English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
ام عبد الرحمن   - الإمارات العربية المتحدة الاسم
الوالد، المجتمع، الجامعة .. الهروب إلى المدينة !! العنوان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
جزاكم الله خيرًا.. لقد كنت في أمس الحاجة إلى مكانٍ كهذا المكان المبارَك حتى أتكلَّم وأحكي ما أواجهه الآن وأنا متيقِّنةٌ من أنَّ الكثير من الجيل الصاعد من أُمَّة حبيبنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يواجهه.
أوَّلاً لديَّ أمنيةٌ صغيرةٌ وهي أن أهاجر هجرةً تامَّةً وإلى باقي حياتي إلى المدينة المنوَّرة، وأعيش إلى جانب النبيّ محمّدٍ وصحابته وآله المباركين.. فهلا أوصيتموني إن كان هناك دعاءٌ يبلِّغني لأمنيتي؟ بصراحةٍ لقد اخترت طريقي وهو الهجرة في سبيل الله تعالى إلى المدينة في زمنٍ هجراته إلى أوروبا الفاسدة.
أرجو منكم أن تتركوا المجال لجميع روَّاد هذه الصفحة في أن يقرءوا ما سأقوله الآن، ولكم جزيل الشكر.
منذ أن تعدَّيت الـ17 من عمري وأنا أواجه الفسق والفساد الذي يتكالب عليَّ كما تتكالب الكلاب على أكلها.. تشبيهٌ بشعٌ ولكنَّه مناسبٌ وأقرب إلى الحقيقة، فابتداءً بأبي الذي لا أدري كيف يمكنني أن أقول إنَّه أبي، وكلّ ما حولي فاسقٌ وفاسدٌ ومتهتِّك.. لقد تربَّيت على مبادئ سليمةٍ وشريفةٍ، ولكن الآن الكلُّ يحاول أن يجعلها عوجاء، وهذا ليس من الفطرة التي فطرنا عليها ربُّنا الكريم، وما أرشدنا إليه رسولنا الحبيب.
المنطقة التي أعيش فيها وكلّ شيءٍ هنا هو طبق الأصل عن أوروبا، شيءٌ يؤلم نفسي حقّا، أنا أكره أن أعيش في بيئةٍ أوروبيَّةٍ فاسدةٍ من الداخل والخارج، أريد أن أعيش كما عاش النبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم في بيئةٍ طاهرةٍ نقيَّةٍ صافية.. خاليةٍ من المفاسد والتي تتركَّز على الجسد في الأساس وتخريب كلِّ فكرةٍ زرعها في قلب وعقل المسلم نبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.
أنا لست راضيةً عن نفسي أبدًا، عندما أخرج ألبس البنطلون والبلوزة وقبعة وأحيانًا الحجاب، ولكنَّني لم أحبّ ذلك، فأين الحريَّة التي يقولون إنَّها جميلةٌ عندما تلبسين هذه الملابس؟ إنَّها خادعةٌ وكاذبةٌ، ليست هناك أيَّة حريَّةٍ، كان المعظم يعتقد أنِّي كافرة والعياذ بالله، وهذا ما جعلني في بداية غضبي من نفسي.. أخواتي - وإلى الآن - مازلن يلبسن هذا اللباس، ومازلت مصرةٌ على ارتدائهن الحجاب والعباءة.
ثانيًا: أبي، إنَّه مصيبةٌ عظيمةٌ عليّ.. ليس أنا فقط، بل كلّ من عرفه، أتدرون لماذا ؟ لأنَّه أحلَّ ما حرَّمه الله، ويحاول أن يحرِّم ما أحلَّه الله، إنَّه يُحلُّ كلَّ شيء، ويحبُّ المسيحيَّة جدّا جدّا، لدرجة أنِّي رأيت أمِّي تبكي وهي تقول: لماذا هو مسلم؟ ولماذا ينافق هكذا؟ لماذا لا يدخل في الكفر ويتركنا نرتاح ونعيش حياتنا دون إذلالٍ ومهانةٍ كما يفعل هو؟ إنَّه يُدان من البنوك، وعندما نسأله لماذا؟ يقول: الكلُّ يفعل ذلك، وليس هذا وحسب، بل يحبُّ أيضًا ترك ديونٍ صغيرةٍ في كلِّ مكان، وأيّا كان، ولو كان دكَّانًا بسيطًا، ويحبُّ أن يتكلَّم عن ماضيه، وأكثر شيءٍ عندما كان يشرب الخمر والعياذ بالله. أمِّي أمرتنا إن بدأ يتكلَّم عن ذلك فعلينا الخروج جميعًا من الحجرة والاتجاه إلى أيِّ شيءٍ يشغلنا.
أيضًا يحلُّ الأفلام غير السوية، وجاءت فترة ملأ فيها الكمبيوتر الخاصّ بي أنا وإخوتي بموادّ إباحيَّة من مواقع وفيديوهات وأشياء جعلتني في أوَّل يومٍ لي رأيتها - ولم أكن أعلم مضمونها - أبكي وأرتجف من شدَّة البكاء، ولكن أمِّي - الله يطوِّل بعمرها - تفهَّمتني، ولكنَّها لم تسكت له وجعلت ذلك اليوم يومًا عاصفًا، كان يصرخ هو ويصرخ ويدافع عن موقفه.. بالله عليكم كيف يكون له وجهٌ حتى يدافع عن موقفه؟ ليس له أدنى حقٍّ في ذلك.
أيضًا فإنَّه داخل البيت دائم الصراخ والشكوى والتلفُّظ بكلماتٍ بذيئةٍ جدّا جدّا، لا يمكن لأحدٍ أن يتلفظها أمام أولاده، ويدعو على أمِّنا بالشرِّ دومًا وبدون سبب.. إنَّه فقط حربٌ نفسيَّةٌ كما قالها بنفسه ذات يوم، وقال: إنَّه لن يتركنا نعيش بسلام.. حتى القرآن فإنَّه يحاول أن يسكت المذياع أو إذا سمع أمِّي ترتِّل القرآن أسكتها وأعطاها كمّا من الشغل حتى تنفِّذه، المهمُّ أنَّها لا تقرأ القرآن، لذا فعندما أقرأ القرآن أقرؤه بصوتٍ منخفض، وعندما أُصلِّي أقفل الباب.
إنِّي أشعر بأنَّنا في يد كافرٍ وليس أبًا، وأنَّه ليس مسلمًا كما يدَّعي، فإن كان مسلمًا لما تطاولت يده على أمِّي، ولما تطاول لسانه على أئمَّة المسلمين، ولما تطاول على النبيِّ محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، ولا على عمر وأبي بكر وعلي وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم.. إنَّه جمرةٌ على قلوبنا جميعًا.. بسبب ما تركه من موادّ فاسدةٍ على الكمبيوتر - والتي كانت في معظم الأحيان تظهر لنا فجأة - أصبحت الآن أعاني من العادة السريَّة التي أخذت تعذِّبني ببطءٍ، أنا أعاني منها منذ سنة، ما عندي غير الدعاء إلى ربِّي أن يشفيني، هو الذي ابتلاني وهو الذي سيشفيني إن شاء الله.
أنا الآن في التاسعة عشرة من عمري، ودخلت بتوفيقٍ من الله جامعةً متميِّزة، صُدِمت بالفعل لما وجدته من ضلالٍ وأغانٍ وحبّ الفسق وكلّ فاسد، وكثرة الغربيين فيها جعل ذلك كلّه منِّي قطعةً من الظلام، لأنَّ كلَّ ما فيها - وقد كنت أتوقَّع خيرًا - جاء مطابقًا لأخلاقيَّات أبي الفاسدة جدّا.
وما يزيد الطين بلّة ما يحدث من أحداثٍ سياسيَّة نحن المسلمين أذلَّة فيها من دون أيِّ وسيلةٍ للدفاع عن أنفسنا، هذا يسبِّب ضغطًا نفسيّا لي، أمَّا في الجامعة فإنَّهم ينظرون إلى مَن تتحجَّب وتلبس العباءة على أنَّها إنسانةٌ غير طبيعيَّة، كأنَّها تريد الانتحار، وأنَّها محرومةٌ من كلِّ شيء، وتُعامَل كحيوانةٍ وينظرون إليها نظرةً إرهابيَّة، وأقصد هذه الكلمة بكلِّ معانيها.. أهذه إذن جامعةٌ أم ماذا وراءها؟ إن كان كلُّ مَن فيها يدعو إلى الفسق والخروج عن دين الله؟.
أتمنَّى من الله وحده أن يساعدني في الهجرة إلى مدينة رسول الله.. آمين.
لا تتوقَّعوا أنَّ الحضارة الأوروبيَّة حضارة، إنَّ حضارتنا نحن المسلمين في قرآننا وسُنَّتنا فقط لا غير، وما حولي هو خارج هذين الدستورين العظيمين، لذا فإنَّ أمنيَّتي هي أن أهاجر تمامًا إلى المدينة المنورة، وأكمل باقي حياتي هناك، لعلَّ الله أن يعوِّضني بزوجٍ صالحٍ وذريَّةٍ صالحةٍ أجعلها جزءًا من أمَّة نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
نصيحةٌ أخيرة؛ أتمنَّى من كلِّ من يقرأها أن يتمسَّك بقناة "اقرأ"، إنَّها حقّا منبرٌ ارتفع ينادي فوق أنقاض البشر الفاسدين، يدعو نداؤها إلى الصلاح.
بارك الله فيهم وبارك الله فيكم.
أتمنَّى من كلِّ أبٍ وأمٍّ أن يستفيد ممَّا قلته، وإن كان هناك حلٌّ ساعدوني به فسيكون مفيدًا لي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السؤال
2003/02/18 التاريخ
العائلة الموضوع
فريق الاستشارات الدعوية المستشار
الحل
تقول الدكتورة ليلى أحمد، رئيسة تحرير مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق – جدة، والمستشارة بصفحة مشاكل وحلول بالموقع:
حبيبتي الغالية؛
لا أخفيك أنَّني لم أستطع منع الدموع من أن تترقرق في عينيّ وأنا أقرأ رسالتك المملوءة بالصرخات المستغيثة والمشحونة بالآلام الصادقة، فأقول لك: خفِّفي عن نفسك يا ابنتي، فلم يُكلِّفنا الله أن نتحمَّل فوق طاقاتنا وهو أرحم بنا من أنفسنا وهو العليم الغفور.
في الحقيقة يجب أن أعيد ترتيب أفكارك التي خلخلها عذابك النفسيّ ومعاناتك الحقيقيَّة، كي يسهل عليّ وعليك الوصول إلى الحلِّ الأنسب لما أنت فيه.
وأبدأ معك من بداية رسالتك، فاختيارك للهجرة لمدينة الرسول عليه الصلاة والسلام في زمنٍ يهاجر الناس فيه لأوروبا، لا أستطيع إلا أن أقول إنَّه نِعم الاختيار ولا شكّ، وليس أجمل من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يقول: (اللهمَّ إنِّي أسألك شهادةً في سبيلك وميتةً في بلد رسولك)، وقد حقَّق الله له الأمنيتين في الوقت نفسه، ولكنَّه لم يمت في ميدان المعركة وإنَّما قُتِل عندما طعنه أحد موالي الفرس المُكنَّى بأبي لؤلؤة وهو يصلِّي بالناس، ومع ذلك نال عمر ثواب الشهادة في سبيل الله؛ لأنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام بشَّره بالشهادة عندما كان جالسًا معه على جبل أُحُدٍ وبجانبه أبو بكر وعثمان بن عفان، فرجف جبل أحدٍ تحتهم فقال عليه الصلاة والسلام: (اثبت أُحُد فإنَّما عليك نبي وصدِّيق وشهيدان) رواه البخاري.
والسؤال: كيف نال عمر ثواب الشهداء مع أنَّه لم يمت في غزوةٍ أو موقعةٍ أو معركة ؟ وكيف ننال نحن ثواب الشهداء دون أن نجاهد في معركة؟.
جواب السؤال السابق هو أنَّ الشهادة نوعان: موتٌ في سبيل الله، وحياةٌ في سبيل الله، فديننا يا ابنتي يدعونا إلى حبِّ الحياة في سبيل الله، كما يدعونا إلى حبِّ الموت في سبيل الله، إذ إنَّ كلاً من الحياة والموت شهادة في سبيل الله، فالأولى شهادة على الناس عندما نرفع رءوسنا عاليةً بعزِّ الإسلام: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا)، فهي شهادة الأحياء الذين لهم قدم صدقٍ عند ربِّهم، وأمَّا الأخرى فهي حياة الشهداء الذين قال الله عنهم: (ولا تحسبن الذين قُتِلوا في سبيل الله أموات بل أحياءٌ عند ربِّهم يرزقون).

والسؤال الآن: كيف تحوِّلين حياتك التي تملأ نفسك بالسخط إلى حياةٍ في سبيل الله؟.
يجب أن تبدئي من نفسك، فتصلحيها قبل أن تحاولي دعوة غيرك، فأنت تجدين أنَّك أفضل من العصاة المذنبين، سواء والدك أو زملائك وزميلاتك في الجامعة أو أخواتك في البيت، وقد تكونين أفضل حقًّا ولكن المسلم يا ابنتي لا يرى فضلاً لنفسه على أحد بل يتذكَّر أنَّه لولا رحمة الله لكنَّا جميعًا في قبضة الشيطان الرجيم الذي آلى على نفسه وتحدَّى ربَّه كما في القرآن الكريم: (قال فبعزَّتك لأغوينَّهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين)، لذلك فما يجب علينا نحن الطائعين أن نواجه تحدِّي إبليس الرجيم بتحدّ أكبر منه، فنحاول أن نقي أنفسنا نار الجحيم ونقي أهلنا منها ثمَّ الأقرب فالأقرب، فلا نهرب ولا نتخلَّى عن المعركة بمجرَّد أن تعترضنا العقبة، فالحياة عقبات وعقبات وتحتاج منَّا نَفَسًا طويلاً وإرادةً حديديَّةً وعزيمةً مضاء، وإلا فإنِّي أتمنَّى مثلك أن أهاجر إلى المدينة وأعتكف في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وإخوتي في الاستشارات الدعوية يرغبون بهذا، لأنَّه أسهل لنا ومحبَّبٌ إلى أنفسنا، فأن يصلح المرء نفسه فقط أسهل بكثير من أن يصلح أسرته، وأن يقاوم شهوات نفسه أخف من أن يقاوم إغراءات مجتمعه، فما رأيك لو اعتزلنا جميعا ؟! فمن سيبقى في هذا المكان الذي تصفينه بأنَّه مبارك ؟ ومن سيبقى في مكانك أنت والذي يمكنك أن تجعليه مباركًا أيضًا؟.

تسألين: كيف أجعله مباركًا وأبي لا يتركني في حالي، وجامعتي تمور بالآثام، ومجتمعي كالمجتمع الأوربي؟.
والجواب: كوني أنت مباركةً فيتبارك بك المكان الذي تحلِّين فيه، نعم.. عليك أن تعتزلي مجتمعك فترةً بسيطةً تؤوين فيها إلى نبع رحمات ربِّك الفيَّاضة فتقومين بأداء عباداتك الفرائض وخاصة صلاة الفجر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلَّى صلاة الصبح فهو في ذمَّة الله، فلا يطلبنَّكم الله من ذمَّته بشيء، فإنَّه من يطلبه من ذمَّته بشيءٍ يدركه، ثمَّ يكبُّه على وجهه في نار جهنَّم) رواه مسلم، ثمَّ النوافل، وتتزوَّدي من قيام الليل والناس نيام، وتتضرَّعي لله سبحانه في السحر أن يثبِّتك على إيمانك، ويبدلك من عسرك يسرًا، ويقرّ عينيك بهداية والدك وإصلاح أحوال مجتمعك، وهذه الفترة قد تكون عدَّة أيَّام أو ساعات حسب ما يتناسب مع برنامجك الدراسي، وحاولي اكتساب الخير بالعبادة والتسلُّح بالإيمان الذي يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي فابتعدي عن كلِّ أنواع المعصية، وأوّلها هذه العادة السريَّة التي ابتليتِ بها، وتذكَّري قول أحد العارفين بالله: "من كرمت عليه نفسه لم يهنها بالمعصية"، فإذا أردت أن تكوني كريمةً مباركةً فضعي نفسك حيث تريدين، ويعينك أن تتذكَّري هذه الكلمات فتقوليها في سرِّك دائمًا: "الله ناظري، الله شاهدي، الله معي"، فإذا كنت مع الله على نفسك كان الله معك على غيرك.

وأذكر لك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) أخرجه النسائي بسند صحيح، وأكرِّر: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
هذه العزلة أنصحك بها لأنَّني أشعر أنَّك مضطربة جدّا، فكتابتك تدلُّ على ذلك، والإنسان المضطرب لا يستطيع أن يخطو أيَّ خطوةٍ في أيِّ ميدانٍ جهاديّ، لذلك يجب عليك التزوُّد بالتقوى التي تمنحك قوَّةً وعزَّةً تستطيعين معها أن تقفي في وجه كلِّ طاغيةٍ أبًا كان أو مجتمعًا أو غيره، وقد قيل: "ثبات البيان من ثبات الجنان"، فكوني مُتَّصلةً بالله سبحانه كي يثبِّت جنانك فيحسن بيانك، وإذا اصطلحت مع الله بالبعد عن معصيته والعمل بطاعته، ستجدين أنَّك تصطلحين مع نفسك، ومن ثَمَّ يسهل اصطلاحك مع مَن حولك.

والدك لا تعارضيه ولا تقربيه، وإذا أمرك بأمر فأطيعيه ما لم يكن في معصية الله، ولا بأس أن تقرئي القرآن أو تصلي دون أن يعلم، وعندما تجدين أنَّ إيمانك قد قوي للدرجة التي تشعرين أنَّك أُمَّة وحدك فيمكنك أن تقتربي منه وتُرغبينه بطاعة الله بتذكيره بنعم الله عليه، والدعوة تحتاج لحكمةٍ وتبصُّرٍ شديدين، خاصَّةً مع من هو كأبيك لا يُحلُّ حلالاً ولا يُحرِّم حرامًا، فاصبري ولا تتخلِّي عن الدعاء وهو أقوى أسلحة المؤمن، وتذكَّري قول الله تعالى: (ومَن يتَّقِ الله يجعل له مخرجًا . ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه إنَّ الله بالغ أمره قد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا).

يساعدك يا ابنتي في الخروج من الجوِّ الذي أنت فيه أن تبحثي لنفسك عن صحبةٍ صالحة، ولابدَّ أنَّك تجدين ذلك في الجامعة، فلا يعقل أن تكوني المحجَّبة الوحيدة في الكليَّة، فقد رأيت في بلدك الكاسيات العاريات اللاتي يؤذي منظرهنّ النساء قبل الرجال، كما رأيت المحجَّبات المثقَّفات العالمات، فاعملي أن تصبحي واحدةً منهنَّ خاصَّةً أنَّك تدرسين في جامعةٍ ممتازة، فإيَّاك أن تفوِّتي هذه الفرصة من يدك، بل اطلبي من ربِّك الثبات واعملي على أن تكوني من المتفوِّقات فيها، وبذلك تدافعين عن الإسلام بحق، عندما تبرهنين لمن حولك أنَّك لست إرهابيَّةً إنَّما أنت مسلمةٌ تدرك أنَّ دينها دين الحضارة التي تقوم على ثلاثة أسس: الإيمان والعلم والعمل، وتعلم أنَّ الذلَّ لن يتخلَّى عن أُمَّتها إلاَّ عندما تشعل هذه الأمَّة منارتها بوقود الإيمان والعلم والعمل، فكوني شهيدةً على غيرك بإيمانك وتطبيقك لتعاليم دينك دون أن تتخلِّي عن العلم الذي هو من ضرورات العصر، فأُمَّتنا بحاجة إلى طاقة كلِّ فرد، كلٌّ حسب ما وهبه الله من إمكانيَّاتٍ وما يسَّر له من ظروف، فاستغلِّي إمكانيَّاتك واستعلي على ظروفك السيِّئة واستفيدي من ظروفك الحسنة.

وبما أنَّ مشكلتك أكثرها في البيت، فأذكِّرك أن تعاملي والدك معاملةً حسنةً ولا تتدخَّلي في الخلافات بينه وبين والدتك كي تبقى نفسك هادئة، إذ أنَّ من المفروض على والدتك بما أنَّها تعاني مثلكم أن تبعدكم عن جوِّ المعاناة هذه فلا تشعركم بأخطاء والدكم، حتى لا تهتزَّ صورته في أعينكم، وأعتقد أنَّه كان من الواجب عليها أن تستر عليه معاصيه وتنصحه بينها وبينه دون أن تحملكم فوق قدراتكم، فالابن والابنة يأخذان انطباعهما عن نفسيهما من انطباعاتهما عن الوالدين، وقد يحمل الولد أو البنت ذنب الأب في اللاشعور ممَّا يؤدِّي إلى أزماتٍ نفسيَّةٍ يصعب التخلُّص منها، وأنا أقول لك هذا الكلام لأنَّني أريدك أن تخرجي من هذه المعمعة بأكبر قدرٍ ممكنٍ من السلام النفسي.

وهنا يخطر لي سؤال: لماذا لم تلجأ والدتك إلى أحد الأقرباء الحكماء ليساعدوها على تغيير والدك أو نصحه أن يكف عنها وعنكم على الأقل ؟
وإذا لم تفعل هذا، فأرجو أن تنصحيها بذلك دون أن تكوني أنت من يشكو لأحدٍ من الأقارب، بل أريدك يا ابنتي أن تتعلَّمي درسًا من الصبر في هذه المحنة، فالحياة لا تأتينا كما نهوى ونتمنَّى، وتذكَّري أنَّ إبراهيم عليه السلام كان والده لا يعبد الأصنام فقط، بل كان يصنعها ويبيعها للناس، ومع ذلك فقد جادل أباه بالتي هي أحسن وتلطَّف له بالقول، ورغم أنَّ أباه هدَّده بالطرد فلم يكن من إبراهيم عليه السلام إلاَّ أن أجاب أباه بكامل الأدب والرحمة، واقرئي هذه الآيات البليغة: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنَّه كان صديقًا نبيّا . إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا . يا أبت إنِّي قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتَّبعني أهدك صراطًا سويّا . يا أبت لا تعبد الشيطان إنَّ الشيطان كان للرحمن عصيّا . يا أبت إنِّي أخاف أن يمسَّك عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان وليّا . قال أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنَّك واهجرني مليّا . قال سلامٌ عليك سأستغفر لك ربِّي إنَّه كان بي حفيّا . وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربِّي عسى ألا أكون بدعاء ربِّي شقيّا)، ولابدَّ أنَّك لاحظت كيف يبدأ إبراهيم عليه السلام خطابه لأبيه بكلمة "يا أبت" في كلِّ مرَّةٍ ولا يقول له: أنت عاصٍ مذنبٌ مباشرة، بل يجعل طريقه إلى دعوة أبيه مفروشًا بورود الرحمة والأدب، معبَّدًا بكلمات المحبَّة والحكمة، ثمَّ تأتي قوله: "وأعتزلكم"، لكنَّها فترةٌ معيَّنةٌ يحتاجها الداعية، وليست اعتزالاً دائمًا، وهو ما نصحتك به ريثما يقوى إيمانك، وتذكَّري أن تضعي لنفسك برنامجًا يقرِّبك من الله سبحانه ولعلَّه يساعدك ردي في صفحة مشاكل وحلول على مشكلتيْ:
- أخشى من حبي للشهوات
- حائرات.. بين نار الرغبة وتأنيب الضمير

إضافة للروابط في آخر الصفحة التي تساعدك في تقوية إيمانك والتعامل مع مجتمعك، ومنها ردي على :
- سأترك الجامعة وأرتدي النقاب.. هل يصح ؟!

وردِّي الأخير هذا قد يكون مناسبًا لك، خاصَّةً وأنَّني لم أفهم إذا كنت ملتزمةً بالعباءة أم أنت تكتفين بغطاء الرأس مع البنطال والقميص، وكأنِّي بك ترغبين أن ترتدي العباءة ولكنَّك خائفةٌ من كلام الناس حولك، فأبيِّن لك أنَّ اللباس المفروض على المسلمة ليس ضروريًّا أن يكون سوادًا أو قناعًا، وإنَّما يجب أن يكون ساترًا سابغًا غير مُظهرٍ لمفاتن الجسد، فإذا كنت تعلمين أنَّ ارتدائك للبنطال يقلِّل رفض من حولك لك، فلا عليك أن ترتديه مع قميص طويل يغطي الفخذين، ريثما يصبح باطنك خيرًا من ظاهرك وسرُّك خيرًا من علانيتك، ولا يكون كذلك إلاَّ بالمداومة على الطاعة والابتعاد عن المعصية، يقول تعالى: (وتزوَّدوا فإنَّ خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب).

لا تنسي ما ذكرته لك بأنَّ الدعاء من أقوى الأسلحة، فالجئي إلى الله سبحانه، وهو القائل: (وإذا سألك عبادي عنِّي فإنِّي قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلَّهم يرشدون).
أرجو أن يصلنا شيءٌ منك يطمئننا عنك، وتأكَّدي أنَّنا هنا أسرتك الثانية التي تفرح لفرحك وتحزن لحزنك.
والسلام عليك.

استشارات ذوات صلة:
- في زمن الفتن .. ننعزل أم نلتزم ؟؟ مشاركة
- عناء المسير إلى الله تعالى: لنكن طمَّاعين
- استمنائي وتفريطي.. ما زلتَ قادرًا
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث