أخي الكريم محمد،
أشكرك أولا على سؤالك القيم هذا، وهو في الحقيقة يضع نقاط إضاءة وتنوير على هذه المسألة التي شغلت، وما زالت أذهان العاملين في الحقل الإسلامي.
وسأعرض الآن للقضية من الجوانب التالية:
1- جانب العهد المكيّ.
2- الجانب التاريخيِّ لنشوء التنظيمات السرِّيَّة الحديثة.
3- الربط.
4- اليوم.
1- جانب العهد المكي:
لن أطيل الحديث في هذا الأمر، حيث إنَّه – كما سنرى في النقاط التالية - ليس هو أساس نشوء التنظيمات السرِّية الحديثة، ولا هو مرجعها الشرعي إلا من جانب ضيق جدّا.
ما يعنيني هنا هو أن أقرِّر أن المرحلة المكية كانت لها ظروفها التشريعية الخاصة، وظروفها "التنظيميَّة" الخاصَّة، فالمسلمون كانوا حديثي عهد بالدين الجديد، وهذا الدين الجديد مبدؤه يقوم على التدرُّج، فكان لابد أن يتدَّرج تشريعيا بما يمكِّنهم من تحقيقه وتطبيقه، فتدرَّجت التشريعات بناء على ذلك.
أمَّا الظروف "التنظيميَّة" لهذه المرحلة فكانت تقديراتٌ من القائد لما يخدم الكيان الذي يقوده ويحافظ عليه، سواء بقرار المواجهة أو بقرار عدم المواجهة حسب ما تقتضيه الحالة والظروف، وما يحقِّق المصلحة، وقارئ السيرة الجيد يستطيع أن يصل بسهولة إلى هذه المواقف باختلافاتها وتعدُّداتها وظروفها.
2- الجانب التاريخي لنشوء التنظيمات السرِّية الحديثة:
نستطيع القول بأنَّ المفهوم التنظيمي السرِّي الحديث بدأ مع جمال الدين الأفغاني بمصر، حين فكَّر في إنشاء كيان يواجه به الاستعمار، الذي كان يحيط بالعالم الإسلامي من كل مكان وجانب، فأسَّس تنظيما عُرِف أو سمَّاه المؤرخون بـ"حكومة الظل"، قصد من خلاله تكوين كوادر وقيادات تعيد للأمَّة مجدها.
ثمَّ لمَّا طُرِد جمال الدين الأفغانيُّ من مصر لأسباب تتعلَّق بتنظيمه، سافر إلى فرنسا، وبباريس أسَّس مع الشيخ محمد عبده تنظيما آخر سُمِّي "العروة الوثقى"، وهدفا من خلاله مواجهة الاستعمار الإنجليزيِّ للعالم الإسلاميّ، والعمل على نهضة الأمَّة، وخلال هذه الأثناء أصدرا مجلَّة "العروة الوثقى".
ثمَّ ما لبث أن انفصل محمد عبده عن الأفغاني، وسافر – أي محمَّد عبده - إلى مصر، وأسَّس هناك مع رشيد رضا ومحب الدين الخطيب تشكيلا جديدا عُرِف بـ "الوعظ والإرشاد"، وبنَوا فكرة هذا التشكيل على رؤيتهم أن العدو الأجنبي دخل بلاد المسلمين عبر جانبين هامَّين: التعليم والإعلام، فبدءوا بإنشاء المدارس الإسلاميَّة، وأصدروا مجلَّتي "الفتح" و"المنار" كبداية لدخولهم المجال الإعلاميّ.
جديرٌ بالذكر أن جمال الدين الأفغاني قد يكون تأثَّر في فكره "التنظيمي"هذا بالتنظيمات الصوفيَّة التي ظهرت في تلك الأثناء كشكل تنظيميّ يحارب الاستعمار في منطقة وسط آسيا، ولمعرفة التفصيل حول هذه التنظيمات الصوفيَّة، اقرأ من فضلك الموضوع التالي:
الصوفية المقاتلة
من هذا الجوِّ ظهر "التنظيم الخاص" للإخوان المسلمين كعمل سرِّي هدفوا من ورائه مقاتلة المستعمر الأجنبيِّ في مصر، وامتدَّ نشاطهم للمشاركة في الجهاد على أرض فلسطين، وقد بُني تفكيرهم في بناء التنظيم وتأسيسه على الأسس التي قام بها تنظيم العبَّاسيِّين في دعوتهم ومحاولاتهم للقضاء على الدولة الأموية وإقامة الدولة العباسيَّة.
ثمَّ توالت بعد ذلك التنظيمات السرِّية الإسلامية، وكان قيام معظمها لمحاربة المستعمر والمحتل إلى أن جاء عصرنا الحاضر بتنظيماته السرِّية التي قامت في زمن تخلَّصت فيه معظم الدول الإسلامية من المحتلِّين.
3- الربط:
من النقطتين السابقتين نجد أن:
- استدلال البعض على قيام التنظيمات السرِّية بالمرحلة المكية هو استدلال بعيد.
- قيام التنظيمات السرِّية حديثا كان أساسا لمقاومة المحتل والمستعمر الأجنبي، من هذا كانت تستمدُّ شرعية وجودها، وعلى مقاومته كانت تتغذَّى، ودورها في هذا كان دورا رائدا فعَّالا، شهدت الوقائع والأيام به، وبفضله، وبنجاحه في المساعدة على إخراج المستعمرين.
4- اليوم:
يبقى هذا هو السؤال، ما الحاجة للتنظيمات السرِّية اليوم؟
كنَّا في الاستشارات قد تعرَّضنا لهذا الأمر من قبل في ثلاث استشارات: اثنتين منها لأستاذنا الدكتور فتحي يكن، وسأذكر لك عناوينها في آخر هذه الاستشارة، ولكنَّ ملخَّصها يقول:
- الأصل في العمل الإسلامي أن يكون جهريّا علنيا، لأن الهدف من العمل هو تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس كافَّة، مصداقا لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)
- قد تكون هناك حالاتٌ تستلزم العمل غير الظاهر، كورود طارئ شديد يحوله إلى السرية، وهذه ضرورةٌ تقدَّر بقدرها.
- إن وُجِد هذا الطارئ وتلك الضرورة، فما حدوده وضوابطه؟ ومن الذي يحدِّده ويقرِّر درجته؟
- كانت في وقت من الأوقات ظروفٌ اضطرَّت للعمل السري وفق فتاوى حركية قيلت آنذاك، وكما علَّمنا فقهاؤنا أن الفتاوى الفقهية تتغيَّر باختلاف الزمان والمكان والظروف، أليس من الطبيعي أن تخضع الفتاوى الحركية لذلك التغيُّر أيضا؟ قضيةٌ تحتاج أن نعيد النظر فيها مرَّات ومرَّات.
- الواقع يقول أنَّ في معظم الدول الإسلاميَّة هناك إمكانية للعمل والتحرُّك الظاهر العامّ.
- من أكبر العوائق التي تمنع الحركات الإسلاميَّة من العمل الظاهر الطبيعي هو نظرتها "السياسيَّة" وتطلُّعاتها للحكم.
- ينبغي أن يقود العملَ الإسلامي التفكير في خدمة الناس وتحقيق مصلحتهم، وليس التفكير في كرسي الحكم.
- الواقع اليوم يفرض على الحركات والجماعات الإسلاميَّة أن تُخرِج من عقولها فكرة التنظيمات السرية تحت الأرض.
شكرا - أخي محمد - على سؤالك القيِّم، وأصلح الله الحال.
استشارات ذوات صلة:
- أيهما أفضل في الدعوة: العمل الجهري أم العمل السري؟
- الإسلاميون والسياسة.. الإصلاح أم الحكم؟
- نحو عمل دعوي أكثر تنظيما
- "العمل التنظيمي" .. شرط لاكتمال الإيمان!!
|