العاشر الميلادي، وهذا نصها : إلي الأمجد الأعز الأشرف، أمير جزيرة تكريت : إن أعظم قوتي العالم أجمع، قوة العرب وقوة الروم، تعلوان وتتألقان كالشمس والقمر في السماء، وبهذا وحده يجب أن نعيش أخوة، علي الرغم من اختلافنا في الطبائع والعادات والدين.
ولعل خير ما يبين مبدأ تطبيق حسن الجوار في ممارسات الدولة الإسلامية، الواقعة التالية : فقد حدثت عدة مراسلات بين الملك الظاهر بيبرس ومقدم الاستبارية حول نقضهم الهدنة المعقودة بين الطرفين، وخالف الاستبارية شروط الهدنة فحصنوا عكا، وأرسل السلطان إلي مقدمهم عدة رسائل مستفسرا وأرسلوا عدة أجوبة لم يطمئن إليها، وأخيرا أرسل إلي مقدمهم يقول : أما تجديد الربض لحفظ الصعاليك، فالبلاد ما تحفظ بالسوار ولا تحفظ بالرعية ولا بالخنادق، ولا تحفظ إلا بأحد أمرين : إما بالسيوف والعزائم، وإما بإحسان الجيرة وكف الذي.
ويقول أبو القاسم الحسين بن علي المغربي (المتوفى سنة 418هـ) أن علي الملك : إحسان مجاورة جيرانه في الممالك التي تلي مملكته، فحاله معهم كحال الواحد من السوقة مع جيرانه لما أسست عليه الدنيا من الحاجة إلي التعاضد.
وختاما؛
نسأل الله تعالى أن يهديك إلى الخير، وأن يصرف عنك شياطين الإنس والجن إنه سبحانه خير مأمول .. وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... وتابعنا بأخبارك ...
ويمكنك مطالعة الاستشارات التالية:
|