English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
shereef   - مصر الاسم
بين الحجاب والخمار: "المفهوم" و"الملتزمون" العنوان
أنا في الوقت الحالي خاطبٌ لفتاةٍ طيِّبةٍ ومطيعة، ولكنَّها تجادلني في أمر الخمار، لا لأنَّها رافضةٌ له، ولكن لأنَّها تريد الاقتناع التامَّ به، حيث إنَّها تقول لي أنَّ المقصود في قوله تعالى: "وليضربنَّ بخمرهنَّ على جيوبهنّ" إلى آخر الآية الكريمة المقصود بـ"جيوبهنّ" هي حدود الصدر على لسان شيخٍ جليلٍ قال هذا في التليفزيون، وبالتالي لا تريد أن تلبسه في مقدِّمة حياتنا إلا بعد فترةٍ طويلة.
أريد منكم التكرُّم علينا بما يفيدني لإقناعها بلبس الخمار بكلِّ ما ورد في أمر الخمار من فائدته لها دينيًّا ودنيويّا، وما الطريقة المناسبة للحديث عن هذا الأمر بدون إثارة الضيق لها عند الحديث عن هذا الأمر؟ أرجو أن أكون أوصلت ما أريده منكم، أثابكم الله.
السؤال
2001/06/09 التاريخ
الدعوة الفردية, ثقافة ومعارف, العائلة الموضوع
الدكتور كمال المصري المستشار
الحل
أخي الكريم شريف، بارك الله لك حرصك والتزامك، ولا أكتمك حديثاً أنَّني توقَّفت كثيراً أما استشارتك، فسؤالك –أخي الكريم- غير واضحٍ بعض الشيء، ولم أستطع أن أفهم بوضوحٍ الفارق بين ما تريده وما عليه خطيبتك، وأقصى ما وصل إليه فهمي هو أنَّها محجَّبةٌ حجاباً شرعيّا، وأنت تريدها أن ترتدي ما تعارف "الملتزمون" على تسميته بـ"الخمار" وهو لباسٌ له صفةٌ وهيئةٌ تزيد على صفة وشكل الحجاب، والحقيقة أنَّني لا أدري من أين أتى "الملتزمون" بهذا المعنى، إذ أنَّ المعنى اللغويَّ ليس في صالح هذا المصطلح، إذ الحجاب أوسع وأعمُّ معنىً من الخمار، والخمار جزءٌ من مكوِّنات الحجاب، عموماً ليس هذا مجال حديثنا، وإنَّما هي ملاحظةٌ عابرةٌ قد تفيد في إعادة تصحيح المفاهيم –أيَّة مفاهيم- في أذهاننا.

ولأهميَّة هذا الأمر، أمر الحجاب والخمار، فقد رأيت أن أترك الحديث فيه لأهله، فطلبت من الأخت داليا يوسف المحرِّرة المسؤولة عن صفحة "حوَّاء وآدم" بالموقع أن تجيب على استشارتك، فأجابت طلبي مشكورةً وقالت:
"بدايةً نهنِّئك –أخي- على خطبتك، ودعاؤنا أن يبارك الله لك ولعروس المستقبل الطيِّبة المطيعة -كما وصفتها- ويبدو أنَّ الله قد أكرمها أيضاً بخاطبٍ له من ذات الخصال الطيِّبة، إذ أنَّك تُعنَى بشأنها، وتتلَّمس طرق نصحها دون أن تسبِّب لها ضيقاً أو حرجا.
والآن، دعنا نحدِّد مدخل حديثنا، إذ يبدو لي من سطور رسالتك أمر، وهو أنَّه لا خلاف بينك وبين خطيبتك حول حكم الحجاب، فهي ترتديه، وإنَّما الخلاف بينكما حول أوصافه، وقد أوضح العلماء والمفسِّرون أوصاف الحجاب، والذي ورد حكمه في الآية الكريمة في سورة النور: "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنَّ ويحفظن فروجهنَّ ولا يبدين زينتهنَّ إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهنَّ على جيوبهنّ.."، وأوصاف الحجاب كما يلي:
1- أن يغطِّي جميع الجسم عدا ما استثناه القرآن الكريم في قوله "إلا ما ظهر منها"، وأرجح الأقوال في تفسير ذلك أنَّه الوجه والكفَّان.
2- ألا يشفَّ الثوب ويصف ما تحته.
3- ألا يحدِّد أجزاء الجسم ويبرز مفاتنه.
فإذا كانت ما ترتديه خطيبتك يحوي هذه المواصفات أيًّا ما كان شكل حجابها؛ مستديراً أو مستطيلا، ملفوفاً أو مسدلا، فقد أدَّت فرض ربِّها بعيداً عن القوالب والأسماء التي اعتدنا أن نطلقها على شكلٍّ معيَّنٍ لزيٍّ معيَّن، فإذا ما وجدتَّها قد خالفتْ وبالغتْ في عدم مراعاة هذه المواصفات فأكرمها –كما أكرمها دينها- بنقاشٍ هادئٍ يخاطب القلب والعقل معا.

أخي، إنَّني ما تطلَّعتُ إلى أمرٍ من أمور ديننا أو دنيانا ممَّا اعتدنا على رؤيته أو إتيانه إلا وجدتني في حاجةٍ إلى الوقوف أمامه، وإعادة اكتشافه وتجديد الإحساس به، ولن أضيف شيئاً إذا ما تحدَّثت عن الحجاب فلو جُمِع ما كُتِب في أمره لأقام بنايةً شاهقة، ولن تجد صعوبةً في الحصول -من هذه المؤلَّفات- على بغيتك، ولكنَّني أذكر أمرين منها فقط، لأنَّهما يجدِّدان –دائماً- الإحساس بالحجاب لا كأمرٍ مفروض وكفى، بل كمفردةٍ في منظومةٍ كاملةٍ لهذا الدين:
أولهما: أنَّه إعلان موقف "طاعة" شأنه شأن العبادات التي ظاهرها المشقَّة والتقييد، وباطنها الرحمة والتحرُّر من سلطان البشر والشهوة، والحجاب في هذا الإطار لا يُعدُّ بضعة أشياء زائدة، بل سمتٌ وخصوصيَّةٌ لها ديمومتها التي لا تتغيَّر مع حوادث البدع.

ثانيهما: أنَّني ما أمعنت النظر في مسألة الحجاب إلا وجدتُّها غاية التكريم للإنسان عامَّة، وللمرأة على وجه الخصوص، بما استقرَّ له من أثرٍ في صون العفَّة، وفي الضبط الاجتماعيّ، فالحجاب فرضٌ على المرأة حينما تخرج للمجتمع تحديداً لأنوثتها، وإبرازاً لحقيقة تكليفها شأنها شأن الرجل كما في قوله تعالى:"من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحييَّنَّه حياةً طيبةً ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون"، هذا التكليف الذي أوجد لها مكاناً معلوماً في مدرسة النبوَّة، فهي: تصلِّي في المسجد، وتحضر دروس العلم، وتسافر مع الرجال إلى مسافات الجهاد، وتخدم الجرحى وتسقي الماء، هذا المناخ الذي توافر للجميع حتى جعل من بينهنَّ من قدَّمت نماذج في مختلف المجالات: في ساحات العلم فتظهر عائشة تتفقَّه وتروي وتحدِّث، وتظهر في ميادين الجهاد نسبية بنت كعب تحمل السلاح وتذود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحنكة والسياسة كما فعلت أمُّ سلمة حين أشارت على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يحلق يوم الحديبية.
وهذا كلُّه لم يمنع أن تكون داخل بيتها الزوجة المحبَّة، والأنثى الرقيقة، التي تبدي زينتها، وتتفنَّن لتصير لزوجها سكنا، ويكون لها كذلك وهي الابنة أن تنعم بين محارمها بتدلُّلها الحييِّ وبالحرِّيَّة والأمان معا.
أمَّا حينما نتخلَّى عن هذا التكريم فسيظهر -كما اتضَّح لنا- أشدُّ أنواع العنف ضدَّ المرأة فيما يُظَنُّ أنَّه موضع تحرُّرٍ من القيود، إذ تتوه المعايير التي تحدِّد قيمة ما تؤدِّيه من تكليفاتٍ لهذا المجتمع، وتعامَل كسلعةٍ قابلة للاستهلاك، وهو أمرٌ يستدعي الإشفاق أكثر ممَّا يستدعي السخط على من يُقدِم عليه.

هذا آخر ما أردت أن ألقي الضوء عليه، ودعنا نقول: إنَّه في ظلِّ حكمة هذا الشرع الكريم، اسمح لي أن نخرج من هذه المساحة التي نتَّفق بشأنها إلى مساحة مراجعةٍ لخطابك بل لخطابنا في مناخ مَن يُعرَفون بـ"الملتزمين" أو مَن في طريقهم لذلك، ولا تظنَّني أخصُّك بهذا الحديث فأنا أعلم أنَّك لا تقصد ذلك، وإنَّما هي دعوةٌ كي نُراجع مقولاتنا جميعا، فإنَّ ما أثار هذا الأمر هو حرصك الواضح في رسالتك على مناقشة أمر شكل حجاب خطيبتك، ذلك أنَّنا قد وضعنا في خطابنا للمرأة تحديداً مركزيَّةً شديدةً لمسألة الحجاب، وما مراجعتي لهذا الأمر إنكاراً لضرورته أو تهميشاً لأمره، أبدا، إنَّما رغبةً في أن ننظر لمنظومة القيم التي اشتملت على الحجاب، وجاءت –كما أسلفت- لتنفذ إلى القلب والعقل معا، منظومةٍ ضمنت العدل والحقَّ والعفَّة وحسن الخُلُق ونظافة اليد.
نحتاج إلى مراجعةٍ تدعو لتسيير تلك المنظومة لنخلق بها مناخاً تصلح معه أمور ديننا ودنيانا، وقتها يسكن الحجاب تلقائيًّا في مكانه على خريطة حياتنا.

كان سؤالي وأنا أتلفَّتُ يمنةً ويسرى في سنواتي الجامعيَّة عن المعارض السنويَّة التي تقوم بها جماعات النشاط في المسجد والجامعة عن الحجاب، والملصقات التي اكتست بها الحوائط والأبنية، لماذا لم تُعَدَّ معارض وأنشطة توعيةٍ مماثلةٍ تتحدَّث عن ظواهر امتلأت بها ساحاتنا الجامعيَّة ومقاعد الدراسة؛ كالغشِّ الجماعي – استغلال النفوذ – انحدار المستوى العلميِّ للطلبة والأساتذة على السواء، لماذا لا نستجيب استجابةً فاعلةً لما يحدث حولنا؟ وهل الالتزام مرادفٌ لطقوسٍ ومظاهر نظلُّ نجهر وننادي بها دون التفاتٍ لمقاصدها وغاياتها.
إنَّ الالتزام الحقيقيَّ يخلق وعياً بما حولنا، وعياً اجتماعيّا، مثَّله أروع تمثيلٍ الفاروق عمر رضي الله عنه، حين قال له رجل: إنَّ فلاناً رجل صدق، فقال له: "هل سافرت معه؟" قال: لا، قال: "فهل كانت بينك وبينه معاملة؟" قال: لا، قال: "فهل ائتمنته على شيء؟" قال: لا، قال: "فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد؟!".
هكذا أخي التزام المرء –ذكرٍ أو أنثى- يُعْرَف ويستدلُّ به عليه بسلوكه في حياته طولها وعرضها.

دعنا نسهم في أن نخلق وعياً لأنفسنا وللآخرين بهذه الحقيقة، وأن ننحت مفهوماً معاشاً لكلمة الالتزام ووصف الملتزمين، فمن يتابع ما يصل إلينا في الموقع في هذه المساحة الفاعلة المضيئة أو في غيرها من الصفحات كـ "مشاكل وحلول الشباب" أو "الاستشارات التربويَّة" تتأكَّد له حقيقةٌ هامَّة، وهي ضرورة وقوفنا على هذه الكلمة وتحليلنا لمردودها في أذهاننا وفي حياتنا.

فاعتنِ أخي وخطيبتك بأن تتعارفا وتتناقشا حول منظومةٍ كاملةٍ من القيم نقاشاً وتعارفاً واعياً بالواقع من حولكما، واحرص على أن تنسج من خيوط صفات خطيبتك -الرقيقة- رباطكما الوثيق، وأن تحفظها وعقلها فتكون الفائز برفيقة دربٍ وشريكة عمرٍ تتمتَّع بالخُلُق الكريم والعقل الواعي في عالمنا المفتوح الذي يموج بالتقلُّبات والتغيُّرات، ويحتاج لمن يمتلك رؤيةً واعية، ويقف على أرضيَّةٍ ثابتةٍ من دينه ومبادئه، ويتعامل ويشتبك مع واقعه بثقةٍ منطلقةٍ من فهمٍ ووعي.

أتمَّ الله نعمته عليكما، ورزقنا بكما بيتاً مسلماً يضمُّ بين جنباته زوجاً كريماً وزوجةً تقيَّةً وأبناءً يكونون قرَّة عينٍ لكما وللمسلمين، ورزقنا وجميع أخواتنا العفَّة في أسمى معانيها، حتى تُقتَبس منَّا كما وصف الشاعر محمود حسن إسماعيل هذا المعنى قائلا:
قدسيَّة الألحاظ إمَّا رنت……. قبَسْتُ من أجفانها عفَّتي
وعلى الله قصد السبيل".

وبنهاية حديث الأستاذة داليا، لم يبقَ إلا أن أثنِّي على دعوتها ضرورة أن نراجع مفاهيمنا من جديد، وأن نفكِّر فيها ونمحِّصها، فما احتاج منها إلى تصحيحٍ صحَّحناه، وما تثبَّتنا من صحَّته أكَّدنا عليه في نفوسنا أوَّلاً ثمَّ مع الناس، واقتنعنا بأنَّنا نأوي إلى ركنٍ شديد.
ويبقى موضوع "الحجاب" و"الخمار" أخي شريف بيديكما، وبعيداً عن المسميَّات، إن كان حجابها حجاباً شرعيًّا كاملا، فلا حاجة لك –في رأيي- إلى إرغامها على ما هو أكثر منه، وإن كان ليس كذلك فاطلب منها أن تكمله حتى ترضي به ربَّها سبحانه ورسولها عليه الصلاة والسلام، وفي إرضائهما رضى الكون وما فيه.

ولعلَّه من المفيد أن تطَّلع -أخي الكريم- على فتوى الدكتور القرضاوي في الحجاب، وعنوانها:
ما حكم الحجاب؟ وما أوصافه؟

بارك الله لك فيها، وبورك لها فيك، وأنتظر منك الجديد.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث