|
|
|
| * أحداث اليوم.. وأولويات الفهم |
العنوان |
الإخوة والأخوات، السلام عليكم؛
أودُّ أن يجيب على سؤالي أحد علمائنا الثقات الذين نتعلَّم منهم:
في هذه الأيَّام الصعبة، فإنَّ كلَّ ما نتمنَّاه هو أن يؤمن الشباب المسلم والأمَّة في كلِّ أنحاء الأرض بأنَّ النصر لن يكون حليفنا إلا بالجهاد، وأنَّ عليهم الرجوع إلى الله… وأنَّ يتيقَّنوا أنَّ هذه الأرض أرضنا وحتماً سترجع إلينا.. إنَّه وعد نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان الجهاد سيحدث حتماً في يومٍ من الأيَّام، فمتى يحين الوقت للدول الإسلاميَّة لكي تُترجِم احتجاجاتها وتذمُّرها إلى "أفعال" لتكون بجانب إخواننا وأخواتنا هناك في الأرض المقدَّسة؟؟؟
أعلم أنَّ القاعدة الفقهيَّة تقول: "ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب"، لذلك فمن أجل وجود جيشٍ يحرِّر أرضنا، فنحن نحتاج إلى دولةٍ إسلاميَّةٍ حقيقيَّة.. لقد انتظرنا بما فيه الكفاية ليحدث ذلك.. والآن، هل الأمَّة مستعدَّةٌ لهذه الخطوة أم لا؟ هل ستدعم هذه الدعوة وتلبِّيها أم لا؟
أليس من واجب علماء المسلمين أن يدعوا الناس للقيام بذلك؟
متى سيحين الوقت الذي نقول فيه: نعم.. هذا هو الوقت المناسب والمسلمون مستعدُّون، وسنبدأ التحرُّك لتحقيق هذا الهدف؟؟
بالإضافة إلى ذلك، هل عليَّ أن أشعر بالذنب لكوني أعيش في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة الآن، محاولاً فعل ما أستطيعه من الدعوة؟؟
لا أستطيع إلا أن أشعر بالذنب هذه الأيَّام، خاصَّةً مع كلِّ ما يحدث؛ لكنَّ أسرتي هنا، وحياتنا –على الأقل في الوقت الحاليّ- هنا!!! فهل أداء –أو محاولة أداء- واجبي الدعويِّ يكفي لعدم إحساسي بالذنب؟ وماذا بإمكاني أن أفعل إذا عدت لوطني غير الدعوة في الوقت الحالي حيث لا يوجد جهاد فيها؟؟؟ |
السؤال |
| 2004/09/08 |
التاريخ |
|
قضايا وشبهات, ثقافة ومعارف
|
الموضوع |
|
الدكتور فتحي يكن
|
المستشار |
 |
 |
|
أخي الكريم حفظك الله، ورفع بنا وبك راية الإسلام، وأقام دولة القرآن، وأحيانا بها سعداء أو أماتنا دونها شهداء.
ما يختلج في نفسك من مشاعر يختلج مثله في نفوسنا جميعا.. وما نتمنَّاه تتمنَّاه الفئة القائمة على الحقّ، التي لا يضرُّها من خالفها حتى يأتي أمر الله.
هذا ما يعيش في وجداننا، وتنبض به قلوبنا، وتتحرَّك به ألسنتنا، إنَّما نجد أنفسنا مضطرِّين -في النهاية- إلى أن نتوقَّف عند مقتضيات العقل والتفكير، وقواعد التخطيط والتنظيم، وصدق الشاعر حيث يقول:
الرأي قبل شجاعة الشجعان....... هو أوَّلٌ وهي المحلُّ الثاني
ذلك أنَّ المطلوب منَّا كمسلمين بشكلٍ عامّ، وإسلامييِّن بشكلٍ خاصّ، أن ندرس كلَّ خطوةٍ دراسةً عميقةً ومتأنيَّة، في ضوء مبادىء الإسلام وقواعد الشريعة، متوقِّفين عند القاعدة المضيئة: "درء المفاسد يُقدَّم على جلب المصالح"، وغيرها من القواعد الوضَّاءة. ثمَّ إنَّ المسلم كيِّسٌ فَطِنٌ ضعيف، ورحم الله امرءاً عرف زمانه واستقامت طريقته.
لابدَّ وأن نعرف تماماً ماذا نريد؟.. ما طريقنا لتحقيق ما نريد؟.. ما هي الوسائل المتوفِّرة والمتاحة التي لدينا لبلوغ ما نريد؟.. ما العقبات التي تعترض سبيلنا.. ومن هو معنا ومن هو ضدَّنا؟.. إلى ما هنالك من جوانب يجب إدراكها والوقوف عندها، ومن ثمَّ تقليب وجهات النظر فيها، والتشاور حولها، وصولاً إلى اتِّخاذ القرار الأخير: "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكَّل على الله".
إنَّ ما سبق من شروطٍ مطلوبٌ اعتماده حيال أيَّة قضيَّةٍ تحتاج إلى قرار، فكيف لو كانت القضيَّة مصيريَّة، وتبعات القرار فيها عظيمةٌ وكبيرة، كقضيَّة إعلان الجهاد وإقامة الدولة الإسلاميَّة؟
إنَّني أكتب إليك وقد بلغت من العمر سبعين عاما، بدأت العمل الإسلاميَّ وأنا في الثامنة عشرة، وفي بلدٍ لم يكن فيه حركاتٌ أو جماعاتٌ إسلاميَّة، ثمَّ وفق الله لإقامة تنظيمٍ إسلاميّ، كان من شعاراته الأولى والأساسيَّة ومنذ قيامه: "الله غايتنا.. القرآن دستورنا.. الرسول قدوتنا.. الجهاد سبيلنا.. الموت في سبيل الله أسمى أمانينا".
أمَّا الدولة الإسلاميَّة فكانت وما زالت هدفاً من أهداف هذه الجماعة.
أخي الكريم،
لقد أردت من وراء سرد هذه الوقائع أن أبيِّن أنَّ قضيَّة الجهاد في سبيل الله، وإقامة الدولة المسلمة لم تكن غائبةً في يومٍ من الأيَّام عن تفكير المشروع الإسلاميِّ ولا عن العاملين فيه، ولقد مارست الحركة الإسلاميَّة ذلك عمليًّا وميدانيّا، وبخاصَّةٍ من خلال: جهادها ضدَّ الاحتلال البريطانيِّ في قاعدة قناة السويس، وضدَّ الصهاينة في فلسطين.
ولقد كان الجهاد المبارك الذي أعلنه الإمام الشهيد حسن البنّا، ودفع ثمنه استشهاداً في سبيل الله، والذي خاضه المجاهدون من مختلف الدول العربيَّة عام 1948، المحضن الأوَّل الذي أُسِّس لقيام "حركة المقاومة الإسلاميَّة" وأخواتها الأخريات في أرض الرباط وأكناف بيت المقدس، حيث تفجَّرت الانتفاضة المباركة في كلِّ فلسطين وهزَّت أوصال الكيان الصهيونيِّ وقلبت معادلاته رأساً على عقب، بفضل الله تعالى.
فالبدايات والمقدِّمات والأساسيَّات هي بفضل الله قائمة، ولم تكن الحركة الإسلاميَّة يوماً في فراغٍ أو انعدام وزن، وكلُّ ما تحتاجه اليوم -في أعقاب متغيِّراتٍ جذريَّة، بدأت بأحداث 11 أيلول "سبتمبر" 2001 ثمَّ مرَّت بالحرب القذرة التي خاضتها الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة ضدَّ أفغانستان، بذريعة محاربة الإرهاب، ثمَّ وصلت إلى فلسطين، حيث يُواجِه العدوُّ الصهيونيُّ بأحدث التقنيَّات العسكريَّة وأشدِّها فتكاً جيلَ الانتفاضة ورجال المقاومة الذين حقَّقوا -بفضل الله أوَّلاً ثمَّ بالعمليَّات الاستشهاديَّة- قيام معادلة: "توازن الرعب"، بل الرعب الأشدُّ والأكبر لدى الإسرائيليِّين، بالرغم من فداحة الثمن الذي يدفعه الشعب الفلسطينيُّ عموماً حيال هكذا معادلة.
ثمَّ إنَّ أهمِّيَّة الموضوع الذي طرحْتَ -أيُّها الأخ العزيز مشكوراً مأجورا- فرض نفسه على كلِّ مؤسَّسات العمل وأجهزته لإيلائه الأهمِّيَّة اللازمة من الدراسة والتخطيط ضمن سُلَّم الأولويَّات والأبجديَّات.
وإنَّني بهذه المناسبة أضع بين يدي الاستشارة مقدِّمة كتابٍ جديدٍ كتبته من وحي أحداث 11 أيلول "سبتمبر" وانتفاضة الأقصى، وعنوانه: "الأولويَّات الحركيَّة في أعقاب 11 أيلول 2001"، وهو -بفضل الله تعالى- قيد الطباعة.
الأولويَّات الحركيَّة
إنَّ الكلام عن الأولويَّات الحركيَّة في أعقاب الأحداث التي وقعت في الحادي عشر من شهر أيلول "سبتمبر" 2001، والتي طالت مركز التجارة العالميَّ في نيويورك، ومبنى وزارة الدفاع الأمريكيَّة في واشنطن، وعدداً من المواقع الأخرى، يؤكِّد أنَّ ترتيب الأولويَّات الحركيَّة يختلف باختلاف الظروف الناشئة، والحاجات الضاغطة، والضرورات القائمة، وهي ليست واحدةً في كلِّ وقتٍ وحين، وفي كلِّ زمانٍ ومكان، فلكلٍّ أولويَّاته وخصوصيَّاته.
ويجب أن يكون معلوماً أنَّ الأولويَّات غير الثوابت، وأنَّ الثوابت لا تخضع للتغيير والتبديل التي تخضع لها تلك، والأولويَّات الحركيَّة غير الأولويَّات العقديَّة، وغير الأولويَّات العباديَّة والتربويَّة والتعليميَّة وغيرها، حيث إنَّ لكلِّ جانبٍ من جوانب المنهج الإسلاميِّ أولويَّاته، فضلاً عن أنَّ هذه الجوانب -بحدِّ ذاتها- مصنَّفةٌ وفق سلَّم الأولويَّات كذلك.
إنَّ من أولويَّات مقاصد الشريعة وغايات العمل الإسلاميّ، تعبيد الناس لله تعالى في شؤونهم جميعا: "قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت".
هذا عنوانٌ عريضٌ وثابت، تصطفُّ تحته كلُّ العناوين الأخرى، وفق الأولويَّات التي تقتضيها الاعتبارات المرحليَّة والحاجيَّة والضروريَّة والاستثنائيَّة وغيرها -وهي حتماً ليست سواء- ولكن دون أن تصرفها قيد شعرةٍ عن الهدف الأساس والمقصد الرئيس، فهي أشبه بتوجُّه المسلم إلى الكعبة الشريفة كائناً ما كان مكانه وزمانه وحاله، والذي يتجلَّى في قوله تعالى: "فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولُّوا وجوهكم شطره".
مثالٌ في أولويَّة الجهاد:
ففي وقتٍ يشتدُّ فيه التآمر على الإسلام والمسلمين، على نحو ما حصل بعد الأحداث الأمريكيَّة والانتفاضة الفلسطينيَّة، حيث تعرَّض العالم الإسلاميُّ لحربٍ صليبيَّةٍ شاملةٍ بذريعة محاربة الإرهاب، وحيث يتعرَّض الشعب الفلسطينيُّ لمجزرةٍ دمويَّةٍ حقيقيَّةٍ من قِبَل العدوِّ الصهيونيّ.. في هذه المرحلة بالذات تصبح الأولويَّة للجهاد والنصرة، ويصبح كلُّ ما عدا ذلك -من أعمالٍ تطوعيَّة- ضرباً من العبث..
ولقد عبَّر عبد الله بن المبارك -العالم المجاهد- عن هذا المعنى أبلغ تعبيرٍ حين نظم قصيدةً شعريَّةً بحقِّ واحدٍ من أصحابه فضَّل الاعتكاف في المسجد الحرام على الخروج إلى الجهاد، حيث جاء في مطلعها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا....... لوجدت أنَّك بالعبادة تلعبُ
من كان يخضب خدّه بدموعه....... فنحورنا بدمائنا تتخضَّبُ
الجهاد والإعداد:
إنَّ إعطاء الأولويَّة للجهاد في الظروف التي ذكرنا، لا يخرج بالحركة عن منهج الإعداد ولا يصطدم بمقتضياته، بل إنَّ الإعداد يصبح أكثر فاعليَّةً وتأثيراً حين يكون في ميادين الجهاد وتعريض النفس لاختبار البذل والتضحية والعطاء.
مثالٌ في أولويَّة التعلُّم:
ففي إطار بناء الشخصيَّة المسلمة يأتي العلم الشرعيُّ في مقدِّمة العلوم الأخرى على أهمِّيَّتها، وليس أدلَّ على ذلك من اللفتة النبويَّة لذلك الأعرابيِّ الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طالباً أن يُعلِّمه من غرائب العلم، فقال له سائلا: "وماذا فعلت في رأس العلم؟" فعندما لم يُجِب الأعرابيّ، ابتدره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "اذهب فتعلَّم رأس العلم، ثمَّ تعال أعلِّمك من غرائب العلم"، قال الأعرابي: وما رأس العلم يا رسول الله؟ قال: "معرفة الله"رواه ابن السنِّيِّ وأبو نعيمٍ وابن عبد البرِّ بسندٍ ضعيف.
وفي أولويَّات الأمَّة لاكتساب العلوم المختلفة، والمصنَّفة على أنَّها "فرضٌ على الكفاية" تصبح في عصرٍ من العصور وظرفٍ من الظروف من "الفروض العينيَّة"، كالعلوم الصناعيَّة والتكنولوجيَّة والعسكريَّة وغيرها، وذلك بحسب حاجة الأمَّة إليها والضرورة المقدَّرة التي تمليها عليها.
مثالٌ في أولويَّة الحسبة:
وأودُّ أن أسوق في هذا المجال مثالاً ميدانيًّا في أولويَّات الحسبة حيال ظرفٍ استثنائيّ، يمكن أن يُغني عن الكثير من الشرح والتفصيل..
يُذكَر أنَّ شيخ الإسلام ابن تيميةٍ رحمه الله، مرَّ يوماً مع بعض تلاميذه على قومٍ من التتار أطفأت الخمر عقولهم، مع ادِّعائهم انتحال الإسلام، فأراد مرافقوه أن ينكروا عليهم فعلتهم عملاً بنظام الحسبة، فقال لهم ابن تيمية: دعوهم... الله تعالى يقول: "إنَّما يريد الشيطان ليوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وعن الصلاة..."؛ وهؤلاء يصدُّهم الخمر عن قتل المسلمين، فدعوهم في سكرهم.
الأولويَّات الشرعيَّة تقدَّم على الأولويَّات الحركيَّة:
وممَّا تجدر الإشارة إليه والتركيز عليه في هذا المجال -لبالغ أهمِّيَّته وعظيم خطورته- وجوب تقديم الأولويَّات الشرعيَّة على الأولويَّات الحركيَّة؛ وأيُّ اهتزازٍ في هذه المعادلة من شأنه أن يأتي على الحركة كلِّها وعلى التنظيم برمَّته.
والمشروع الإسلاميُّ الذي أسس له الإمام الشهيد حسن البنّا، جعل التنظيم في خدمة الإسلام كما جعل مصلحة الأمَّة مقدَّمةً على مصلحة التنظيم.
كان الإمام المجدِّد رضي الله عنه وأرضاه يؤسِّس لمشروع نهضة الأمَّة وابتعاثها، وكان يعتبر التنظيم وسيلةً هذه النهضة وأداة ابتعاثها، ولم يكن التنظيم لديه هدفاً من أهداف الجماعة.
وممَّا يؤثَر عنه أنَّ الكثيرين ممَّن أُعجِبوا بمنهجه من زعماء الأحزاب والتنظيمات، كانوا يقبلون عليه راغبين في الانتظام بالحركة، فكان يدعوهم للبقاء في مواقعهم مبيِّناً لهم المصلحة الإسلاميَّة الكبرى التي يمكن أن تتحقَّق من ذلك للمشروع الإسلاميِّ الذي يستوعبهم جميعاً، وهم في مواقعهم.
إنَّ عدم الأخذ بفقه الأولويَّات في العمل الحركيِّ يمكن أن يجعل الحركة في حالةٍ من انعدام وزن، يجعلها تخبط خبط عشواء، كما يمكن أن يصيب العمل في ما يشبه حال الالتباس أو الضياع، حيث تضطَّرب القواعد والمعايير فيصبح أوَّل الشيء آخره، وآخر الشيء أوَّله، كما يصبح عالي الأمر أسفله وأسفل الأمر عاليه؛ وصدق الله تعالى حيث يقول: "أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أم من يمشي سويًّا على صراطٍ مستقيم، قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون"؛ صدق الله العظيم، وصلى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
أخي الكريم،
هكذا وضَّح لك أستاذنا الدكتور فتحي يكن ما عليك عمله، ودعني أفصِّله لك في ثلاث نقاط:
النقطة الأولى:
الإسلام لم يطلب منَّا أن نكون كلُّنا عسكريِّين، ولا كلُّنا شيوخا، ولا كلُّنا علماء اقتصاديِّين أو سياسيِّين أو اجتماعيِّين.. إلخ.
كلُّ ما أراده الإسلام منَّا هو تحقيق فرض الكفاية على المسلمين في كلِّ المجالات، بحيث لا يحدث عجزٌ في مكانٍ ما أو تخصُّصٍ ما، فتتحمَّل الأمَّة كلُّها وزر هذا التقصير إلى يوم القيامة.
ولعلَّ في اللفظ القرآنيِّ إ شارةٌ لطيفةٌ لهذا الأمر حين قال تعالى: "وما كان المؤمنون لينفروا كافَّةً فلولا نفر من كلِّ فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقَّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون". فما كلُّ المؤمنين فقهاء، ولا هذا مطلوبٌ منهم، ولكن لتقم بذلك طائفة، تحقِّق الغرض، وتفي بالمطلوب.
هذا هو وضعك الآن، فقم بدورك على أكمل وجه، وارفع عن أمَّتك فرض الكفاية في ذلك، أيًّا كان تخصُّصك.
النقطة الثانية:
إنَّ ممَّا هو معروفٌ أنَّ المكان والظروف تحكمان الإنسان –أيَّ إنسان- في ترتيب أولويَّاته وواجباته، فمن في نابلس وجنين ورام الله بفلسطين الآن ليس من المقبول ولا المنطقيِّ شرعاً أن يترك أهله وبلده ليخرج للعمل في الخارج مثلا، لأنَّني أخشى بذلك أن يكون ممَّن يتولَّى، ومن ثَمَّ يحقِّق للعدوِّ ما يريد.
كما أنَّ من بالخارج الآن ليس مطلوباً منه أن يترك مكانه الذي هو فيه ليذهب إلى فلسطين أو إلى بلده الأصليّ، لأنَّه إن حاول الذهاب إلى فلسطين فلن يستطيع دخولها، وإن دخلها كيف سيصل إلى أن يقدِّم شيئاً هناك وهو الغريب عن البلدة وأهلها، ثمَّ هو إن ذهب إلى بلده الأصليِّ فماذا سيفعل؟ وماذا سيقدِّم لفلسطين؟؟ إنَّه في هذه الحالة سيكون عاجزاً عاطلاً لا فائدة منه.
ما العمل إذن؟
العمل أن نبذل كلَّ ما نستطيع من أجل التفوُّق في مجالنا والبروز فيه خدمةً لأمَّتنا، أن نلتزم في أنفسنا، أن نتقن كلَّ ما نعمل أو نقول، أن نربِّي أنفسنا على الجهاد إيمانيًّا ونفسيًّا وبدنيّا، وقد فصَّلت الحديث في هذا في الاستشارة التالية:
هكذا نربي أنفسنا على الجهاد
النقطة الثالثة:
الحالة الوحيدة التي يصبح لا مفرَّ من الجهاد على كلِّ مسلمٍ عندها، هي حين تُستنفَر الأمَّة كلُّها للجهاد في سبيل الله تعالى، ويصبح الجهاد فرض عين، وهذه لها شروطٌ وضوابط وملابساتٌ كثيرة، لا يتَّسع المجال للحديث عنها هنا، كما أنَّ الحديث فيها لا يكون من عامَّة الأمَّة، وإنَّما عبر العلماء الثقات الصادقين، العالمين بقواعد دينهم وأصوله، والفاهمين لمقتضيات العصر وأحداث الواقع.
أخيرا –أخي-، عَضَّ على جذع التزامك، وتمسَّك بإتقانك وإجادتك في كلِّ شيءٍ في حياتك، وربِّ نفسك كي تكون جاهزاً حينما يُطلَب منك ذلك.
أصلح الله تعالى حالنا جميعا.. ومرحباً بك... المحرر.
* نشرت هذه الاستشارة للمرة الأولى على صفحتنا بتاريخ 14 أبريل 2002. |
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|