English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
ali   - أخرى الاسم
هل نترك الدنيا ونبيع العرق سوس؟!!.. شبهات على الطريق العنوان
الأستاذ كمال المصري المحترم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
قبل عدة أشهر التقيت أحد الأصدقاء في الجامعة، وكان قد سافر إلى اليمن بعد أن ترك الجامعة في مجال الهندسة ليطلب العلم الشرعي، لكنه عاد بعد ذلك لأنه صدم بسوء الدراسة هناك، وهو للعلم شيخ كما يسمونه هنا (ملتحٍ) لحية إسلامية، وهو ملتزمٌ عمره 23 سنة، منذ أن عاد توطدت علاقتي معه حتى وصلت إلى درجة الأخوة والحمد لله.
المشكلة هي في نظرة هذا الأخ إلى الدنيا، فهو ينظر إليها على أنها عدو، وهي نظرة الصحابة إليها، فهو يعتقد أننا يجب أن نتعبد فقط لله بقراءة القران والصلاة والصيام، وأننا لا يجب أن نحتك بالدنيا إلا بقدر الحاجة الضرورية الملحة، مثل العمل، وأن نقضي وقت الفراغ في العبادة فقط: "فإذا فرغت فانصب"، وحجته في ذلك هي الصحابة، فهو يقول أن من عمل منهم للدنيا قد ندم ندمًا شديدًا، قلت له بأن هذا التفكير يؤدي إلى تخلف المسلمين، وأننا يجب أن نعمل في مجالات الهندسة والطب.... إلخ، لكي نسد الثغور والتخلف الهائل الذي لحق بنا، كان جوابه بأننا حين نعود إلى الله ونعبده حق عبادته بنية خالصة سيجعلنا الله سادة الدنيا، وسيجعلها عبدًا لدينا، وأننا لن نحتاج إلى المهندسين أو الأطباء أو الغرب أو العلم، وأننا لن نلحق بالغرب لأنهم سبقونا بسنين، ومثاله في هذا أنه حين لا يركب "باص" الجامعة بسبب الأغاني في "الباص" ييسر له الله واسطة أخرى (وهو ما يحصل بالفعل حين أكون معه حتى على مستوى التاكسي فحين أركب معه يكون السائق يستمع إلى القران).
هو يقول بأنه يجب أن نعود إلى الله بصدق وهو سيحل جميع مشاكلنا، وحجته في الخوف من الدنيا هو أن التعمق فيها للدراسة مثلاً يؤدي للانغماس فيها مما يؤثر سلبًا على العبادة (وهو ما لاحظته أنا فحين أجلس للبرمجة مثلاً وأسمع الأذان أشعر ببعض الكسل لأداء الصلاة لأني أكون في ذروة التفكير والانغماس بالمشكلة والأمر نفسه عند الدراسة).
قبل عدة أسابيع اشتركت بإحدى الدورات البرمجية فلامني بشدة فأصبحت في موقع المفرط بدينه، وهو على حق إلى حدٍّ ما، لأني لاحظت أن خشوعي في الصلاة وتأثري بالقرآن أصبحا أقل لأني أرجع إلى البيت منهكًا.
باختصار شديد، هو يؤمن بأننا يجب أن نعمل للآخرة فقط وأن لا نحتك بالدنيا إلا بقدر الحاجة الضرورية (وهو مصطلحٌ نسبيٌّ في نظري لأن حاجتي غير حاجة الأمة)، وإننا حين نعود إلى الله سيجعل لنا من أمرنا مخرجًا، ويرزقنا من حيث لا نحتسب، وأن مصدرنا يجب أن يكون القرآن والسنة - وليس إسلام أون لاين.نت كما يقول لي مازحًا، وهو يلومكم بشدة لأنكم لا تستشهدون بالقران أو بالسنة، ويصفكم بالنموذج المتأثر بالغرب والعلم، وأنكم "دنيويون" بشكلٍ بحت -.
المشكلة أنه يحثني بشدةٍ لكي أتبنى رؤيته هذه، وأنا مقتنعٌ برؤيته إلى حدٍّ ما، لكن أخشى أن يكون مخطئًا أو مغاليًا .
أنا حائرٌ بشدةٍ هل هو على صواب ؟ هل يجب أن أوقف الدورات ومسيرتي العلمية وأتعبد فقط ؟ هل هذا تواكل ؟
بالمناسبة هو يعتبر أن طلب الآخرة عن طريق الدنيا خطأٌ كبير (وهو نموذج الأستاذ عمرو خالد)، فالأستاذ عمرو يقول أنه ما من مانعٍ من ممارسة الرياضة والأنشطة الأخرى، بشرط تغيير النية لكي نحصل على حسناتٍ أثناء النشاط (مثلاً أمارس الرياضة بنية تفريغ الطاقة لقتل الشهوة الملحة والابتعاد عن المعصية)، ولكن هذا الصديق يقول أن الدنيا لا تجتمع مع الآخرة، وأنه لا يجب أن نتعبد إلى الله بالدنيا (كما تفعلون أنتم مثلاً حسب ما يقول حيث إنكم تقومون بعملٍ دنيويٍّ تطلبون به رضا الله فلكم حسنات لكنها ليست العبادة) لأن مشاكلنا هي نتيجة الابتعاد عن الله، وأنكم تقدمون حلولاً مؤقتةً، ولا تحلون المشكلة الأساسية، وحين أخبره بأن هذه الحلول ضروريةٌ فهي أشبه بحبوب العلاج، التي يجب أخذها يجيب قائلاً بأن حتى حبوب العلاج نحن لسنا بحاجةٍ لها، لو عرفنا الله كما ينبغي فكم من مريضٍ بالسرطان شفي برجوعه إلى الله.
هو يظن أن الأخذ بالأسباب ينسيك أو يقلل من اعتمادك على المسبب، وأن لا حاجة للتخطيط، لأننا نخطط ويحصل عكس ما نخطط له دائمًا، أي أن الدنيا "غدارة ملهاش أمان"، وهو مصيبٌ في هذه النقطة، هو يقول دائمًا: "كلما زاد الإيمان قل الأخذ بالأسباب"، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "عش في الدنيا كأنك غريب أوعابر سبيل"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "كان الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء"، وقول الرسول: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتعود بطانًا"، وقوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"، وقوله تعالى: "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا".
للعلم فهو كان في الثانوية من الأوائل وليس فاشلاً حتى يقال بأنه معقد.
أنا حائرٌ بشدة، ارجو التوضيح بحكم خبرتكم الواسعة.
السؤال
2003/03/26 التاريخ
قضايا وشبهات, ثقافة ومعارف الموضوع
الدكتور كمال المصري المستشار
الحل
يا أخي الحبيب عليّ،
ما أشبه الليلة بالبارحة.
منذ سنين طوال، ومع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، قدَّر الله تعالى لي أن ألتقي مجموعةً حملت نفس فكر صاحبك هذا، ومن قبيل التقدير كذلك أن كان أحدها طالبًا في كلية الهندسة، ثم تركها ليبيع "عرق السوس" في الشوارع !! بدعوى أن نكون في الدنيا كعابري السبيل.
ودار بيني وبينهم حديثٌ طويل، لا أكاد أذكر منه إلا أسئلةٍ ثلاثٍة أساسية:
السؤال الأول: مَن أعبد لله تعالى وأقرب لفهم الإسلام، نحن أم الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
السؤال الثاني: ما سنن الله تعالى في الكون التي قررها وأمرنا بالتزامها ؟
السؤال الثالث: لماذا نحمِّل ديننا تقصيرنا ؟
وبهذه الأسئلة الثلاثة سأجيبك عن حيرتك يا أخي الحبيب.
ولكن قبلها عليَّ أن أؤكد على أن جزءًا مما قاله صاحبك صحيح، وهو أن على المرء أن يشغل نفسه بالعبادة والقرب من الله تعالى، وأن يعمل للآخرة كي يجد ما يلقى به ربه تعالى حين يلقاه، هذا الكلام في مجمله صحيح، لأن الغاية النهائية هي الآخرة، لكنه في تفصيله يكون خطأً حين ندعي تحت زعم رغبة الآخرة أن على المرء في الدنيا أن يحيا كسولاً تنبلاً لا يفعل شيئًا ولا يخطط لشيء، إن هذا الكلام أشبه بمقولة الإمام عليٍّ رضي الله عنه: "كلمة حقٍّ أريد بها باطل".

أعود لأسئلتي الثلاثة:
السؤال الأول: مَن أعبد لله تعالى وأقرب لفهم الإسلام، نحن أم الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
إن من أغرب وأعجب ما يدهشني أن أجد أحدًا يدَّعي أنه يفهم الإسلام أفضل من فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ! .. لا يعجب أحدٌ من كلامي، فقد رأيت الكثيرين من المسلمين يفعلون ذلك بأيديهم دون أن تتلفظ بذلك ألسنتهم، ولو أمعن الجميع النظر حوله لوجد الكثيرين من أمثال هؤلاء.
من يعترض على كلامي فليجبني:
- ألم يأتِ قومٌ إلى رسول الله صلى الله عليه ويتقالُّوا عبادته كما ورد في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء ثلاث رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالُوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أتي لأخشاكم لله واتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني") رواه البخاري ومسلم.
ماذا يسمَّى هذا غير أنهم قد فهموا الإسلام أكثر من رسول الإسلام ؟
- كنت مرةً أتحدث مع أخٍ ملتزمٍ واختلفنا في حكم مسألةٍ فقهيةٍ، فقال: "لو أتيتني بنصٍّ صحيحٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فسأبقى أقول أنه حرام" !!
عندها كانت إجابتي: "هذا دين الله تعالى، إذا كنت تريد دينًا غير دين الله تعالى فأنت وما تشاء"، أليس هذا فهمًا من أخينا هذا للإسلام أفضل من فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم له؟
- من ينكر منطق الأخذ بالأسباب الذي أمرنا الله تعالى به، ونفذه بالفعل رسولنا صلى الله عليه وسلم، من ينكر ذلك ألا يكون قد فهم الدين أفضل من رسول هذا الدين، بل أفضل من الله تعالى، تعالى الله سبحانه عن ذلك علوًّا كبيرًا ؟!!

ما زال العَجَبُ في النفوس ؟! حسنًا .. اقرءوا معي قول الله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين".
قال الإمام القرطبي: (قال ابن عطية: إنما هو جهادٌ عامٌّ في دين الله وطلب مرضاته، وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون)
وقال الإمام القرطبي كذلك: (وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين؛ وقمع الظالمين؛ وعظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور).
أليست هذه النصوص تؤكد على الأخذ بالأسباب ؟ فما العمل، والجهاد، ونصر الدين، وقمع الظالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا مظاهر الأخذ بالأسباب لنيل هداية الله تعالى.
يقول الإمام ابن قدامة: (أن يكون الطعام بين يديك وأنت جائع، فلا تمد يدك إليه وتقول: أنا متوكل، وشرط التوكل ترك السعي، ومد اليد إلى الطعام سعي، وكذلك مضغه وابتلاعه، فهذا جنون محض، وليس من التوكل في شيء، فإنك إذا انتظرت أن يخلق الله فيك شبعًا دون أكل الطعام، أو يخلق في الطعام حركة إليك، أو يسخر ملَكًا ليمضغه ويوصله إلى معدتك، فقد جهلت سنة الله).
ثم قال رحمه الله تعالى: (ليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة للضرر، فلا يجوز النوم في الأرض المسبعة - أي التي فيها السباع من الحيوانات -، أو مجرى السيل، أو تحت الجدار الخرب، فكل ذلك منهيٌّ عنه).

ليس ما كتبت كافيًا؟؟ حسنًا، ما قولكم في:
- قول الله تعالى للمجاهدين: "وليأخذوا أسلحتهم" حين الصلاة ساعة مواجهة العدو - أو صلاة الخوف كما أسماها الفقهاء -: "وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم"..لمَ أمر الله تعالى المؤمنين وهو في قمة الاقتراب منه سبحانه حين يجاهدون في سبيله تعالى، والجهاد مقامه معروفٌ لدى الجميع، لمَ أمرهم الله تعالى أن يأخذوا أسلحتهم ؟ بل لمَ أمرهم بالصلاة بهذه الكيفية ؟؟ ألم يكن الله تعالى قادرًا على أن ينصر عباده دون حاجةٍ لهذه الاستعدادات أم أن الأمر أخذٌ واجبٌ بالأسباب حتى من قِبَل أقرب الناس إليه سبحانه: المجاهدين في سبيل الله تعالى ؟

- قصة السيدة مريم في سورة مريم، وهي امرأةٌ حاملٌ، وحيدةٌ، ضعيفةٌ، وزادها ضعفًا أنها ساعة المخاض أو الولادة بما في ذلك من آلامٍ كبيرة، وأكمل ضعفها أنا كانت يائسةٌ: "قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًّا"، ورغم كل هذا أمرها الله تعالى أن تأخذ بالأسباب كي يصل إليها الطعام، رغم كونه سبحانه غير محتاجٍ لهذه الأسباب، ورغم كونها أضعف من أن تهز فرع شجرةٍ لا جذع نخلةٍ: "وهزي إليك بجذع النخلة تُساقِط عليك رُطَبًا جنيًّا، فكلي واشربي وقرِّي عينًا".
هل لهذا معنى آخر غير الأخذ بالأسباب مهما كانت طاقة الإنسان ضعيفة ؟؟

- (عن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم) رواه البخاري.
أما كان رسول الله صلى عليه وسلم أولى الناس أن يجلس في بيته ويطعمه الله تعالى ويسقيه، لكنه لم يفعل ذلك ؟؟

- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله، أَعْقِلْها وأتوكل، أو أُطلِقْها وأتوكل ؟ قال: "اعقلها وتوكل") رواه الترمذي، وقال حديثٌ غريب، ورواه الطبرانيُّ بسندٍ جيد.
فالمرء كي يتوكل عليه أن يعقل الأمور ويأخذ بأسبابها.

- أخْذ رسول الله تعالى بالأسباب كاملةً في هجرته، ويوم بدرٍ، حتى لقد قال أبو بكرٍ لرسول الله صلى الله عليه يوم بدرٍ لمَّا رأى منه حسن الأخذ بالأسباب وحسن التوكل على الله تعالى: (يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك) رواه مسلم.
فليرجع كل امرئٍ فينا إلى السيرة وليقرأ هاتين الحادثتين: الهجرة، وغزوة بدر، ليرى كيف أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسباب قبل أن يتوكل على الله تعالى.

السؤال الثاني: ما سنة الله تعالى في الكون التي قررها وأمرنا بالتزامها ؟
إن سنن الكون والدنيا التي قررها ربنا سبحانه وأمرنا بالتزامها هي إعمار الأرض:
قال تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" أي خلقكم لعمارتها، وليس من عاقلٍ يقول أن عمارة الأرض تكون بالعبادة فقط، فكما أن العبادات وإقامتها في الأرض توجيه قرآني، كذلك فإن الرقي بالبلاد، وبلوغ أعلى مسالك العلم والتقدم هو أيضاً واجبٌ دينيٌّ، ومقصدٌ قرآنيٌّ.
وقال تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"، فقد أناب الله الإنسان في الأرض للتصرف فيها وعمارتها، والاستخلاف ينبع من مبدأ وحدانية الخالق فهو المالك الواهب الذي منح الإنسان أمانة الخلافة في الأرض، ورزقه من العقل والإرادة ما يمكنه من عمارتها واستغلال خيراتها، والإنسان فيها موكلٌ في التصرف حسب ما أمره الله به، وبما شرعه له، وليس كما يريد الإنسان لنفسه، وقد أوضحت الآية بجلاء أن الخليفة ليس هو من يُفسد في الأرض، وإنما هو من يعمِّرها، حين تساءلت الملائكة: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، فكان رد المولى جل شأنه: "إني أعلم ما لا تعلمون".
وكي يحقق الإنسان وظيفته كخليفةٍ في الأرض لابد أن يستوفي ثلاثة عناصر هي:
1- عمارة الأرض.
2- حماية هذه العمارة من الفساد والإفساد.
3- إصلاح ما قد يطرأ عليها من فساد.

1- عمارة الأرض:
قال تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" أي خلقكم لعمارتها.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقةٌ" رواه البخاري ومسلم.
قال الإمام ابن حجر: (وفي الحديث فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض).
وينطبق على هذا كل شيء، فأي إنجازٍ هو إعمار، وأي تعلُّمٍ هو إعمار، وأي اختراعٍ هو إعمار، كلُّ مسلمٍ يعمِّر في هذا الدنيا حسب مجاله وطريقته وطاقته، العالم بعلمه، والمخترع باختراعه، والعامل بإتقانه لعمله، وطالب العلم بزيادته من التعلم وحرصه على طلبه، وهكذا.

2- حماية هذه العمارة من الفساد والإفساد:
إن شكر نعم الله تعالى بحفظها وعدم إتلافها هو حمايةٌ لهذه العمارة، فقد نهى القرآن الكريم عن أيٍّ عملٍ يؤدي إلى الفساد في الأرض، فقال تعالى: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"، قال الإمام القرطبي: (أنه سبحانه نهى عن كلِّ فسادٍ قلَّ أو كثر بعد صلاحٍ قلَّ أو كثر، فهو على العموم على الصحيح من الأقوال، وقال الضحاك: معناه لا تعوروا الماء المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارًا).
ونهى الله تعالى عن الإفساد حين قال: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين".
كما نهى رسولنا صلى الله عليه وسلم المسلم من الإضرار بنفسه أو بغيره حين قال: "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد والطبراني، ورجاله ثقات، وقد اعتُبر هذا الحديث قاعدةً أساسيةً من القواعد التي قام عليها الإسلام.
والمسلم لا يُظهر في الأرض الفساد أبدًا، فهي عادة أهل الكفر كما أعلمنا الله تعالى في آياتٍ كثيرة، وكما أخبر سبحانه عن حال أممٍ كثيرةٍ:
- "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون".
- "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد".
- "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنفَوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ".
- "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين".
- "الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون".
- "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها".
- "فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيةٍ ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين".
- "وكان في المدينة تسعة رهطٍ يفسدون في الأرض ولا يصلحون".
- "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين".
- "وإلى مدين أخاهم شعيبًا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين". - "ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين".

3- إصلاح ما قد يطرأ عليها من فساد:
الإصلاح هو رسالة المسلم، قال تعالى: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما بتوفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".
وهو مستوى رفيعٌ للإيجابية، يتعدى السلبية ليصل إلى فعل الخير، والامتناع عن الفساد، ومنع الغير من الضرر والإفساد.
كما أن الإصلاح تأصيلٌ لانتماء المسلم لأمته، وللمسئولية نحوها.
وأبرز مثالٍ على هذا المفهوم هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" رواه البخاري.
بل إن إنكار الفساد ومحاربته مقياسٌ لإيمان المسلم، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم.
وفي هذا دعوةٌ لكل مسلم ألا يكون سلبيًّا تجاه أي خطر يهدد المجتمع.

إن عناصر خلافة العبد لله تعالى وإعمار الكون والحفاظ عليه، هي سنة الله تعالى التي أمرنا نحن المسلمين بتنفيذها، وأي إهمالٍ في ذلك ما هو إلا تقصيرٌ في حقِّ الله تعالى، والاهتمام الحقيقي بالدنيا، الاهتمام المنضبط الذي لا يُغرِق فيها، وإنما يحقق غاية الله تعالى فيها، هو الاهتمام الذي علينا الالتزام به، بعيدًا عن رهبنةٍ نخالف بها دين ربنا سبحانه، أو ماديةٍ تقتل فينا كل روحٍ أو قلب.

السؤال الثالث: لماذا نحمِّل ديننا تقصيرنا ؟
تقول يا أخي علي: (وحجته في الخوف من الدنيا هو أن التعمق فيها للدراسة مثلاً يؤدي للانغماس فيها مما يؤثر سلبًا على العبادة (وهو ما لاحظته أنا فحين أجلس للبرمجة مثلاً وأسمع الأذان أشعر ببعض الكسل لأداء الصلاة لأني أكون في ذروة التفكير والانغماس بالمشكلة والأمر نفسه عند الدراسة)).
ذكرني قولك هذا يا أخي الحبيب برجلٍ ركب سيارته ليذهب لموعد له، ولكنه لم يحركها إلا بعد أكثر من نصف ساعةٍ من ركوبها، فوصل متأخرًا عن موعده، ترى أتلام السيارة عن وصول صاحبها متأخرًا، أم الملام هو راكبها ؟
هذا تمامًا هو ما أجيب به عن حالتك وحالة صاحبك وحالة كل من يرى ذلك.
لماذا نحمِّل ديننا نتائج تقصيرنا، الكسل الذي يصيبنا ويمنعنا من الذهاب للصلاة في المسجد هو من فعل يدينا، ولا دخل للصلاة ولا للدنيا به، أم أننا نريد أن نعلق أخطاءنا على غيرنا ؟
إن سيرة سلفنا الصالح لتنبئك بالمزيد، فهم كانوا في أعمالهم، ولكنهم أهل الصف الأول في المسجد في الوقت ذاته، تخبرنا سيرتهم أن أحدهم كان يرفع مطرقته ليضرب بها الحديد، فيؤذَّن للصلاة فلا تنزل يده على الحديدة، بل يهمُّ مسرعًا ملبيًّا النداء، يكفينا البحث عن مبرراتٍ لتقصيراتنا، ولنقف أمام أنفسنا وقفة صدقٍ حقيقيةٍ، فلا أعمالنا تمنعنا عن ديننا، ولا العلم يبعدنا عن الله تعالى.
كل ما أتيقنه أن ربي سبحانه أخبرني أن العلم يوصل لخشيته جل شأنه: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، فكيف يتحول العلم إلى مانعٍ من الله تعالى ؟؟
نحن من تحوَّلنا لا ديننا، ولا دنيانا.

أخي عليّ،
بقي أخيرًا أن أجيب على الاستدلالات التي ذكرها صاحبك، حتى لا أدع مجالاً للشك أو الريبة:
- الاستدلال بقول الله تعالى: "فإذا فرغت فانصب".
ليس فيه أي دليل، فهو أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته بعده أن يلتزم المسلم بالصلاة ثم بالدعاء، بل وجدت من المفسرين من فسَّر الآية بغير الفراغ من الصلاة، قال الإمام الطبري - ونقل نحو ذلك الإمام القرطبي -: (إذا فرغت من الجهاد فانصب في عبادة الله "وإلى ربك فارغب").
أليس الجهاد هو أخذٌ بالأسباب ؟
- الاستدلال بقول الله تعالى: "ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب"، وبقول الله تعالى: "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى".
وهذا استدلالٌ خاطئٌ كذلك، فليس معنى الآية أن يجلس المرء في بيته ويرزقه الله تعالى، ولكن معناها تحري الحلال في الرزق، كما قال الإمام الزجاج في تعليقه على "ويرزقه من حيث لا يحتسب": (أي إذا اتقى وآثر الحلال والتصبر على أهله، فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة ورزقه من حيث لا يحتسب).
وكما قال الإمام القرطبي في تعليقه على "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا": (والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر وهو العمل بالأسباب الدنيوية من الحرث والتجارة في الأسواق والعمارة للأموال وغرس الثمار، وقد كانت الصحابة تفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم).
وأظن ما نقلته آنفًا من قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمل ببيع نخل بني النضير لكسب قوت أهله يؤكد هذا المعنى.
- الاستدلال بحديث: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" البخاري
ليس فيه دلالة إلا على ضرورة ألا يجعل الإنسان الدنيا أكبر همه، وقد نقل ابن حجر في معنى الحديث: (هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا والزهد فيها والاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة)
والبلغة (أي ما يبلغ بك) لا تأتي إلا بالطريق الذي أخبرنا الله تعالى به، وهو الأخذ بالأسباب كما بينتُ آنفًا.
- الاستدلال بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، طوبى للغرباء" رواه مسلم، لم أفهم الحقيقة وجه الدلالة فيه على ترك الأخذ بالأسباب.
- الاستدلال بحديث: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا - أي جائعة - وتروح بطانًا - أي شَبِعة" رواه أحمد والترمذي بسندٍ صحيح.
هذا الحديث يؤيد ما نقول بوجوب الأخذ بالأسباب، فقد نصَّ على قيام الطير بالعمل عبر الغدو والرواح، ولو لم تفعل ذلك لما رزقها الله تعالى.
قال الإمام القرطبي: (فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق).
وقال الإمام ابن حجر: (والمراد بالتوكل اعتقاد ما دلت عليه هذه الآية "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها"، وليس المراد به ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين، لأن ذلك قد يجر إلى ضد ما يراه من التوكل.
وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي" وقال: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانا" فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يتجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم).
- الاستدلال بقول الله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"
الحياة كلها خُلِقت كي يعبد الناسُ اللهَ تعالى، ومن قال أن إعمار الدنيا ليس من عبادة الله تعالى؟

لا أقول بالركون للدنيا، ولكنني أطلب التوازن، ولنعلم أن قانون الله تعالى الذي يسيِّر به الأمور هو: "إنَّ الله لا يُغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم"، وأنَّ هداية السبيل والإحسان لا تأتي إلا لمن جاهد في الله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين"، وهذا منهج الله تعالى الذي أمرنا بالتزامه، وسار عليه المسلمون إلى اليوم، فهو ليس منهج الأخ "عمرو خالد"، وإنما هو منهج قديمٌ متَّبَعٌ.

ألا هل بلغت اللهم فاشهد.. أنتظر أن أسمع منك يا عليُّ.

نشكر مستشارنا الكريم على نصيحته وكلماته المضيئة، وفي وقتننا هذا يجب أن نسأل: هل نترك أمتنا نهبًا لقوى البغي والعدوان ؟ هل نذهب للتعبد ونترك أرضنا وأعراضنا وأطفالنا تستباح من القاصي والداني ؟ هل نسجد ونترك سيف أعداء الله فوق رؤوسنا يهوي ؟ ومنذ متى يا أخي كان الضعف والجهل من أمر الله أو من سنة رسول الله ؟
أخي الفاضل لاتنخدع بمظاهر الإيمان ولو رأيته يطير في الهواء أو يسير على الماء، وكن على غرس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكن على تواصل معنا. المحرر

استشارات ذوات صلة:
- تناقص الإيمانيات.. إلى الإيمان من جديد
- في التقوى.. والتوكل.. والصبر.. وإجابة الدعاء
- برنامج عملي لتطوير الإيمان.. المهمات التسع.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث