 |
المهدي
- المغرب
|
الاسم |
 |
| العقيدة والسلوك .. الفصام النّـكِد |
العنوان |
بسم الله الرحمن الرحيم،
أتمنَّى أن يردَّ على سؤالي د. كمال المصري.
أمَّا سؤالي فهو: كيف يقدِر المرء أن ينتقل من مرحلة الانفصال الذي يعيشه بين عقيدته وسلوكه إلى مرحلة تصديق السلوك لما يقرُّ في القلب ؟
رضي الله عنَّا وعنكم.
|
السؤال |
| 2002/05/22 |
التاريخ |
|
إيمانيات
|
الموضوع |
|
الدكتور كمال المصري
|
المستشار |
 |
 |
|
أخي الحبيب المهدي، جعلك الله تعالى هاديًا مهديًّا،
آمين يا ربَّنا الكريم.. فما لنا من غايةٍ غير رضاك، حيث نُسلِم عند لقاك الرحال، ونُلقِي لديك عناء المسير.
ما سألته يا أخي الحبيب هو أمرٌ عظيم، والحديث فيه ليس بالهيِّن، ليس لأنَّه صعب الفهم، وإنَّما لأنَّه صعب المنال، فدائمًا ما تكون الأفكار والنظريَّات برَّاقةً جذابةً بهيَّة، غير أنَّ واقعها عادةً لا يكون كذلك، وهذا لأسبابٍ كثيرةٍ عديدة.
أمَّا عندما نتحدَّث تخصيصًا في مسألة منهج الله تعالى "الإسلام"، فيغدو الأمر أيسر وأصعب في نفس الوقت، أيسر لأنَّ تيسير الله تعالى سيكون مع من يلتزم المنهج الصحيح الكامل، وأصعب جدًّا حين لا يلتزم الناس بتكامليَّة الإسلام؛ لأنَّه دينٌ مترابطٌ قويٌّ يشدُّ بعضه بعضًا، فحينئذٍ يصبح من العسير أن تختزله أو تجتزئ منه شيئًا.
دعْنا من العموميَّات، ولنكن أكثر تحديدًا:
مشكلة هذا الانفصال العقديِّ السلوكيِّ منشؤها في الحقيقة ثلاث مشكلات:
- مشكلةٌ في الفهم.
- مشكلةٌ في الروافد إلى القلب.
- مشكلةٌ في التطبيق.
- مشكلةٌ في الفهم:
هذه المشكلة أظهرها بجلاءٍ الفاروق رضي الله عنه في موقفين من مواقفه الرائعة:
الموقف الأوَّل: الفاروق والحجر الأسود:
عن عابس بن ربيعة، عن عمر رضي الله عنه، أنَّه جاء إلى الحَجَر الأسود فقبَّله، فقال: "إنِّي أعلم أنَّك حجر، لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتك". رواه البخاريُّ ومسلم.
قال الإمام الطبريّ: "إنَّما قال ذلك عمر لأنَّ الناس كانوا حديثي عهدٍ بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظنَّ الجُهَّال أنَّ استلام الحَجَر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهليَّة، فأراد عمر أن يُعلِّم الناس أنَّ استلامه اتِّباعٌ لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا لأنَّ الحجر ينفع ويضرُّ بذاته، كما كانت الجاهليَّة تعتقده في الأوثان".
الموقف الثاني: الفاروق مع المادح:
جاء في المواعظ للعسكري أن رجلاُ قال لعمر رضي الله عنه: إنَّ فلانًا رجل صِدق، فقال له: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: فهل كانت بينك وبينه معاملة؟ قال: لا، قال: فهل ائتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد!!.
لقد عانى المسلمون من طغيان رهبانيَّة النصارى على فهم المسلمين لدينهم، فأراحوا عقولهم من التفكير فيه، وحكموا على الناس بمنطق الرهبانيَّة هذا، ولم يكن الإسلام يومًا دينًا يمنع الفكر، ويدعو للرهبنة.
الإسلام دينٌ أمر العقل بأن يفكِّر، ونهى عن تقييم الأشخاص بمدى ما يُظهرونه من رهبنة.
هذه المشكلة في الفهم، هي التي أوجدت فصامًا بين ما يعتقده العديد من المسلمين، وبين ما يمارسونه، إذ فهمهم لدينهم هو ما يعتقدون لا ما يمارسون.
- مشكلةٌ في الروافد إلى القلب:
تأسيسًا على نفس المنطق الخاطئ في الفهم، نشأ منطقٌ خاطئٌ في استقاء الإيمان، انبنى على أنَّ رافد الإيمان هو هذه الرهبنة، هو العبادات من صلاةٍ وصيامٍ وقيام ليلٍ وغيرها من الطاعات فقط، ونسي المسلمون ركناً أساسيّا ورافداً قويّا يجب أن يستقوا منه إيمانهم وتقواهم وقربهم من الله تعالى.
هذا الرافد هو "المعاملة"، فكما أن الدين العبادة، فالدين المعاملة كذلك، وإلا فماذا نفعل بهذا التراث الضخم الذي أتانا من ديننا، وكلّه مبنيّ على المعاملة والسلوك لا على العبادة والصلاة ؟؟.
عندما يصف ربُّنا سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: "وإنَّك لعلى خلقٍ عظيم"، " فبما رحمةٍ من الله لنتَ لهم ولو كنتَ فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك"، ويحثُّنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بفعله على حسن الخلق، كما وصفه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: لم يكن رسول الله فاحشًا ولا متفحِّشًا، وإنَّه كان يقول: "إنَّ خياركم أحاسنكم أخلاقًا" رواه البخاريّ.
حينما أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقةٌ، وأمرك بالمعروف ونهيُك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحَجَر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دَلْوِك في دلو أخيك لك صدقة" رواه الترمذيّ بسندٍ حسن.
وعندما يحكي صلى الله عليه وسلم: "بينما رجل يمشي بطريق، وجد غُصْن شَوْك على الطريق فأخَّرَه، فشكر الله له فغفر له" رواه البخاريّ.
وعندما يأمرُنا صلى الله عليه وسلم بالسماحة: "رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" رواه البخاريّ، ويصف المنافق بـ: " آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا اؤتمن خان" رواه البخاريّ.
هذا كلّه من الأوامر والفضائل "المعاملاتيَّة" هل هي لمجرَّد العلم، أم هي للممارسة أيضًا ؟ وهل لها – إذا ما طبقناها - علاقةٌ بزيادة الإيمان في قلوبنا أم لا ؟.
لو كانت ليست لها علاقةٌ بالإيمان، فمعذرة، ما فائدتها ؟ ولماذا وردت ؟ ولماذا حثَّ ديننا عليها وأمر بها ؟.
لن يغفر الله تعالى لرجلٍ لم يزد الإيمان في قلبه حين رَفَع الأذى عن طريق الناس، ولن يرحم ربُّنا تعالى رجلاً لم يتسامح في حياته، إلا إذا كان هذا التسامح هو إيمانٌ ينغرس في القلب، ولن تنهال الصدقات على المسلم حين يساعد غيره، فيرشد الضالّ، ويبصر لضعيف البصر، ويتبسَّم في وجه إخوانه، لن تصله هذه الصدقات إلا لوقعها الإيمانيِّ عليه.
نقص هذا الرافد "المعاملاتيّ" في قلوب المسلمين أوجد عندهم انفصامًا آخر، فعاشوا في انفصال بين حياتهم "العباديَّة" مع ربِّهم، وحياتهم "المعاملاتيَّة" مع بني البشر.
- مشكلةٌ في التطبيق:
المشكلتان السابقتان أنتجتا واقعًا تطبيقيّا لا يتَّفق بشيءٍ مع الإسلام.
أصبح مفهوم "الصلاح" عندنا هو في مدى التزامنا في صلاتنا، وصيامنا، وتلاوتنا للقرآن الكريم فقط.
وغدا القُرب من الله تعالى يكون عبر قيام الليل، وكثرة السجود فحسب.
أمَّا التطبيق، أمَّا الالتزام، أمَّا إتقان العمل، أمَّا حُسْن الخلق، أمَّا مساعدة الآخرين، أمَّا حُسْن المعاملة، أمَّا..، أمَّا... إلخ من الممارسات مع البشر، فهذه كلُّها لا شأن لها بالله تعالى، وليست ثمَّة علاقةٌ بينها وبين الإيمان.
تطبيق خلاصته: "أن إيمانك هو علاقتك بربِّك في عباداتك، أمَّا خلق الله تعالى فليذهبوا هم وحقوقهم إلى الجحيم: وقانونه: "كُنْ رجلاً قوَّامًا بكَّاءً، ثمَّ أهمِل في عملك، وكن غليظاً فظّا مع الناس كما تشاء".
وكم رأينا من هؤلاء الذين من هذه النوعيَّة - للأسف - التزامًا في الملبس وفي العبادة، وتقصيرًا وغلظةً لا مثيل لهما مع البشر.
هذا الفصام الناتج من مشكلات ثلاثٍ بُنِيتْ بعضها على بعض، هو الذي أنتج الانفصال بين العقيدة والسلوك.
إنَّ عقيدتنا وعبادتنا وأخلاقنا وممارساتنا لتخرج من مشكاةٍ واحدةٍ لا انفصام بينها، فحين تنبني أفهامنا على أنَّ ديننا عقيدةٌ ومعاملة، وحين ندرك أنَّ روافد الإيمان إلى قلوبنا رافدان: عباديّ ومعاملاتيّ، وحين نتعلَّم كيف نحوِّل زيادة قربنا من ربِّنا سبحانه إلى زيادةٍ في إتقان العمل وإجادته، وإكثارٍ من حُسن الخلق وحُسن المعاملة مع خلق الله تعالى.. حين نفعل كلَّ ذلك يختفي الانفصال والانفصام من حياتنا.
الأمر يسيرٌ حين نفهم ديننا كاملاً، عسيرٌ صعبٌ حين نمارس الفصام النكِد.
هذا ما ارتأيته أخي الحبيب المهدي.. غفر الله تعالى لي ولك ولجميع المسلمين.. وعفا عنَّا جميعاً ورضي.
وأنصحك بقراءة هذه الاستشارة:
- فتور الالتزام.. "الانفصام" الإسلاميّ: ما الأسباب؟
وفي انتظار رسائلك. |
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|