أخي الكريم حسين، حفظك الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
إن التساؤلات التي طرحتها تعتبر عندي في غاية الأهمية، وهي تتكرر بشكل وبآخر، هنا وهناك وهنالك، فهي تظهر أحيانًا من خلال الالتفاف على قوانين الدولة بحجة أنها غير إسلامية، وأنها تحكم بغير ما أنزل الله.
ثم تبدو في مكان آخر، من خلال التحايل على الرسوم والضرائب، والامتناع عن دفع فواتير الكهرباء والهاتف والماء، بذريعة أن قوانين هذه الدولة وضعية، تجوز سرقتها! وقد تظهر من خلال مخالفة قوانين السير وأنظمة المرور، تحت مظلة الاستجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمخالفة الكفار.
إن هذه الممارسات وغيرها - وهي متعددة وكثيرة - يحسن النظر إليها والحكم فيها برأي الشرع ومنظور الشريعة، استجابة لقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا).
أما بالنسبة للحالة التي عرضتها، المتعلقة بممارسة نشاطات محظورة في الجامعات، أقول: إن الانتساب للجامعة ابتداءً يعتبر دخولاً في عقد بين الطالب وهذه المؤسسة، والدخول في أيّ عقد مع أية جهة يقتضي الالتزام بقوانينها واحترام أنظمتها.
والوفاء بالعقود والتزام العهود من المبادئ الأساسية التي أرسى قواعدها الإسلام، وحذر من مخالفتها، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وقال: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم)، وقال في مقام المدح: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا).
ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعاني من خلال ترجمتها على أرض الواقع، حتى مع غير المسلمين، فكان في كل مسألة يرى البعض أنها لا تحتاج إلا إلى شيء من التساهل يرفض ذلك، وينهى عن الغدر، حتى مع الكفار والمشركين.
هذا جانب، والجانب الآخر أن الطلبة الذين تعنيهم إنما يصدرون في تصرفاتهم تلك عن قناعة شرعية، بأن وراء حظر هذه النشاطات في الجامعة خلفيات سياسية، أملتها مواقف الدولة غير الشرعية وغير الإسلامية.
أضف إلى ذلك أنهم يرون أن النشاط الذي يقومون به يتصل بقضية مقدسة - هي قضية فلسطين - وأن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من مجازر وحرب إبادة فوق كل اعتبار، وأن ذلك يقتضي من حكومة البلد وإدارة الجامعة وأساتذتها وطلابها - فضلاً عن مؤسسات الدولة وشعبها ومواطنيها - أن يكونوا في خندق واحد مع المسلمين حيثما كانوا، لمواجهة العدو الصهيوني ولنصرة إخوانهم في الدين والدفاع عن مقدساتهم.
فإذا كانت الضرورات - والضرورات تقدّر بقدرها - تبيح المحظورات الشرعية، فإن من باب أولى أن تبيح المحظورات القانونية والإدارية.
وثمة حيثية هامة ينبغي الوقوف عندها بين يدي دراسة الموضوع، وتتعلق بموازين المصالح والمفاسد وحكم الشرع فيها، فمن خلال القاعدة التي تنص على أن "درء المفاسد يُقدَّم على جلب المنافع"، يمكن تحديد حكم شرعي في القضية المطروحة أو غيرها، فإذا تبين أن مفاسدها هي الطاغية، وهي الأكبر، كان العزوف عنها أولى، وبخاصة إذا خرجت عن إطارها، وغدت خارج دائرة السيطرة، والعكس هو الصحيح كذلك، والله أعلم.
وعن علاقة الطلاب الذين يمارسون الدعوة في الجامعة، بهيئات التدريس والجهات الأمنية، أنصح بقراءة هذا المقال، الذي ناقش تلك المسألة:
الدعوة الطلابية.. استيعاب لا مواجهة
وفقك الله، ومرحبًا بك وبرسائلك دائمًا.
|