English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
د.ليلى الاسم
هكذا ندعم فلسطين.. ونربي أنفسنا.. مشاركة العنوان
الأخ الكريم كمال المصري،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يَرِد إلى صفحتكم أسئلةٌ عن الجهاد والمقاومة، وتحاولون أنتم في ردودكم أن تربطوا الإخوة القرَّاء بأيِّ كلمةٍ عن فلسطين حتى لو لم يكن السؤال ذا علاقةٍ كبيرةٍ بها، وخاصَّةً بعد ورود رسائل الفهم للأخ الدكتور/ جمال؛ وبعد اشتعال الأوضاع في الأرض المحتلة بشكلٍ أشدَّ من قبل، فأحببت أن أكتب شيئاً عن هذه المأساة، وهي مأساتنا نحن قبل أن تكون مأساة إخوتنا في فلسطين، لأنَّهم يقومون بدورهم ويؤدُّون واجبهم غير عابئين بالمخاطر ولا مبالين بالنتائج، وأغلبهم يحمل روحه على كفِّه، وليس له سلاحٌ سوى بندقيَّةٍ أو حجر، مقابل دبَّابةٍ لا تُبقِي ولا تذر؛ ولم يبق بيتٌ إلا وفيه شهيد، ولم تخل عائلةٌ من ابنٍ يتيمٍ أو أمٍّ ثكلى أو زوجةٍ أرملة، ولم يسلم فردٌ منهم من إعاقةٍ جسديَّةٍ أو جلوسٍ بدون عملٍ أو فقدانٍ للأمن والأمل، أو غير ذلك من ابتلاء الله ليكفِّر عنهم سيئاتهم أو يزيد في حسناتهم أو يرفع درجاتهم؛ فهم معذورون أمام الله عكس حالتنا عندما نقف بين يدي الله العليِّ الجبَّار، ويسألنا عمَّا قدَّمنا وأخَّرنا، ويحاسبنا على كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، وليس لنا ما يشفع لنا كما عند إخوتنا في فلسطين، إذا صبروا على مصابهم: "ذلك بأنَّهم لا يصيبهم ظمأٌ ولا نصبٌ ولا مخمصةٌ في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍّ نيلاً إلا كُتِب لهم به عملٌ صالحٌ إنَّ الله لا يضيع أجر المحسنين".

ثمَّ هل هي مأساتنا في الآخرة فقط؟ هل من غير المحتمل أنَّ ما يحدث في فلسطين سوف يمتدُّ إلينا؟
كلٌّ منَّا يعلم قصَّة الثيران الثلاثة, فلا أحد ينسى قول الثور الأخير قبل أن يأكله الأسد: "أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض"، وهذه عاقبة كلِّ من يُسلِم أخاه إلى الموت غير عابئٍ لما يجري له، وفي الحديث: "ما من امرئٍ يخذل امرءاً مسلماً في موطنٍ يُنتَقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطنٍ يحبُّ فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلماً في موطنٍ ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطنٍ يحبُّ فيه نصرته"رواه أحمد بسندٍ صحيح.
فكيف بنا وهذا الخذلان الجماعيّ؟ لذلك عندما أقرأ عنواناً في صحيفة: "أمريكا وإسرائيل تتَّفقان على تقسيم المنطقة من جديد" لا يشدُّني عنوانٌ كهذا ولا أحاول أن أقرأ ما كُتِب تحته، فأنا أظنُّ أنَّنا نستحقُّ أن يصيبنا ما أصاب إخوتنا، وأرجو أن يخيب ظنِّي، لكن المقدِّمات كما تلوح لي ذات ارتباطٍ كبيرٍ بالنتائج.
اعذروني إذا كنت لن أتطرَّق إلى الأمر من الناحية السياسيَّة، وذلك لإدراكي أنَّ وضع اللوم على الحكام والرؤساء ليس من ورائه طائل، رغم أنَّني أعرف أنَّ الله يُصلِح بالسلطان ما لا يُصلِح بالقرآن، ولكنَّني أدرك أيضاً أنَّه كما "تكونوا يُوَلَّ عليكم"، ونحن كشعوبٍ لا نستحقُّ خيراً من حكَّامنا.

أعود إلى فلسطين؛ فأقول: جميلٌ أن تخرج الجماهير العربيَّة في مظاهراتٍ تعمُّ الشارع العربيَّ كلَّه الآن، لكن أن يكون بين هؤلاء المتظاهرين "مخنَّثين" يصيحون: "افتحوا باب الجهاد"، فهذا ما لا يقبله عقل، إذ كيف يجاهد المخنَّث؟
ولنفرض أنَّ حكَّامنا فتحوا باب الجهاد، وانطلق هؤلاء الشباب –ومنهم الصادقون حقّا، المتحرِّقون للجهاد شوقا-، وأمسك كلُّ واحدٍ منهم ببندقيَّة، فهل يعرف كيف يستعملها؟
سمعت أنَّه في بعض البلاد العربيَّة يقوم الشباب الجامعيُّ بمعسكراتٍ تدريبيَّةٍ على حمل السلاح، لكن هل هذا يكفي؟
ولنفرض أكثر بأنَّ جيوشنا ستنطلق لتدكَّ إسرائيل الآن، فهل جنودنا مستعدُّون لخوض الحرب؟
كم عدد المقتنعين من أفراد جيوشنا بأنَّ عملهم هو جهادٌ في سبيل الله؟ كيف يدافع عن الوطن من روحه المعنويَّة في الحضيض؟ كيف ترفع الحجر أو البندقيَّة أو السيف أو غيره يدٌ لم تشهد يوماً لله بالوحدانيَّة؟ كيف يستقبل العدوَّ بشجاعةٍ من لا يستقبل القبلة في اليوم خمس مرَّاتٍ بخشوعٍ وخشية؟ كيف ينطلق القلب قبل اللسان بالدعاء طالباً من الله النصر وقد قضى هذا القلب سنواتٍ طوالاً لا يهفو إلا إلى الهوى والشهوات؟ كيف يستطيع الجسد أن يقف صامداً أمام العدوِّ وهو لم يعتد إلا على العيش الرغيد؟ كيف يُشهَر السلاح في وجه الغاصب بدون كلمة بسم الله؟ وإذا تذكَّرها حامل السلاح فهل لها معنى إذا لم تكن تُقَال في الرخاء قبل أن تُقَال في الشدَّة؟ كم عدد الذين يجاهدون أنفسهم قبل أن يطالبوا بإفساح المجال لهم ليجاهدوا عدوَّهم؟ كم عدد الذين يستطيعون كبح جماح أنفسهم عن الوقوع في مستنقع الحرام إن لم نقل عن الغرق في بحر المباح؟
أنا لا أريد تثبيط العزائم، ولكن أريد أن نعرف نقاط ضعفنا لنتغلَّب عليها، وضعفنا ليس في عددنا ولا في عدَّتنا، بل هو في إيماننا، نعم فمن آمن بالقرآن يجب أن يؤمن بكلِّ حرفٍ فيه، ومنه هذه الآيات الكريمة: "كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله"، ومنه: "وما كان الله ليضيع إيمانكم إنَّ الله بالناس لرؤوفٌ رحيم"، ومنه: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبِّت أقدامكم"، ومنه: "والله معكم ولن يَتِرَكم أعمالكم".
وأبسط ما علَّم الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه هو قوله لغلامٍ كان خلفه -هو ابن عباس رضي الله عنهما-: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيءٍ لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعت الأقلام وجفَّت الصحف"رواه الترمذيُّ وصحَّحه.
كم منَّا يفهم هذا الحديث حقَّ الفهم ويطبِّقه قلباً وقالبا؟ قليلٌّ جدّا، فأكثرنا لا يتذكَّر الله إلا وقت حاجته: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسَّه الشرُّ فذو دعاءٍ عريض"، مع أنَّ المؤمن يجب أن يعرف أنَّه بحاجةٍ إلى الله في كلِّ نَفَسٍ ولحظةٍ وطرفة عين، فكيف نتخلَّى عن الله ثمَّ نطلب منه النصر؟! إضافةً إلى أنَّ منَّا من يفهم الحديث خطأً في شطره الأخير فيتكلَّم حين يَحسُن السكوت، ويسكت حين يُطلَب الكلام, والسبب أنَّنا نفتقد البصيرة التي لا تكون إلا مع التقوى والإيمان: "يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به"، وهذا النور هو بصر القلب الممتدُّ إلى كلِّ جارحةٍ من الجوارح، كما في الحديث القدسيّ: "ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصِر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، وإن استعاذني لأعيذنَّه"رواه البخاري.

لنتذكَّر سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف استطاع أن ينشر الإسلام خلال 23 سنةً فقط في ربوع الجزيرة العربية، بدءاً ببناء الفرد ذي العقيدة الإيمانيَّة الفريدة، وكان ذلك في مكَّة، ثمَّ هاجر إلى المدينة حيث وضع حجر الأساس للدولة الإسلاميَّة ببناء المسجد، ثمَّ آخى بين المهاجرين والأنصار، ولن أتكلَّم سوى عن هذه النقاط الثلاثة:
أوَّلا: بناء الفرد المؤمن؛ وأنا أتساءل، أين المؤمن بيننا؟
كلُّنا نصلِّي، فكم منَّا يَعِي في صلاته أكثر ممَّا يلهو عنها؟
كلُّنا نقرأ القرآن، فكم منَّا يتجاوز القرآن حلوقهم إلى صدورهم؟
كلُّنا نصوم، فمن منَّا صيامه يختلف عن فطره؟
كم منَّا يدرك معنى الإيمان القلبيّ، وأنَّه يجب أن يكون له ما يرفده من الإيمان العمليِّ والأخلاق؟
من منَّا يفكِّر أن يحاول أن يصل لتلك المرتبة المتألِّقة، ألا وهي الإحسان؛ أن تعبد الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك؟
كم منَّا من يفهم الإسلام على أنَّه عقيدةٌ وعبادةٌ وعملٌ وجهاد؟
من منَّا يستطيع الموازنة بين دنياه وآخرته فلا تُلهِه الأولى عن الثانية؟
من منَّا يستطيع أن يخلص النيَّة لله حتى في أدنى أعماله الدنيويَّة؟
لماذا ضيَّعنا مفهوم الآية الكريمة: "قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين"؟
كلُّ حركةٍ وكلُّ سكنةٍ وكلُّ أخذٍ وكلُّ عطاءٍ وكلُّ عملٍ وكلُّ راحةٍ وكلُّ كلمةٍ وكلُّ نظرةٍ يجب أن يكون فيها فائدتها الدنيويَّة أو الأخرويَّة، وإذا كانت دنيويَّة فلنقصد بها أن تعيننا على الدين فنكسب ثواب الدنيا والآخرة؛ فلماذا لا أقصد أنَّ راحتي لله إذا كنت قد تعبت؟ ولماذا لا أنوي من رياضتي أن يُقوَّى جسدي على طاعة الله في العبادة والجهاد؟ ولماذا لا أقصد أن أزور قريبي أو أساعد جاري أو أهشَّ للناس في عملي بُغيَة وجه الله؟

لماذا يسألكم الشباب دراستي أم الدعوة؟ عملي أم ديني؟ لماذا نسينا الكثير من تعاليم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وكمثالٍ عندما مرَّ وأصحابه على رجلٍ يعمل فرأوا من جلده ونشاطه، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان"رواه الطبرانيُّ بسند صحيح.
في الحقيقة نحن بحاجةٍ إلى تربيةٍ إيمانيَّةٍ جديدة، تصقل الفكر وتصبغ الوجدان وتُنمِّي العقل وتُطهِّر القلب.

ثانيا: بناء المسجد؛ وهو اللبنة الأولى التي تجمع المسلمين، ومنها ينطلق الدعاة مرشدين معلِّمين، فأقول: ما أكثر مساجدنا، وما أقلَّ المصلِّين!
كم عدد الذين يصلُّون الفجر في المساجد؟
كم عدد الذين يقومون للتهجُّد ولو ركعتين قبل الفجر؟
أين هم الذين قال الله عنهم: "في بيوتٍ أذن الله أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسمه يسبِّح له فيها بالغدوِّ والآصال، رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله يخافون يوماً تتقلَّب فيه القلوب والأبصار"؟
كم عدد هؤلاء الرجال بيننا، الذين يتَّصفون بهذه الصفات التي امتدحها الله سبحانه؟
ثمَّ أين هو الداعية فارس النهار وراهب الليل؟
أين الداعية الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، وبالتالي يعرف كيف يجذب الأطفال والصغار قبل الشباب والكبار؟
وإذا وُجِد هل يعرف كيف يتابعهم ويُشرِف عليهم؟
كيف يعطيهم من نفسه وروحه؟
رحم الله من قال: "إن الشيخ أو المربِّي يُربِّي تلاميذه ومريديه بالنظر، كما تربِّي السلحفاة أولادها"، والمقصود طبعاً أنَّه يرفعهم بحاله لا بمقاله، فأين هذا المربِّي الموصول بالله؟
أين هذا الفرد الأمَّة؟
أين هو الشخص الربَّانيّ؟

أضرب مثلاً من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، أنَّه عندما ذهب إلى المدينة وجد أكثر أهلها قد أسلموا، رغم أنَّ عدد من بايعوه عند العقبة في البيعة الأولى والثانية معاً لم يتجاوزوا المائة, لكنَّه أرسل معهم مصعب بن عمير رضي الله عنه، الذي كان أجمل وأنعم فتىً في مكة، ومع ذلك عندما استشهد في غزوة أحدٍ لم يكن لديه ما يُغطَّى به سوى ثوب، إذا غطُّوا رأسه ظهرت رجلاه، وإذا غطُّوا رجليه بان رأسه، هذا الصحابي الصادق استطاع أن يبثَّ بين جوانب المدينة الإيمان والمحبة، وبذلك هيَّأها لمجيء الرسول عليه الصلاة والسلام، فخرج أهلها يستقبلونه بالدفوف وأكثرهم لم يعرفه إلا من خلال مصعب الذي علَّمهم شيئاً مهمًّا -بلا شكّ-، وهو أنَّه لا إيمان لمن لا محبَّة له، فأحبُّوا رسولهم وبذلوا في سبيل المبدأ مهجهم وأرواحهم، فأين دعاتنا من مصعب وأمثاله؟ وأقصد من هذا المثل أيضا أنَّ ما ينقصنا فعلا هو المحبَّة، فهي المحرِّك الأساسيُّ للعمل، ولذلك أتساءل: هل ديننا أغلى من أرواحنا؟ هل رسولنا أحبُّ إلينا من أنفسنا التي بين جنبينا؟
المشكلة في أكثر الدعاة –وعندما أقول أكثر فمعنى هذا أنَّ هناك استثناءات- أنَّهم يريدون أن يضمُّوا العدد الأكبر إليهم وبأسرع وقتٍ ممكن، ويعملون على تغييرهم ظاهراً دون الاهتمام بإصلاح الباطن، رغم أنَّ قول الله واضح: "وذروا ظاهر الإثم وباطنه"، ولذلك نرى أنَّ أكثر الدعوات تمتدُّ عرضاً لكن لا أثر لها في عمق النفس، بينما إذا رجعنا إلى السيرة نرى أنَّه عندما أسلم عمر رضي الله عنه في نهاية السنة السادسة للبعثة كان عدد الموجودين في دار الأرقم والذين خرجوا في "المظاهرة" أربعين، أي أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لم يهتمَّ بالكمِّ بقدر ما اهتمَّ بالكيف، فأربعون شخصاً خلال ستِّ سنواتٍ عددٌ قليلٌ جدّا، رغم أنَّ الداعية هو الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، المؤيَّد بوحي السماء.
وقد يقول قائل: السبب أنَّه يُغيِّر عقيدةً والدعوة كانت سريَّة؛ لا ليس هو السبب فيما أعتقد، بل نحن بحاجةٍ إلى بناء عقيدتنا فكراً ووجداناً من جديد، سواء كانت دعوتنا سريَّةً أم جهريَّة، وبناء العقيدة لا تختلف صعوبته كثيراً عن تغييرها.

لماذا أرى الشخص الغربيَّ عندما يُسلِم يتغيَّر كلُّ شيءٍ في داخله، وآخر ما يفكِّر فيه تغيير مظهره، بينما نحن نبدأ باللحى وتقصير الثوب والسواك؟
إيمان الغربيِّ يأتي صادقاً قويًّا لأنَّه عانى حتى وجد ربَّه، أمَّا نحن فربُّنا أكرمنا بمعرفته بسهولةٍ إذ أنزل القرآن بلُغَتنا، ولكن ما بال عقيدتنا ليست ذات تأثيرٍ كبيرٍ في حياتنا؟

ثالثا: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ عندما كان الأنصاريُّ يُقسِّم ماله وبيته ومسكنه بينه وبين أخيه المهاجر، وهنا يخطر لي سؤال: لماذا عندما هُجِّر الفلسطينيون في نكبة 1948، لم يفعل آباؤنا مثل الأنصار؟ ممَّا اضطَّر أكثر المُهجَّرين إلى العيش في المخيَّمات في أسوأ الظروف؟ وإن كان لا يصح أن أُحاسِب الأموات، وأسأل الله الرحمة لهم، لكنَّني أضرب المثل فيما لو حصل لإخوتنا في الضفة الغربيَّة وغزَّة -لا سمح الله- ما حصل لأبناء بلدهم سابقاً وهُجِّروا من بيوتهم، فمن منَّا مُستعدٌّ لاستقبال عائلةٍ في بيته؟
حسنا، لا أقول عائلة، بل من منَّا مستعدٌّ أن يُنفِق على شخصٍ آخر؟ أليس هذا الشخص أخاً مسلماً والرسول عليه الصلاة والسلام قد قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلِمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة"متَّفقٌ عليه؟، عدد الفلسطينيين في الأرض المقدَّسة –وأرجو أن نستخدم هذا التعبير بدل الأرض المحتلَّة لنتذكَّر أن معركتنا مع اليهود مقدَّسةٌ أيضا- يكاد يتجاوز الخمسة ملايين، بينما عدد المسلمين مليارٌ أو مليارٌ ونصف، ومن هذا المليار هناك 20% تحت خطِّ الفقر ولكن هناك 20% في مستوى الغنى، أي ما يعادل 200 مليون على الأقلّ، يقدر كلٌّ منهم على الإنفاق على شخصٍ آخر على الأقلّ، فهل يوجد من بين هؤلاء المائتي مليونٍ خمسة ملايين فقط يفكِّرون بدعم الخمسة ملايين الذين يموتون كلَّ يومٍ من القصف والحصار والجوع والعطش؟

اتَّصلت البارحة بأختٍ من فلسطين فأخبرتني أنَّ الماء والكهرباء مقطوعتان عن أكثر المدن والقرى الفلسطينيَّة منذ شهر، فهل يتخيَّل أحدٌ تلك الحياة التي يعيشها إخوتنا المسلمون الذين عاهدوا الله على الموت في سبيل الأقصى؟ نحن نصرخ إذا قطعت الكهرياء عندنا يوماً واحدا، ونولول إذا فقدنا الماء لساعات، فماذا فعلنا نحن لإخوتنا؟
لماذا نقول: النقود لا تصل، مع أنَّها تصل إذا بحثنا عمَّن يُوصِلها، وأخلصنا النِّيَّة لله ليقبل العمل ويساعدنا على إكماله؟
لماذا لا نربِّي أولادنا على الشعور بمأساة إخوتهم؟ لا نتأخَّر عن طفلنا ونحاول إرضاءه بأيِّ شكل، وهذا شيءٌ طيِّبٌ لنفسيَّة أولادنا، لكن هل علَّمناهم حقاً الامتناع عن البيبسي، والكولا، والبيتزا هت، وغيرها؟
أنا أفتخر بابني –بفضل الله طبعا- وعمره 10 سنوات عندما أقول له: سأكفل يتيماً من فلسطين، فيجيبني: لو كان معي نقودٌ لكفلت أطفال فلسطين كلَّهم، وأُسرُّ من الأصغر منه عندما أقول له: سأتبرَّع بنصف مرتَّبي لفلسطين، فبكم ستتبرَّع أنت؟ فيقول: بكلِّ ما في حصَّالتي من نقود، أُشجِّع ابني عندما لا يمنعني من التصرُّف بأيِّ لعبةٍ من ألعابه القديمة إلا لعبةً أهداه إيَّاها أحد الجرحى الفلسطينيِّين لأنَّها هديةٌ من أخيه الفلسطينيّ، أطلب من ابني أن يترك اللعب قليلا ليرسم فكرةً عن فلسطين فيرسم علم فلسطين لكن في وسطه كلمة لا إله إلا الله، أو طفلاً يرمي حجرا، أو إرهابيًّا سفَّاحاً إسرائيليًّا مُشوَّه الوجه، أو مدمِّرةً أمريكيَّةً تحترق، لأنَّه يدرك ما تفعله إسرائيل ومن ورائها أمريكا بشعب فلسطين.

قضيَّة فلسطين يجب أن يتوارثها الأبناء عن الآباء لأنَّ المعركة القادمة أخطر بكثيرٍ ممَّا يجري الآن، ولن تقف أطماع إسرائيل عند الفرات والنيل، بل هي تسعى حتى إلى المدينة حيث كان أجدادهم في خيبر يسعون.
فهلاَّ علمنا أنَّنا لن ننتصر على إسرائيل إلا إذا وصلنا إلى مستوى المهاجرين والأنصار الذين قال الله عنهم: "للفقراء المهاجرين الذين أُخرِجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوَّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبُّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً ممَّا أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ومن يُوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون".
عندما نصل إلى الإيمان الفرديِّ الصادق والإيثار الجماعيِّ الحقيقيّ، لن يخذلنا الله سبحانه ولابدَّ أن يُوجَد بيننا أبطالٌ كصلاح الدين -كما يحلم الكثيرون-.

هذا ما خطر لي -أخي كمال-، ولعلَّ الله ينفع بكلماتي.

وأختم بما ختمت به مشاركتي عن فلسطين في صفحة الحلول والمشاكل بأجمل ما قرأته عن فلسطين:
"قطفوا الوردة.. قالت: من ورائي برعمٌ سوف يثورْ..
قطعوا البرعم: قالت: غيره ينبت في رحم الجذورْ..
قلعوا الجذر من التربة.. قالت:
إنَّني من أجل هذا اليوم خبَّأت البذورْ..
كامنٌ ثأري بأعماق الثرى..
وغداً سوف يرى.. كلُّ الورى..
كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبورْ..
تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهورْ.."

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السؤال
2002/04/07 التاريخ
قضايا وشبهات, ثقافة ومعارف الموضوع
الدكتور كمال المصري المستشار
الحل
أختي الكريمة الدكتورة ليلى،
قد عشت مع كلماتك بكلِّ جوانحي، عقلي يقرأ ويتدبَّر ويفهم، قلبي ما بين انقباضٍ وانبساط، انقباضٍ كلَّما وردت كلمةٌ تذكِّرنا بحالنا، وانبساطٍ وأنا أرى ابنيك بهذا السموِّ والفهم، ويدي تتحرَّك وكأنَّها تريد أن تقبض أيَّ شيءٍ وتقذفه، تقذفه في وجه من؟؟ ما أكثر من يستحقُّون ذلك.

أكثر ما يهمُّني التأكيد عليه في رسالتك هو حديثك عن تربية الأبناء على مفهوم الانتماء للأمَّة، وما اجمل كلماتك: "لماذا لا نربِّي أولادنا على الشعور بمأساة إخوتهم؟ لا نتأخَّر عن طفلنا ونحاول إرضاءه بأيِّ شكل، وهذا شيءٌ طيِّبٌ لنفسيَّة أولادنا، لكن هل علَّمناهم حقاً الامتناع عن البيبسي، والكولا، والبيتزا هت، وغيرها؟".

ليتحرَّك الجميع على كافَّة المستويات والأصعدة:
ليرفع الكبار راية تكوين "الخمسة مليون أنصاريّ" لدعم الخمسة مليون بطلٍ في فلسطين.
لتنظر الأمَّهات والآباء إلى مفهوم تربية الأولاد نظرةً جديدة.
لنجعل ألعاب صغارنا تدور حول مقاومة الظلم والظالمين، بل وكلِّ ظلمة.
باختصار.. لنعيد ترتيب حياتنا من جديد.. هلاَّ فعلنا؟؟

أؤيِّدك تماماً –أختي ليلى- في ما قلت، رغم وقوفي أمام بعض كلماتك، خاصَّةً التي أحسست فيها بنبرة قسوةٍ زائدة، ولكنَّني لن أعلِّق عليها لعلمي بأنَّها قسوة المحبِّ لأمَّته، الخائف عليها.

شكراً أختي ليلى.. وحقّا.. لن تبرد ثارات الزهور.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث