يقول د.محمد منصور:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
في البداية أود أن أشكرك على حبك لإسلامك وحرصك عليه.
أخي الكريم عمر، أمر طيب له ثوابه العظيم أن تضع خطة لما يمكن توصيله للناس في الأمور السياسية من خلال خطب الجمعة، فلقد علمنا الإسلام التخطيط في كل شيء، أخذًا بالأسباب لنجاح العمل.
لكن قبل البدء في الحديث عن المنهج الذي من الممكن أن يُتَّبَع، عليك بالانتباه للآتي:
1- أن الجمعة يحضرها عامة الناس على اختلاف عقولهم وظروفهم وبيئاتهم، كما أن وقتها محدود، فلا بد أن يكون الخطاب فيها بسيطًا وواضحًا ومختصرًا ومفيدًا، لا مُعَقَّدًا غامضًا مطولاً مشتتًا.
2- أن السياسة في الإسلام لا تعني فقط الحديث عن تصرفات المسئولين والحكام ومواقفهم، وإنما معناها أشمل من ذلك، إنها تعني أن تسوس الناس وتدير كل شئون حياتهم بنظام الإسلام، لتأخذ بأيديهم إلى حسن إعمار الدنيا، كما طلب منهم ذلك ربهم، فيسعدون فيها ثم يسعدون بالثواب العظيم الذي ينتظرهم في الآخرة.
وبناء على هذا الفهم الأوسع للسياسة، فإن تفهيم الناس نظم الإسلام الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والعلمية والتجارية والصحية والرياضية والفنية وغيرها هو من السياسة؛ لأنه لا يمكن إدارة أفراد وسياستهم بنظام لا يفهمونه أو لا يحبونه، وإلا انقلبوا عليه يومًا ما، فيتعسون في الدنيا ثم في الآخرة.
وتربيتهم على التمسك بأخلاق الإسلام - كالصدق والأمانة والعدل والتعاون وغيرها - من السياسة؛ لأنه لا يمكن إحسان إدارة أفراد بينهم غش وخداع وأنانية وحقد وظلم وغيره، إنهم بهذه الصفات ستصعب أو ستستحيل قيادتهم.
وحثهم على التخصص في مجالات الحياة المختلفة، وتدربيهم على كيفية إدارة مؤسساتها بأسلوب الإسلام، أيضًا من السياسة؛ لأن كل مسئول في موقعه ما هو إلا جزء من نظام الحكم.
وإرشادهم لأساليب الفساد ليجتنبوها هو جزء هام من السياسة، من أجل حفظ حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم، الأمر الذي سيؤدي إلى دولة إسلامية آمنة مستقرة، وهكذا.
فعليك - أخي الكريم - عند وضع منهجك أن تراعي اشتماله على جوانب الفهم والأخلاق والتربية والإدارة ومحاربة الفساد وما شابه ذلك، فإن هذا سيمهد لك الطريق تمهيدًا جيدًا عند حديثك معهم عن أية قضية سياسية بعينها ستحيط بهم.
3- أن منبر الجمعة - رغم أهميته ومكانته - لم يعد هو المنبر الوحيد لتوصيل دعوة الإسلام للناس، وزيادة وعيهم بحقوقهم وواجباتهم، كما كان في السابق أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه وصحابته الكرام، بل من فضل الله على الإسلام والمسلمين أن لديهم الآن وسائل يومية أسرع وأقوى تأثيرًا في الدعوة إلى الله، كالإنترنت والفضائيات وما سيستجد.
فعليك - أخي الكريم - عند وضع خطتك أن تراعي وعي الناس وتفتُّحهم الذي تطور سريعًا في السنوات الأخيرة، وأن تراعي أيضًا أنه في بعض الأماكن وفي بعض الأوقات قد تشتد القيود على خطبة الجمعة، لأهميتها في توجيه الرأي العام، فقل فيها ما استطعت على حسب ظروفك وإمكاناتك، واتق الله فيها ما استطعت، واعلم أنه سبحانه يعلمها، ويعلم السر وأخفى، وسيحاسبك عليها يوم القيامة.
أما ما لا يمكنك قوله، فقله أنت أو توصي غيرك بقوله، من خلال وسائل الاتصال الحديثة الأخرى.
أخي الكريم، عند وضع منهجك عليك أولاً أن تحدد تحديدًا دقيقًا هدفك العام منه، حتى لا تنحرف عنه مع الوقت دون أن تشعر، ثم تحدد تحديدًا دقيقًا أيضًا أهدافك الجزئية المرحلية، وفي أية مدة زمنية يمكن تحقيقها، ثم وسائل تحقيقها، حسبما يتفق مع واقع الناس الذين تخاطبهم، وظروفهم العقلية والثقافية والمالية والاجتماعية وغيرها، ثم تضع الدلائل والمقاييس التي ستدل على أنها قد تحققت، ثم التقييم بعد انتهاء الفترة الزمنية المحددة، ومعرفة الإيجابيات لتنميتها، والسلبيات لعلاجها وتلافيها مستقبلاً.
فمثلاً: هدفك العام من المنهج تغيير الناس نحو الإسلام ومواظبتهم عليه دون انحراف، وأن يظلل دولتهم وكل أرضهم نظام الإسلام وحكمه.
وأهدافك الجزئية هي تربية فرد مسلم، ثم تكوين أسرة مسلمة والتي بمجموعها سيتكون المجتمع المسلم، ثم إعداد كوادر إسلامية متخصصة لتدير كل مؤسسات الدولة بالإسلام، والتي منها ستخرج الحكومة الإسلامية، والتي بتجمعها مع غيرها من الحكومات الإسلامية حولها سيتكون وطن إسلامي له إدارته الممثلة في الخلافة والخليفة.
ولذا يمكنك إما أن تجعل مثلاً خطب الشهر الأول من الخطة للأخلاق، والشهر الثاني لأنظمة الإسلام، والشهر الثالث للإدارة، والرابع لمحاربة الفساد، وهكذا.
ثم تدور الدورة، مع الاهتمام بالمستجدات من الأحداث وعدم إغفالها، سواء كانت أحداثًا عن الفن أو الرياضة أو التعليم أو الصحة أو التموين أو البيئة أو الجرائم أو البطالة أو الأسعار أو القوانين أو ما شابه ذلك؛ لأن الإسلام نظام شامل دائم، ييسر كل الحياة بكل متغيراتها.
ويا حبذا لو أمكن إنشاء جمعية خيرية، أو مدرسة، أو دار للأيتام، أو لجنة لجمع الزكاة وتوزيعها، أو نحو ذلك من الأنشطة العامة النافعة، لتكون نماذج يتربى فيها الناس عمليّا على أخلاق الإسلام، ويقتدون بها في كل حياتهم.
ختامًا أخي الكريم، فأنت تحتاج إلى بعض المراجع المبسطة في الأخلاق، وفي وسائل التربية، وفي العلاقات الأسرية، وفي التعامل بين الرجال والنساء عمومًا، وفي تربية الأبناء، وفي نظم الإسلام وفكره، وفي الإدارة، وفي تاريخ الخلفاء الراشدين الذين أداروا دولتهم بنظام الإسلام ليقتدي بهم كل مسئول في قوتهم ورحمتهم وعدلهم.
ويضيف الأستاذ فتحي عبد الستار:
أخي الكريم، لن أضيف كثيرًا على ما تفضل به الدكتور محمد - حفظه الله - ، وإنما فقط وددت أن أشير إشارة، وأن أنصح نصيحة، وأهمس بهمسة.
أما عن الإشارة، فقد وددت أن أثبت دور الخطيب الفاهم الواعي بقضايا أمته في الإصلاح عامةً، والإصلاح السياسي خاصةً، وأن كثيرًا من حركات الإصلاح السياسي والاجتماعي والتحرر الوطني، قد انطلقت من تحت منابر المساجد، مدفوعة بخطب مؤثرة استطاعت تحريك العقول وامتلاك القلوب، فأدت إلى إيقاظ الوعي المخدر لدى الحاكم والمحكوم على السواء، ذلك لأن من ألقوا هذه الخطب علموا ما يقال وما لا يقال، والوقت والمكان المناسبَيْن للقول، وكذلك مَن هم مؤهلين لسماع أقوالهم، ومن ليسوا بمؤهَّلين، اتباعًا للحكمة القائلة: (ليس كل ما يُعلَم يُقَال، وليس كل ما يُقَال حاضر وقته، وليس كل ما يقال حاضر أهله).
فأنت يا أخي الكريم - وكل خطيب - على ثغر هام من ثغور الإسلام، فأرِ الله منك خيرًا.
أما النصيحة: فأنصحك أن تجعل من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة صحابته الكرام، وخلفائه، وكذلك أحداث التاريخ القديم والحديث، زادًا لك يعينك على منهج الإسقاط السياسي الذي تريده، فذلك يكسب حديثك صدقًا وموضوعية وواقعية، ويجنبك الاتهام بالسفسطة والادعاء وتجاوز الحدود.
فمثلاً: يمكنك أن تستعين بقصص مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في تأكيد مبدأ الشورى والعمل به وعدم الانفراد بالرأي.
ويمكنك الاستعانة بحياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كحاكم، للتدليل على أهمية العدل بين الرعية والمساواة بينهم، وإقامة الحق ولو على النفس، وعدم التفرقة بين الحاكم والمحكوم، وكذلك عند الحديث عن زهد الحاكم وورعه، واهتمامه برعيته وخدمتهم، وخوفه من المحاسبة أمام الله عز وجل.
كما يمكنك من خلال عرض مواقف اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونقضهم لعودهم معه، أن تثبت وجوب الحذر في التعامل مع أحفادهم - يهود اليوم - وأنهم ليسوا أهل وفاء، بل أهل غدر وخيانة، ولا عهد لهم ولا ذمة، وهكذا أخي الحبيب.
أما الهمسة التي أحب أن أهمس لك بها أخي الكريم، فهي أنه من الأهمية بمكان أن تنتقي ألفاظك وتعبيراتك عند الحديث في أمور السياسة والحكم، فلا تغمز ولا تلمز، ولا تسُب ولا تشهِّر ولا تفحُش، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحش ولا البذيء" رواه أحمد وغيره بسند صحيح.
بل اجعل نقدك موضوعيّا بعيدًا عن ذوات الأشخاص، حتى تكتسب احترام الناس وتعاطفهم مع ما تقول، ولا تجرّك حماسة الجماهير التي تستمع إليك إلى أن تتخطى حدود الأدب والشرع، فغالبًا ما يحب الناس سماع ألفاظ التعدي والتشهير، رغبة في التنفيس عن بعض الكبت الذي يشعرون به، فيجدون من خلال هذا متنفسًا لمشاعرهم المكبوتة، ولكن ما كان الإسلام دين غوغائية وتفلت وتعدٍّ، بل هو دين الأدب والأخلاق والموضوعية.
فاحذر من الانسياق وراء شهوة اللسان، بحثًا عن بطولة زائفة، بل اجعل نيتك لله عز وجل، حتى يكون لكلامك الأثر الذي تريده في الإصلاح.
وفقك الله - أخي الكريم - وأعانك على توصيل دعوته ونفع الإسلام والمسلمين.. ولك ثوابك العظيم، ولا تنسَنا من صالح.
|