 |
morabet
- المغرب
|
الاسم |
 |
| الديمقراطية في المنتديات.. أدب الحديث والخلاف |
العنوان |
السلام عليكم ورحمة الله..
أنا أؤمن تماما بما يراه فضيلة الشيخ القرضاوي فيما يتعلق برأيه في مسألة الحريات والديمقراطية في المجال السياسي، بل إني أزعم: أن الاستبداد هو آفة الآفات التي تعاني منها الأمة ومنه تتولد كل الموبقات والأزمات التي نعانيها.
وأنا مشترك في بعض المنتديات العربية، وأقدم وجهة نظري تلك، فأجد من يتصدى بحماس بالغ ويقول إن الديمقراطية أمر مستورد وبدعة، وما إلى ذلك؛ بل إنهم يقدمون نصوصًا منقولة عن البعض ولا يدخلون في حوار عقلي متزن معي، ويزعمون أنهم يمسكون الحقيقة بأيديهم وما عداهم على الباطل.. ولهم ردود تعميمية -لا خلاف على جوهرها- ولكن فهمهم لها يحتاج إلى الحوار.. وكأن فهمهم للإسلام هو الصحيح الوحيد.
وذلك ما أريد أن نتوجه بكلمة نصح إلى أولئك الإخوة بصدده حتى تتسع صدورهم لمن خالفهم في الأدوات والوسائل، وكان معهم في الهدف والغاية.. تقبلوا تقديري.
|
السؤال |
| 2004/12/22 |
التاريخ |
|
الدعوة العامة
|
الموضوع |
|
فريق الاستشارات الدعوية
|
المستشار |
 |
 |
|
يقول الأستاذ عصام تليمة الباحث الشرعي وعضو فريق الاستشارات:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛
فاستشارتك يا أخي هذه يندرج تحتها عدة محاور:
* المحور الأول: حول استيراد الوسائل من غير المسلمين، ومدى جواز ذلك.
* المحور الثاني: العبرة بالأسماء أم بالمسميات.
* المحور الثالث: مدى تعدد وجوه الحق في القضية الواحدة، وتعدد وجهات النظر.
* المحور الرابع: سعة الصدر نحو المخالف.
* أما المحور الأول، وهو حول استيراد الوسائل من غير المسلمين:
فالإسلام يا أخي يفرّق بين أمرين عند استيرادنا من غير المسلمين، يفرق بين: المبادئ؛ والوسائل.
فهو يرحب بكل وسيلة جديدة تعيننا على أداء حياتنا ورسالتنا، وقد حدث هذا الأمر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ استورد النبي صلى الله عليه وسلم فكرة (حفر الخندق) في غزوة الأحزاب من بلاد فارس، وهم عُبّاد النار "المجوس"، حينما أشار عليه بهذه المشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه، وقال: إننا في فارس كنا إذا حوصرنا خَنْدَقْنا، فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم الفكرة ونفذها، وشارك في تنفيذها بنفسه، فحفر مع أصحابه خندقا حول المدينة، ليحمي به أطرافها من الغزو الخارجي.
وكذلك استفاد المسلمون في حياتهم في عهد الخلفاء الراشدين، من وسائل غير المسلمين مما لا يؤثر على معتقداتهم، مثل (الدواوين) التي أنشأها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت بالرومية إلى أن عربها عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي المعروف.
أما ما يمنعه الإسلام من الاستيراد من الغير، فهو: المبادئ التي تخالف مبادئ الإسلام، أو الأمور التي تغزو المسلم في عقيدته ومسلماته.
ولا شك أن الديمقراطية شيء مستحدث عند الغربيين، ويقصد به إرساء مبدأ الحرية، وحرية الاختيار والتعبير، وإن اتفق هذا المبدأ مع مبدأ إسلامي أعم منه وأشمل وأضبط، وهو مبدأ الشورى، ولذلك قال الشيخ القرضاوي ومن أقروا بمشروعية الديمقراطية، قالوا: إن جوهر الديمقراطية يتفق مع الإسلام، ولم يقولوا بأن الديمقراطية كلها إسلامية، بل جوهرها، وجوهر الديمقراطية هو: "حرية التعبير والاختيار".
ثم لو كانت العلة الاستيراد فقط يا أخي، فهذا معناه: أننا سنلغي كل مقومات الحياة من حياتنا، فما من شيء في حياتنا إلا وقد استورد، وذلك لأننا تخلفنا.. تخلفنا في مجال الصناعات والتقنيات، وكذلك في مجال تطبيق المبادئ، فقد رأينا بلادًا ينام شعبها في البرد الشديد أياما في الشوارع اعتراضًا على انتخابات شكوا في أن فيها شبهة تزوير!! ونحن تزور الانتخابات في بلادنا ولا نحرك ساكنا، فلا نحن تكلمنا باسم الشورى والحرية، ولا نحن تحركنا أو تكلمنا باسم الديمقراطية المستوردة، إنما صمتنا صمت أهل القبور، وإن كان أهل القبور أرقى منا منزلة، فسكوتهم أمرٌ قدري ألزمهم الله به، أما سكوتنا فسكوت شيطاني نأثم به.
يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: "نظرت في يدي فوجدت ساعتي من سويسرا، ونظرت إلى ثوبي فوجدته مصنوعا في الصين، ونظرت إلى نظارتي فوجدتها مصنوعة في إيطاليا، ونظرت ونظرت... فرأيت كل ما أستخدمه من خارج وطني، فسألت نفسي: أين أمتي من جسدي وحياتي؟!".
* أما المحور الثاني، وهو: هل العبرة بالاسم أم بالمسمى؟:
والذي نراه: أن العبرة بالمسميات، ولا تعنينا الأسماء، وأن نأخذ الحد المتفق عليه من الفكرة أو الوسيلة، وهذا المبدأ أقره ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جاءه نصارى "تغلب"، وقالوا: نحن نأنف من كلمة (الجزية) فخذ منا ما تأخذونه من المسلمين العرب كزكاةٍ وأكثر، ولا تسمونها جزية، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن قال قولته الشهيرة في ذلك: "هؤلاء قوم حمقى، رضوا بالمسمى ورفضوا الاسم".
والغريب: أن ينكر بعض إخواننا من الإسلاميين الديمقراطية ويصرون على الشورى كاملة، في الوقت الذي يحرم فيه الإسلاميون من أقل درجات التعبير والحرية، فماذا لو قبلنا بالحد الأدنى الذي يوصلنا إلى تطبيق مبدأ الشورى الكامل، فهل الأفضل أن لا نقيم الشورى، ولا نستفيد بآليات الديمقراطية؟!
ورحم الله شيخنا الغزالي حينما اشتبك أحدهم معه في قضية لا تحتاج إلى هذه المعركة التي أدار رحاها، وشهر لها سيفه، فرد عليه الشيخ طيّب الله ثراه قائلا: "إن الإسلام السياسي استهلك شعوبنا من أمد بعيد، ولم نسمع لهؤلاء نواحا على حرية موءودة، ولا بكاء على شورى مفقودة، إن صمتهم حيث يجب الصياح، وصياحهم حيث يجب الصمت يجعلني أزهد في رؤيتهم والاستماع إليهم، ويجعلني أدعو الله أن يريح الإسلام من علومهم ودعاواهم" وراجع في ذلك كتابه "قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة" ص166. ط. دار الشروق.
* أما المحور الثالث، وهو: مدى تعدد وجوه الحق في القضية الواحدة، وتعدد وجهات النظر:
إن المسلّمات في الإسلام قليلة، وهي القضايا التي تسمى بقضايا الإجماع، أما بقية القضايا الفقهية، وما يعد من فروع العقيدة، فكلها قضايا اختلفت فيها وجهات النظر، حسب دليل كل من الفريقين إن لم يكونوا أكثر من فريقين، وذلك لتغير الأفهام والأدلة من حيث ثبوتها ومن حيث فهمها ودرايتها.
فهل ما يقوله العالِم أو الفئة من الفئات هو الحق الذي لا حق غيره؟!!
هذا ما لم يقل به أحد، فلم يقل أحد من العلماء: إن رأيي هو الحق الذي لا حق غيره، ويحجر بذلك على غيره بألا يجتهد.. نعم، هو يعتقد في قرارة نفسه بأن رأيه صواب، ولكنه لا ينفي الصواب عن غيره، وفي ذلك يقول الشافعي رضي الله عنه: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
وهذه قضية كبيرة ناقشها علماء الأصول وفقهاء المذاهب، ولا أريد أن أطيل على الأخ القارئ فيها، ويكفيه أن يكون عنده سعة صدر، وتقبل لآراء الآخرين، وأن الإسلام دين عظيم، ومن عظمته أن نبيه صلى الله عليه وسلم قال: (من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ له أجر واحد)، أي أن صاحب الاجتهاد والرأي مأجور في كلتا الحالتين.
فهل من اعتقد رأيا من الرأيين -من قال: بأن الديمقراطية كفر، وليست من الإسلام؛ أو من قال: إن جوهر الديمقراطية يتفق مع الإسلام-، هل لأحدهما أن ينكر على الآخر ويعنف، أم من المفترض أن يتعامل كل مع الجميع بسعة الصدر والتسامح، ويكون بينهما النصح بالرفق واللين، وعدم تجريح كل منهما في الآخر؟ وبخاصة أن علماءنا قالوا: "لا إنكار في المسائل المختلف فيها".
وأقف هنا وقفة مع القارئ مع هذه النقطة لأنها هامة في مسائل الخلاف، ولذلك أنقل إلى القارئ الكريم بعض أقوالهم في قضية الإنكار في المسائل المختلف فيها:
- ذكر الإمام الغزالي في كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في "الإحياء"، في أركان "الحسبة": "أن يكون المنكر المُحْتَسَبُ فيه منكرا معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو محل الاجتهاد، فلا حسبة فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضبع ومتروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي نكاحه بغير ولي، وشربه النبيذ الذي ليس بمسكر، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار، ونحو ذلك".
- وقال الإمام النووي في شرح صحيح الإمام مسلم: "أما المختلف فيه، فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين، أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، بل نقول: هو مأجور أجرا واحدا، كما صح في الحديث".
فما كان من الآراء مستندا إلى مذهب من المذاهب الاجتهادية المعتبرة عند الأمة، أو إلى صحابي أو تابعي أو إمام معتد به، فلا حرج على من أخذ به، ولا يجوز الإنكار عليه.
إنما يجوز إبداء الرأي المخالف بطريقة علمية موضوعية، بعيدة عن الطعن في الآخرين، والتجريح لهم، بل مجرد تعريض بالرأي الآخر، وإرشاد إليه، مع التزام الحكمة والموعظة الحسنة، والحفاظ على المودة، والبعد عن الغلظة والخشونة والحدة، التي لا ينبغي أن يحملها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، إلا لمن خرق أمرا مجمعا عليه بيقين، مقطوعا به عند العلماء.
ولذا قال ابن تيمية: "إن هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه".
* المحور الرابع، سعة الصدر نحو المخالف:
فلابد عند قضايا الخلاف هذه أن تتسع صدورنا لآراء الآخرين، ولا نضيق بها، ونحجر عليها، أو نلغيها ونصادرها، فلقد تعايش المسلمون في ظل وجود مذاهب أربعة، بل ثمانية، وكان ذلك في ظل وجود خلافة للمسلمين، وقت العافية والقوة والتمكين، فمما لا شك فيه أنه في وقت التفرق الضعف مطلوب التسامح وسعة الصدر أكثر.
ويمكنك أخي أن ترجع إلى هذه المراجع ففيها كثير فائدة في هذا الموضوع:
- "فقه الائتلاف" للشيخ المرحوم محمود الخازندار.
- "كيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف؟"، و"الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم" للدكتور يوسف القرضاوي.
- "الألفة بين المسلمين" لابن حزم، بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة رحمه الله.
- رسالة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
استشارتان ذواتا صلة:
- فقه الاختلاف.. الفريضة الغائبة
- الشورى والديمقراطية.. مساحات الالتقاء والافتراق
|
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|