English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
حديثٌ في الِفرَق .. مشاركة وتعقيب العنوان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ..
فقد اطلعت على آرائكم في التقريب بين مختلف التجمعات من خلال قراءتي لاستشارة
سلفي، أم إخواني، أم .. .؟؟؟ السؤال الخطأ
فلا أدري ؟ .. أيعني قولكم أن أضع يدي في يد رافضي يسبُّ الصحابة ويرمي أمهات المؤمنين بالعظائم ؟ أيعني هذا أن أضع يدي في يد من يشرك بالله ويعبد القبور وأصحاب القبور ؟؟!! أيعني هذا أن أضع يدي في يد من يُكفِّر المسلمين لأتفه الأسباب ؟؟ أهكذا كان يعامل سلفنا المبتدعين ؟؟.
لقد نصحتم أحد السائلين بالانتماء إلى أية فرقة كانت، ما دامت تقوم بجانبٍ من العمل الإسلامي، مع الاستهانة بما في هذه الجماعة من ضلالات؛ لأنه لا وجود لدعوة كاملة كما تقولون.
ثم وضعتم لهذا السائل حدودًا لكي يعرف: لا لمن ينتمي، ولكن لمن لا ينتمي، فأقول: لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أن الأمة تنقسم إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وأن هذه الفرقة هي الجماعة، وما كان عليه هو وصحابته .. أفتنصحون المسلمين أن ينتموا إلى أية فرقة كانت .. ما دامت تقوم بجانب من الإسلام ؟؟
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا: وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، أقال لهم: لا يهم أن تنتموا إلى أية فرقة وأية ملة ؟ .. لا بل قال لهم: فعليكم بسُنّتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة .. والحديث صحيح مُخَرَّج في الأربعين النووية.
ألم يكن من الأولى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ونُصح المسلمين بما نصحهم به من اتباع سنته ومنهاجه وطريق صحابته الذين هم سلف هذه الأمة ؟؟؟
تستدلون بقول الله عز وجل: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا" أيعني هذا أن تتوحد كل الملل والنحل بغض النظر عن ضلالاتها ؟.
إن من تمسَّك بكتاب الله وسُنة نبيه فقد اعتصم بحبل الله، وهو مع الجماعة والسواد الأعظم، أما مَنْ أحْدَث في دين الله ما ليس منه، وشاقَّ الرسول، واتبع غير سبيل المؤمنين فقد نقض الميثاق وافترق عن الجماعة وتسبب في الفُرْقة والانقسام .. وارجعوا إلى أقوال المفسرين والعلماء في هذه الآية.
ويِؤيد هذا ما أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس عن عبد الله قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا" قال: ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذه السُّبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: "وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل".
فتوحيد الكلمة لا يعني ضم الفِرَق بعضها إلى بعض دون اعتبار لأية عقيدة، سليمةً كانت أم فاسدة. ولا يعني هذا أننا نريد الفُرقَة والتشتت ونقبلهما .. كلا ولكن نريد أن تعود كل الفرق التي فارقت الجماعة إلى الاعتصام بحبل الله، والتمسك بسُنّة رسول الله، واتباع منهاجه ومنهاج الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وهذا هو المفهوم الصحيح للوحدة والاعتصام بحبل الله واتباع سبيل الحق.

ومن الخطأ القول بأن ما يعيشه المسلمون من ذُل سببه كثرة الفِرَق وعدائها لبعض، وأن الائتلاف بينها وتوحدها هو الحل للنصر والعزة والتمكين، أو أنه يجب غض الطرف الآن عن الاختلافات بينها لأن ذلك أمر تافه، ولأن هناك أولويات يعيشها المسلمون اليوم.
إن ما أصاب الأمة كان بسبب بُعدِها عن دينها، وانتشار البدعة وهجران السنة، ولن يرفع الله عنها الذل حتى ترجع إليه، كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى النبع الصافي، وتربية الرجال على العقيدة الصحيحة، واتباع السُّنة، ونبذ البدع، ومظاهر التشبه بالكفار، والتخلص من كل الضلالات، ولا يمكن أن يكون الرجوع إلى الدين بقبول البدع وموالاة المبتدعين باسم توحيد الكلمة.
إن المسلمين يوم أُحُد أصابهم ما أصابهم بسبب عصيان الرُّماة لأوامر رسول الله، وإن بني إسرائيل مُنِعوا القَطْر وفيهم كليم الله بسبب معصية رجل واحد فيهم، وإن جيشًا في صدر الإسلام تأخر عنه النصر لتركِهِ سُنة يستخفُّ بها الكثيرون في يومنا هذا، وهي سُنة السواك، ولم يُنصَروا حتى راجعوا أنفسهم ورجعوا إلى سنة نبيهم.
أفنبتغي العِزَّة وبيننا من يُشرِك بالله، ويعبد غير الله، ويشتم صحابة رسول الله، ونحن لا نُنكر منكرًا، راضون بذلك بدعوى الوحدة ؟؟؟!!!.
أيعقل أن نقول: إن هذه أمور تافهة، وأن هناك أمورًا أهم يجب تحقيقها .. بماذا نحققها ؟ بالجهل ؟ بالبدعة ؟ بالعقائد الباطلة ؟
هل اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهاد منذ أول بعثته ؟ إن رسول الله قد لبث بمكة ثلاثة عشرة سنة يدعو الناس ليلاً ونهارًا، سرّا وجهرًا، ويربِّي أصحابه على عقيدة "لا إله إلا الله" حتى إنك لو تأملت الآيات المكّية لوجدتها كلها تتحدث عن مسائل عقائدية ترسّخ التوحيد وتنبذ الشرك وتبين منازل الإيمان.
فما اغتال النبي أحدًا من المشركين ولا من قادتهم، على كُفرهم وأذيتهم للمسلمين وعدائهم للدين، ولا حتى كَسَّر الأصنام، وقد كانت على مقربة منه، وإنما صبر على أذاهم، وحث أصحابه على ذلك، حتى إذا رسخت العقيدة وثبت الإيمان وزُكِّيَت النفوس من أدران الجاهلية والشِّرْك والعصبية والقومية وبعد ثلاثة عشر سنة أُمر وأصحابه بالهجرة إلى المدينة ليقيم أول دولة للإسلام، رجالها صحابة رسول الله، أفضل جيل عرفته البشرية، وقائدها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير قائد عرفه التاريخ. فماذا كانت النتيجة ؟ أمضَى الله لهذه الأمة أمرَها، وفي زمن يسير اتسعت رقعة الدولة، حتى بلغت تخوم الصين شرقًا والمحيط غربًا.

هذا منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم: تربية، وتزكية، وتصفية، ثم تمكين وجهاد.
إن الوصول إلى العزة والتمكين في الأرض يكون بمنهاج قويم رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليه سلفنا الصالح. فالواجب على المسلمين الرجوع إلى دينهم، والتفقه فيه، وترسيخ العقيدة السليمة، وإبطال العقائد الفاسدة، وهجران البِدَع، والرجوع إلى السُّنة، وتصفية المجتمعات من مظاهر التشبه باليهود والنصارى، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، بدءًا بالأقربين.. فإذا تم لنا ذلكم رفع الله عنا الذُّل بمَنِّه وكَرَمه.
وإنكم لو تأملتم كيف كان يعاملُ سلف هذه الأمة المبتدعين لعرفتم خطورة البِدْعة والمبتدعين على الإسلام والمسلمين:
- كان طاوس جالسًا وعنده ابنه، فجاء رجل من المعتزلة، فتكلَّم في شيء، فأدخل طاوس إصبعيه في أذنيه، وقال: يا بُنيّ، أدخل إصبعَك في أذنيك، حتى لا تسمع من قوله شيئًا، فإن هذا القلب ضعيف.
- عن عيسى بن علي الضبِّي قال: كان رجل معنا يختلف إلى إبراهيم بن أبي يحيى، فبلغ إبراهيم أنه قد دخل في الإرجاء، فقال له إبراهيم: إذا قمت من عندنا فلا تعد.
- عن سلام بن أبي مُطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لأيوب: أكلمك بكلمة ؟ قال: لا، ولا نصف كلمة.
- عن مؤمِّل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز بن أبي داود، وكنت في جنازته، حتى وُضِع عند باب الصفا، فصف الناس، وجاء الثوري، فقال الناس: جاء الثوري، فجاء حتى خَرقَ الصفوف والناس ينظرون إليه، فجاوز الجنازة ولم يصلِّ عليه؛ لأنه كان يرمَى بالإرجاء.
- قال سفيان الثوري: من سمع من مبتدع، لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة.
- مرض سليمان التيمي، فبكَى في مرضه بكاءً شديدًا، فقيل له: ما يبكيك، أتجزع من الموت ؟ قال: لا، ولكني مررتُ على قَدَريّ فسلَّمتُ عليه، فأخاف أن يحاسبني ربي عليه.
- قال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وقال: إذا رأيت مبتدعًا في طريق، فخُذْ في طريقٍ آخر، ولا يُرفَع لصاحب البدعة إلى الله عز وجل عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. وقال: من زوَّج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يُعطَ الحكمة، وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مُبغِضْ لصاحب بدعة، رجوت أن يغفر الله له سيئاته. وقال: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه.
- وقال محمد بن النضر الحارثي: من أصغَى بسمعه إلى صاحب بدعة نُزِعَتْ منه العصمة، ووُكِّل إلى نفسه.
- أخبر رجلٌ عبد الله بن مسعود أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبِّروا الله كذا وكذا، وسبِّحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأْتِني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس، فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود، فجاء وكان رجلاً حديدًا، فقال: أنا عبد الله بن مسعود، والله الذي لا إله غيره، لقد جئتم ببدعة ظلمًا، ولقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا، فقال عمرو بن عتبة: أستغفر الله، فقال: عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً لتضلّن ضلالاً بعيدًا.
- ثم إنك لو قرأت كتب علماء هذه الأمة السابقين، لرأيت مدى ذمِّهم للمبتدعة والفرق الضالة عن سبيل الله، وتغليظهم القول فيهم ذبّا عن هذا الدين، ودفاعًا عنه من تحريف المحرِّفين وإحداث المحدِثين.
وأخيرًا أشير إلى أن سؤال السائل حول حيرته وجيه وفي محله .. فالإنسان أحوج ما يكون إلى الهداية بعد دخول الإسلام .. وإن الواحد منا وهو مسلم ليقرأ كل يوم أكثر من سبع عشرة مرة: "اهدنا الصراط المستقيم" كي يهديه الله إلى سبيله وسُنة نبيه، ويبعد عنه البدع والمبتدعين، وكل ضلالة ومحدَثة .. فعجبي كل العجب ممن يهوِّن المسألة باسم ذم الفرقة والانقسام، وقد تبين أن مفهوم وحدة الكلمة مختلف عن الرؤِية السطحية التي تنتشر في أيامنا هذه، وأن العزة تكون بالقضاء على البدع والضلالات والرجوع إلى الدين القويم، لا قبولها وغض الطرف عنها.

فالواجب على الإنسان وخاصة في بداية طريقه أن يحذَر من المبتدعين وأصحاب الرأي والأهواء، ويتحرى سواء السبيل، وصدق من قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نَسَكَ أن يؤاخي صاحب سُنة يحمله عليها.
فالخير في اتباع من سَبَق، ولن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السؤال
2002/05/30 التاريخ
وسائل اجتماعية, فقه الدعوة الموضوع
الأستاذ فتحي عبد الستار المستشار
الحل
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ..
أخي الحبيب، الذي حَرَمنا حتى من مجرد معرفة اسمه، أو حتى وطنه أو سِنّه.. ولعلك أردت أن تكون المحبة بيننا مجردةً لله عز وجل، ولو أننا نطمع في استمرار التواصل بيننا، وأن يقفَ قلمك معنا في الصف، معاونًا وناصحًا ومشيرًا، في كل ما يخدم ديننا وأمتنا.

أخي الحبيب، نظرًا لأننا فتحنا نافذةً في ساحة الحوار بالموقع حول موضوع هذه الاستشارة التي أشرت إليها، فإنِّي كنتُ قد عزمتُ أن أُحيلَ أية رسائل تصل في هذا الموضوع إلى هناك، ولكني بعدما قرأت رسالتك فضَّلْتُ أن أستبقيها في الاستشارات، وأحاورك فيها في عدة محاور:

أولاً: أشكرك على عاطفتك المتأجِّجة، وشعورك القوي بآلام أمتك، وسعيك لإزالته، ورغبتك في إصلاح حالها وحال أبنائها.

ثانيًا: إن سبب التعارض المتوهَّم بين حديثنا وبين فهمك له، هو عدم اتفاقنا على مدلول وتعريف واحد لمصطلح "الفرقة"، التي أحسب أننا لو اتفقنا على مدلولها، وأزلنا اللبس عن معناها، انمحَى هذا التعارض والخلاف.
فقد قُمتَ أخي الكريم بإسقاط حديثنا عن التجمعات العاملة للإسلام، على الفِرَق الخارجة عن الملة، والتي عناها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أشرتَ إليه، وإنما كان حديثنا عن تجمعاتٍ تُمثِّل كلها أجزاءً من جَسَد الفِرقة الناجية، وهم جميعًا من أهل السنة والجماعة التي أشار إليها صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث، وهذا ما أكده العلماء من سَلَف الأمة.
فقد نقل الإمام المناوي في فيض القدير عن الإمام الطيبي قوله في شرح الحديث: "والمعنى أنهم يفترقون فِرَقًا تتدين كل واحدة منها بخلاف ما تتدين بها الأخرى، فتُسَمَّى طريقتهم ملةً مجازًا، وقال بعضهم: هذا الاختلاف في الأصول، وأما اختلاف الرحمة فهو في الفروع".

وزاد الأمر وضوحًا الشيخ المباركفوري حين قال في كتابه تحفة الأحوذي: "قال العلقمي: قال شيخنا: ألَّف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتابًا قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه صلى الله عليه وسلم لم يُرِدْ بالفِرَق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما قَصَدَ بالذَّم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد، وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة، وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرَى هذه الأبواب؛ لأن المختلفين فيها قد كفَّر بعضهم بعضًا، بخلاف النوع الأول، فإنهم اختلفوا فيه بغير تكفير ولا تفسيق للمخالِف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف".

ولا أظن أن التجمعات التي تحدثنا عنها بينها أية خلافات في تلك الأبواب المذكورة التي اختلفت فيها الفِرَق، وكذلك لم يُكفِّر بعضهم بعضًا، ولم يُفسِّق بعضهم بعضًا - إلا ما يصدر من بعض الجُهَّال منهم والمندفعين دون علم - بل تتفق فيما بينها في هذه الأبواب جميعًا، والخلاف الحادث بينها في أسلوب العمل للإسلام إنما يندَرج تحت الاختلاف في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، ولكلٍّ دليله الشرعي الذي يعتمده فيما يذهب إليه.

إن ما كنا نحاول أن نصل إليه - أخي الحبيب - في كلامنا، هو أن هذه التجمعات كلها بمثابة أفراد العائلة الواحدة الذين يجب أن يتعاونوا سويًّا لتحقيق الخير لهذه العائلة، كُلٌّ في مكانه قائمًا بواجباته. أو كأعضاء الجسد الواحد الذي يقوم كُلٌّ منها بوظيفة محددة لتسيير هذا الجسم وبقائه حيّا نابضًا صالحًا، فإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسَّهر والحمَّى، وفي غياب أو مرض أيِّ عضو منها يصبح الجسد مُشوّهًا مبتورًا ناقصًا.

إن هذه الفِرَق التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم وتكلمت عنها في رسالتك، هي - كما بيَّن العلماء في شرحهم للحديث - التي خرجت عن الإسلام بفساد عقيدتها، وزيادتها في دين الله أو انتقاصها منه، بغُلُو أو تفريط مذمومين.

وإسقاطك حديثنا على الفرق الخارجة جعلك أيضًا تفهم أن استدلالنا بقول الله عز وجل: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا.." يعني أن تتوحد الملل والنحل بغض النظر عن ضلالاتها، وهذا ما لا يقوله مسلم عاقل، عنده مِسْحَة فهمٍ لكلام الله عز وجل.
وأدَرْتَ كلامك كله - أخي الحبيب - في هذا المحور الذي لم نقصده أبدًا.
فجعلك هذا أيضًا تفهم أننا نعُدُّ المشركين، وعبّاد القبور، والذين يسبون الصحابة ويرمون أمهات المؤمنين بالعظائم، من المؤمنين الذي يجب أن نضع أيدينا في أيديهم ونتعاون معهم ؟!!!!، وهذا ما نبرأ إلى الله عز وجل منه.

إن حديثنا كله - أخي الحبيب - لم يتطرق إلى هؤلاء أبدًا، ولم يدخلهم في دائرة الولاء، ولا الأُخوَّة الإيمانية التي تحدثنا عنها، بل قلنا بالحرف الواحد: ".. خطابٌ قرآنيٌّ وحديثيٌّ يشمل المؤمنين جميعهم، كلَّ المؤمنين، كل من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً، وبالقرآن الكريم شريعة ومنهاجًا ودستورًا، ولا أظن أن هناك جماعتين، أي جماعتين، قد اختلفتا على هذه المبادئ أو تنازعتا عليها".

وجعلك هذا تقول: "لقد نصحتم أحد السائلين بالانتماء إلى أيِّ فرقة كانت، ما دامت تقوم بجانب من العمل الإسلامي، مع الاستهانة بما في هذه الجماعة من ضلالات؛ لأنه لا وجود لدعوة كاملة كما تقولون" !!!!!.
ولا أدري أين جاء ذكر هذا في الاستشارة ؟؟!!! ومن أين أتيت أخي الكريم بهذا الفهم، وبهذا الكلام الذي لم يرد ذِكْرُه لا تصريحًا ولا تلميحًا في كلامنا ؟؟!!.

أخي الحبيب، أرجوك أن تعيد القراءة ثانيةً من فضلك.

ثالثًا: لقد أنكرتَ في كلامك الاعتقادَ بأن سبب ضعف المسلمين وهزيمتهم هو فُرقَتهم وعداء بعضهم لبعض، وأن الائتلاف بينهم وتوحدهم هو الحل للنصر والعزة والتمكين !!!
ولم يقل برأيك هذا أو يعتقده أحد من السَّلَف أو الخَلَف، فالبَدَهيّ عند كل مسلم هو عكس ذلك تمامًا، فلا أحد ينكر أن الوحدة والترابط من أهم القوى التي يتمتع بها أي مجتمع أو أية أُمّة، ولو لم يكن هذا على قدر من الأهمية ما كانت النصوص القرآنية والحديثية تكاتفت لتؤكد على مفهوم الاتحاد والاعتصام وعدم الفُرْقة والاختلاف والنزاع، وما لهذا من دور أساسي في تحقيق النصر والتمكين للأمة.
فقد قال عز وجل: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا".
وقال جل شأنه: "ولا تكونوا كالذين تفرَّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم".
وقال سبحانه وتعالى: "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم".
وقال جل جلاله: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنهم بنيان مرصوص".
وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في التزام الجماعة، والتحذير من الشذوذ عنها ومن الفُرقَة، أكثر من أن تُحصَى، وأشهر من أن تُذكَر.
وكما أن انتشار البدعة وهجران السنة سببٌ في تأخر المسلمين، فإن تشرذمهم وتفرقهم وبأسهم الشديد بينهم من الأسباب - بل من أشد الأسباب - في ذلك.
فالوحدة عندنا أخي الكريم منَ الدين، ولكنها الوحدة بالمفهوم الذي نعنيه ونقصده، لا كما فهمته أنت، إنها وحدة المسلمين المؤمنين فيما بينهم، لا وحدة المسلمين مع المشركين والكافرين.

أما أننا "يجب أن نغضَّ الطَّرْفَ الآن عن الخلافات؛ لأن هناك أولويات يعيشها المسلمون اليوم"، فصحيحٌ في الإطار الذي حددناه لمساحة هذا الاختلاف، ولا يصح الخلط هنا بين ما تَسَعُنا فيه دائرة الخلاف وما لا تَسعُنا فيه، وفقًا للمعايير التي ذُكِرَت سابقًا في كلام أبي منصور التميمي، لا تتعداها، فارجع إليها.

رابعًا: تضمنت مشاركتك أمورًا نرحب بها، ولا نختلف معك فيها، وهي اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية - في التأسيس للدولة - بالتربية وغرس العقيدة، ونبذ الشِّرْك، وكف الأيدي.
ولكي يكون كلامنا منضبطًا، لا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهتم بالجهاد في أول بعثته، ولكن نقول: إنه لم يستخدم - بوحي من ربه – الجهادَ المُسلَّح، وإنما كان يُطَّبِّق صورًا أخرى من الجهاد، ويربِّي أصحابه عليها، استعدادًا للمراحل المقبلة.
وينبغي أن نعي أن هذه المراحل التي مرَّت بها الدعوة الإسلامية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، هي مراحل أصبحت الآن متداخلة ومتشابكة لا نستطيع الفصل بينها، وتطبيقها بتصور آليّ ميكانيكي متسلسل، فتدرس الأمة كلها العقيدة في فترة زمنية محددة، فإذا انتهت منها، انتقلت إلى غيرها وهكذا.
فقد كمُل الدينُ الآن، واكتملت النصوص، وتبينت الشريعة والأحكام، وما علينا إلا أن نطبق هذه النصوص والتشريعات تطبيقا صحيحًا على الحالات المختلفة التي تعيشها الأمة في شتى الأقطار والبلدان، فلكل قُطْرٍ طبيعة وحالة تختلف عن غيره.

خامسًا: هذه الأمثلة التي تفضلتَ بذِكْرها من فِعْل السلف لتدلِّل بها على تبنِّيهم لرفض الحوار مع أصحاب الآراء والمذاهب المخالفة، لا بد ألا تؤخذ هكذا - على فرض أن المحققين أثبتوها وصححوا نسبتها إليهم - ولا ينبغي أن تُفصَل وتُستقطَع من وسط الكم الهائل من الآثار المروية عن أمثالهم وعن أسلافهم الكرام من الصحابة، بل وعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخص هذه القضية، أعني قضية الحوار مع الآخر.
بل لا بد من ملاحظة أننا يجب أن نعرف الظروف والملابسات التي أحاطت بتلك المواقف التي رويتها - إن صحَّت - ويبقى في النهاية أنَّ ما مِنْ أحد إلا ويُؤخَذ من كلامه ويُترَك إلا الحبيب المعصوم صلى الله عليه وسلم.

وسأضرِبُ هنا مثالَيْن أزعُم أنهما ينقضان ما حاولَتْ هذه الآثار التي رويتها أن تقيمه، أحدهما من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والآخر لحَبْر الأُمَّة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
أبدأ بحِوَار النبي صلى الله عليه وسلم الشهير مع عُتبَة بن ربيعة "المُشْرِك"، هذا الحوار الذي يُطرَح كنموذج مثاليّ في كل مناسبة للحديث عن الحوار مع الآخر.
فقد روى محمد بن إسحاق في السيرة "أن عُتبةَ بن ربيعة قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكَلِّمه وأعرض عليه أمورًا، لعله أن يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقُمْ إليه فكلِّمْه، فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي، إنك منّا حيث علمتَ من السلطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامَهَم، وعِبْتَ به آلهتهم ودينهم، وكفَّرتَ به مَنْ مَضَى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها – ومضى في كلامه طويلاً والنبي يسمع – حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستمع منه قال: "أفرغت يا أبا الوليد؟" قال: نعم، قال: "فاستمع مني"، قال: أفعل، فتلا النبي صلى الله عليه وسلم عليه أول سورة فُصِّلت، فلما سمع عتبة أنصت لها، حتى انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السجدة منها فسَجَد، ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك". فقام عتبة إلى أصحابه، فلما جلس إليهم قال: إني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط .. حتى قال: يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزِلُوه، فواللّه ليكوننَّ لقوله الذي سمعت نبأ".
فما أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن عتبة "المُشْرِك"، ولا وضع إصبعيه في أذنيه، ولا حتى عَبَسَ في وجهه، ولا قال له بعد انتهاء المجلس: لا تعُد، بل أنصت له إنصاتًا حتى فرغ من حديثه رغم ما فيه من تخريصات، بل إنه صلى الله عليه وسلم سأله قبل أن يبدأ بالرد: "أفرغتَ يا أبا الوليد"، وكأنه يريد منه أن يُفرِغَ كل ما في جُعبته، ولا يجعل في صدره شيئًا، مناديًا له بلقبه لا باسمه، مما يدل على زيادة احترام وأدَب. وهو المُشْرِك عابد الأصنام.
وكان من نتيجة ذلك، هذا الموقف الذي اتخذه عُتبَة مع زعماء قريش، ومحاولته تخذيلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

نأتي بعد ذلك لحَبْر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد التقى مع الخوارج واجتمع بهم، وسَمِعَ منهم، وسمعوا منه، فكان سببًا في رجوع الكثير منهم، وهي فِرقة لا يشكُّ مسلمٌ كامل الإيمان في خطأ الكثير من أفكارها ومعتقداتها.
روى الإمامان الطبراني وأحمد، ورجالهما رجال الصحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
لما اعتزلت الحَرُوريّة – الخوارج، وسُمُّوا كذلك نسبة إلى قرية حروراء بالكوفة التي اعتصموا بها - وكانوا على حِدَّتهم، قلت لعليِّ: يا أمير المؤمنين أبرِدْ عن الصلاة -أخِّر الصلاة قليلاً - لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم، قال: إني أتخوَّفهم عليك، قلت: كلا إن شاء الله، فلبست أحسن ما قدرت عليه من هذه اليمانيّة، ثم دخلت عليهم وهم قائلون – نائمون - في نَحْر الظهيرة، فدخلت على قوم لم أرَ قومًا أشد اجتهادًا منهم .. فدخلت فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، ما جاء بك ؟ قال: جئتُ أحدِّثكم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فقال بعضهم: لا تحدِّثوه، وقال بعضهم: لنُحَدِّثنَّه. قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخِتْنه وأول من آمن به ؟ فسردوا شبهاتهم، وبدأ يحاورهم فيها، وينقضها شبهة شبهة، حتى فرغ، فرجع منهم عشرون ألفًا، وبقي منهم أربعة آلاف فقُتِلوا.

ونلاحظ أنه رضي الله عنه هو الذي ذهب إليهم، وقد أذِنَ له في ذلك أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، رغم أن بعضهم كان يرفض الحديث معه. وكان من نتيجة ذلك أيضًا ما أنبأت به القصة من رجوع أكثرهم إلى حظيرة الإيمان وجماعة المسلمين.

إن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما فعله عبد الله بن عباس سائرًا على درب المصطفى، إنما هو انطلاق من قوله عز وجل: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".
وإذا كان الكفار والمشركون هم أهل دعوة بالنسبة لنا، وأوصانا الشرع بمحاورتهم بالتي هي أحسن، فأولى بأبناء ديننا التي انحرفت عقولهم وزاغت أفهامهم أن نحاورهم بنفس هذا المنهاج على الأقل، إن لم يكن أكثر حميمية وإشفاقًا عليهم، وإلا فمن يُعَلّمهم ويهديهم إلى الصواب ؟؟!!.
أفهم ألا نجادلهم إلا عن علمٍ، حتى لا يُصاب إيماننا بما يقولون، ونفسد أكثر مما نصلح.. وأفهم ألا ندوم على تلك المعاملة معهم إذا أصروا على ما هم عليه من ضلال، فتكون مجالستنا لهم وحوارنا معهم، لغرض الدعوة والإرشاد، لا للممالأة والاستئناس.
ولكن ما لا أفهمه أبدًا أن نرفض الحوار معهم مطلقًا، ونصُم آذاننا عن سماعهم، ونقطع ألسنتنا عن الحديث إليهم.

سادسًا: لقد قررتَ أخي الكريم في رسالتك أن المفهوم الصحيح للوحدة والاعتصام واتباع سبيل الحق هو أن تعود كل الفِرَق الخارجة عن الإسلام إلى حظيرة الإسلام.. ونحن وإن كنَّا نتمنى ذلك بالطبع، إلا أنَّ الأوْلَى بأن نسعَى لتحقيقه أولاً ونحرص عليه، ونبذل جهودنا فيه هو توحيد - أو على الأقل تكامل - جهود التجمعات التي تكوِّن الجَسَد الإسلامي الواحد، وليس توحيد الفِرَق التي فارقت الإسلام أصلاً.
وهو ولا شك أمرٌ صعب المنال، وفي بعض الأحيان قد يضادّ السُّنة الإلهية، التي كتبت الاختلاف على بني بشر، "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم"، "ولَوْ يشَاءُ اللهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ ولَكِن ليَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ"، "وجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُون".

أخيرًا أخي الحبيب، أكرر شكري لك وترحيبي بك، وأسأل الله تعالى أن يجعلني وإياك من العاملين لدينه، المطبقين لكتابه، وجمعني الله وإياك في مستقر رحمته.
وفي انتظار رسائلك دومًا.

الاستشارات السابقة:
- سلفي، أم إخواني، أم .. .؟؟؟ السؤال الخطأ
- سلفي أم إخواني .. مشاركة من قلبٍ متحرك
- سلفي أم إخواني .. أربَعُ مشاركات مشكُورة

للمشاركة في الحوار حول هذه القضية:
سلفي أم إخواني أم .. ؟؟
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث