 |
طارق
- مصر
|
الاسم |
 |
| المعصية والدعوة .. هل يجتمعان؟ |
العنوان |
إلى الدكتور فتحي يكن:
إني والحمد لله أتمتع بمستوى ثقافي وعلمي واجتماعي جيِد، وعلى قدر طيِب من الالتزام، وقد لاقيت والحمد لله توفيقاً في مجال الدعوة، وتعلَّق الناس في بلدتي بي كثيرا.
ولكني في الفترة الأخيرة وجدتني أقع في الكثير من المعاصي التي لم يكن من السهل الإقلاع عنها، ففكرت جِدِّياً في الكفِّ عن الدعوة؛ وذلك خوفاً من عقاب الآخرة، لأني قرأت عن ذلك كثيراً.
فبم تنصحني؟
|
السؤال |
| 2007/02/06 |
التاريخ |
|
قضايا وشبهات, إيمانيات
|
الموضوع |
|
الدكتور فتحي يكن
|
المستشار |
 |
 |
|
أخي الكريم طارق حفظك الله، وثبَّتنا وإيَّاك على طريقه القويم وصراطه المستقيم.
هالني حالك، وأفزعني مقالك وسؤالك، أيُعقل أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
القضيَّة الأساسيَّة لا تكمن في اقتراف أحدنا لمعصية، فكما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "كلُّ بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون" رواه أحمد والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه بسندٍ صحيح، وفي الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "لو لم تخطئوا لجاء الله عزَّ وجلَّ بقومٍ يخطئون ثمَّ يستغفرون، فيغفر لهم" رواه الإمام أحمد بسندٍ صحيح.
إنَّني هنا لا أهوِّن من أمر المعصية، وإنَّما أعجب لخيار المعالجة، الذي من شأنه أن يزيد المشكلة تعقيداً والأمر سوءا -لا قدَّر الله-.
ألا تعلم - أخي الكريم - أنَّ قيامك بأمر الدعوة هو في حدِّ ذاته علاج، وأنَّ هذا العلاج إن لم ينفع اليوم فسينفع غداً بإذن الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ فلاناً يصلِّي بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: "سينهاه ما تقول" رواه الإمام أحمد بسندٍ صحيح.
إن "الكفَّ عن الدعوة" يعني الخروج من دائرة الرعاية والحماية الربانيَّة، ويعني الانغماس أكثر فأكثر فيما أنت تشكو منه، ويعني اختيار طريق الغواية لا الهداية، أعاذني الله وإيَّاك أن نكون من سالكيها.
ثم إنَّ ما تقع فيه من المعاصي – على حدِّ قولك – لَيحتاج إلى توقُّف وتأمُّل وتفكير، وإلى استكشاف أسباب ذلك ومعالجته، وليس إلى الهروب منه، فأعمال الإنسان هي ثمرات غرسه ونِتاج تكوينه، وقد يحتاج أحدنا إلى إعادة النظر في الغرس والتكوين، إن جاء الثمر سقيماً وغير سليم.
فمن أسباب الخلل أحيانا: عدم ترتيب الأعمال والاهتمامات وفق الأولويَّات الشرعية والمراتب التكليفية، كأن يكون اهتمامنا بالآخرين أكثر من اهتمامنا بأنفسنا، وهو مخالفٌ لقوله تعالى في تبيان الأولويَّات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
ومن أسباب الخلل كذلك: عدم معرفتنا لعوامل نجاحنا وتوفيقنا كدعاة في مجال دعوة الآخرين، والثبات على ما ندعو إليه، كتنقيتنا وتصفيتنا الدائمة لشوائب أعمالنا وتصرُّفاتنا، ممَّا يداخلها ويدخل عليها ويعتريها من نوازع الرياء والشهرة والمصلحة وغيرها، والذي أشار إليه سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: "من نصَّب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، ومعلِّم نفسه ومهذِّبها أحقُّ بالإجلال من معلِّم الناس ومهذِّبهم".
ثم إننا في زمن يستهلك الإيمان والقِيَم والأخلاق استهلاكاً كبيرا، ممَّا يحتاج إلى مضاعفة الإنتاج الإيمانيِّ والقِيَميِّ والأخلاقيّ، خوفاً من التعرُّض للإفلاس.
وأخيرا، فإنَّ علينا كمسلمين وإسلاميِّين ودعاة، أن نجعل التوبة والإنابة إلى الله مخرجنا من كلِّ ضيق، وملجأنا من كلِّ مكروه، والكير الذي ينفي خبثنا، ويشحذ همَّتنا، ويوقظنا من غفلتنا.
فكيف نقنط ونحبَط ونحن نقرأ قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ).
إن لمعالجة ما يعترض طريقنا من عقبات، وما نقع فيه من معاص ومخالفات، طرائق أخرى شرعية، وليس في تخلِّينا عن دعوتنا، وخسارتنا الكلِّيَّة لأنفسنا.
ولقد عبَّر الإمام البوصيري عن هذه المعاني مجتمعة فيما نظم شعراً جاء فيه قوله:
يا نفسُ لا تقنطي من ذِلِّةٍ عَظُـمـَت إنَّ الكبـائر في الغفـران كـاللَّممِ
لعلَّ رحمة ربِّـي حيـن يقسمهــا تأتي على حسب الغفران في القسمِ
فاصرف هـواها وحاذر أن تولَّيـَه إنَّ الهوى ما تولَّى يُصْمِ أو يَصِـم
وخالف النفس والشيطان واعصِهما وإن هما محَّضاك النصح فاتَّهـمِ
ولا تطع منهما خصـماً ولا حَكَمـاً فأنت تعرف كَيد الخصم والحكَـمِ
واستفرغ الدمع من عينٍ قد امتـلأت من المحارم والزم حمية النــدم
ولا ترُم بالمعاصي كسـر شهوتهـا إنَّ الطعام يقوِّي شهـوة النهِــم
أعانك الله تعالى، وأيدك بتوفيقه وطاعته.
استشارات ذوات صلة:
- العاصي التائب.. عقبات في طريق الالتزام
- الداعية "المعصوم".. ضرب من الوهم!
- الضعف البشري مقاومة أم استسلام؟
- ويمنعني الرياء
|
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|