|
|
|
 |
رشاد
|
الاسم |
 |
| اختلاط الجنسين.. ضوابط شرعيَّةٌ ودعويَّة |
العنوان |
من الضروريِّ على كلِّ مسلمٍ تحرِّي الحلال والحرام، وخاصَّةً إن كان من العاملين في الحقل الإسلاميّ، وقد وجدت بعض الأمور تتمُّ في العمل الدعويِّ وأظنُّها فرديَّة التصرُّف لا يقرُّها المسئولون عن العمل الإسلاميّ:
الأمر الأوّل: هل يجوز للمرأة أن تقدِّم برنامجاً من السمر والمرح أمام رجالٍ أجانب، كأن يكونوا مع بعضٍ في حافلة، وطبيعة هذا البرنامج تتطلَّب خفَّة الظلِّ والمرح والابتسامة التي تملأ وجه مقدِّمة البرنامج؟ ألا يُعتَبر هذا من لين القول والخضوع فيه؟ وإن كانت أمِنت الفتنة على نفسها، فهل أمنت من أن يُفتَن أحد الحضور بها، وخاصَّةً عندما يتمُّ هذا الأمر بحجَّة أنَّه عملٌ دعويٌ ولله؟
الأمر الثاني: هل يجوز على النساء اللاتي يعملن في الحقل الدعويِّ أن يقمن بالغناء في العرس في وجود رجالٍ أجانب، وأن يختلط الزوج العريس بهؤلاء النسوة ويسمع غناءهنَّ مع معرفته الشخصيَّة بهنّ؟
نرجو من سعادتكم سرعة الردّ، وجزاكم الله خيرا. |
السؤال |
| 2001/05/15 |
التاريخ |
|
الدعوة النسائية, آداب وأخلاق, ثقافة ومعارف
|
الموضوع |
|
الدكتور كمال المصري
|
المستشار |
 |
 |
|
أخي الكريم رشاد، أوافقك تماماً فيما بدأتَ به حديثك من ضرورة تحرِّي كلِّ مسلمٍ للحلال والحرام، وتزداد هذه الدائرة حجماً حين يتعلَّق الأمر بالعاملين في الحقل الإسلاميّ، لأنَّ الكثير من الناس -شئنا أم أبينا- يعتبرون ما يتصرَّفه هؤلاء الدعاة من الإسلام، ولذلك نبَّه إمامُ المدينة يحيى بن سعيد إمامَ مصر الليث بن سعد -وقد أراد أن يفعل أمراً ليس بالذنب، ولكنه ينافي العزيمة-: "يا إمام، لا تفعل، فإنك منظورٌ إليك".
كما أوافقك وأشكرك على حسن ظنِّك بإخوانك وأخواتك حين قلت: "أظنُّها فرديَّة التصرُّف"، فلم تعمِّم، ولم تتَّهم، وأتمنَّى لو أضفت إلى ذلك حسن الظنِّ بمن يقومون بهذا العمل، حتى مع اختلافك معهم واعتبارك لهم مخطئين، فالاختلاف لا يعني سوء الظنّ، وعلى العموم فسنتطرَّق لهذا الأمر بعد قليلٍ بإذن الله تعالى.
أمَّا بالنسبة لسؤاليك، فسأجيبك عنهما بعد أن أذكر ثلاثة أمورٍ هامَّةٍ يحسن وضعها كقواعد في آداب تعامل الرجال والنساء، وهم:
أوَّلا: آدابٌ مشتركةٌ بين الرجال والنساء:
وهي مجموعة آدابٍ يجب على الرجال والنساء الالتزام بها عند التقائهما ببعضهما البعض، وتشمل:
أ- القول المعروف: قال تعالى: "وقلن قولاً معروفا"، فيجب على الرجال والنساء أن يكون حديثهما في حدود المعروف، وألا يتضمَّن منكرا أو لهواً ولعبا.
ب- الغضَّ من البصر: قال تعالى: "قل للمؤمنين يغضُّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إنَّ الله خبيرٌ بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنَّ ويحفظن فروجهنّ"، قال الإمام ابن العربيّ: ""يغضُّوا": يعني يكفُّوا عن الاسترسال"، وقال الإمام ابن دقيق العيد: "إنَّ لفظة "من" للتبعيض، ولا خلاف أنَّها "أي المرأة" إذا خافت الفتنة حرم عليه النظر، فإذن هذه حالة
"أي حالة الفتنة" يجب فيها الغضّ، فيمكن حمل الآية عليها، ولا تدلُّ الآية حينئذٍ على وجوب الغضِّ مطلقاً أو في غير هذه الحالة".
ج- اجتناب المزاحمة: روى الإمام البخاريٌّ عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم –أي لانتهاء الصلاة- قام النساءُ حين يقضي تسليمه، ومكث يسيراً قبل أن يقوم"، قال ابن شهابٍ الزهريّ: "فأرى والله أعلم أنَّ مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهنَّ من انصرف من القوم"، ويؤيِّد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لو تركنا هذا الباب للنساء"رواه أبو داود والسيوطيّ، وصحَّحه الألبانيُّ في صحيح الجامع الصغير.
فكما تجتنب المزاحمة في الطرقات والمداخل والمخارج تجتنب كذلك في الأماكن العامَّة.
د- اجتناب الخلوة: روى الإمام البخاريّ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا مع ذي محرم"، قال الإمام ابن حجر: "فيه منع الخلوة بالأجنبيَّة، وهو إجماع".
على أنَّ مسألة الخلوة فيها تفصيلٌ كبير، من حيث شروط الخلوة، وخلوة رجلٍ بجمعٍ من النساء، وما إلى ذلك ممَّا يصعب الحديث فيه هنا، فيحسن الرجوع إليه في كتب الفقه.
هـ- اجتناب مواطن الشبهة: روى الإمام البخاريُّ عن عمر رضي الله عنه أنَّه قال: قلت يا رسول الله، يدخل عليكم البَرُّ والفاجر، فلو أمرت أمَّهات المؤمنات بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب"، وقال صلى الله عليه وسلم: "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك"رواه الترمذيُّ والحاكم، وقالا: هذا حديثٌ صحيح.
ثانيا: آدابٌ خاصَّةٌ بالنساء:
وهي مجموعة آدابٍ على النساء بالذات الالتزام بها، وتشمل:
أ- الالتزام بالزيِّ الإسلاميّ: قال تعالى: "وليضربن بخمرهنَّ على جيوبهنَّ ولا يبدين زينتهنَّ إلا ما ظهر منها"، وقال سبحانه: "يا أيُّها النبيُّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنَّ من جلابيبهنّ"، وقال عزَّ وجلّ: "ولا تبرَّجن تبرُّج الجاهليَّة الأولى".
فعلى النساء جميعاً الالتزام بالزيِّ الشرعيِّ وفق ما فصَّلته كتب الفقه.
ب- الجديَّة في التخاطب: قال تعالى: "فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض".
ج- الوقار في الحركة: قال تعالى: "ولا يضربنَ بأرجلهنَّ ليعلم ما يخفين من زينتهنّ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عاريات، مميلاتٌ مائلات، رؤوسهنَّ كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنَّة ولا يجدن ريحها، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"رواه مسلم.
ثالثا: مبادئ ينبغي وضعها في الاعتبار:
وهي:
أ- العمل بقاعدة "سدِّ الذرائع": بحيث تكون مقياساً نحكم به لقاء الرجال بالنساء، مع التنبيه إلى أنَّ هذه القاعدة ليست مطلقة، بل لها شروطٌ وضوابط وضعها العلماء، فيجب عند تطبيق القاعدة الالتزام بشروطها.
وقد تعرَّضت لهذه القاعدة بالتفصيل في استشارةٍ سابقة، وخلاصة القول فيها أنَّه:
1- ينبغي أن يتوافر شرطان لكي تُمنَع وسيلةٌ موضوعةٌ للمباح:
الشرط الأول: أن يكون إفضاؤها للمفسدة غالباً لا نادرا.
الشرط الثاني: أن تكون مفسدتها أرجح من مصلحتها وليس مجرَّد مفسدةٍ مرجوحة، ثم لا يكون المنع بعد توافر الشرطين تحريماً قاطعا، بل هو بين الكراهة والتحريم حسب درجة المفسدة.
2- إذا كانت الوسيلة تقضي إلى مفسدة، ولكنَّ مصلحتها أرجح من مفسدتها، فالشريعة لا تبيحها فحسب، بل قد تستحبُّها أو توجبها حسب درجة المصلحة.
فهذه القاعدة من المبادئ الهامَّة التي ينبغي الرجوع إليها في شأن التقاء الرجال بالنساء.
عنوان الاستشارة التي فصِّل الكلام فيها عن قاعدة سدِّ الذرائع:
الدعوة والحجاب أمام غير المسلمة.. مشكلةٌ وحلّ
ب- العمل بتقدير الحاجات والمصالح: بحيث لو تخلَّف شرطٌ أو أدبٌ من آداب هذا اللقاء، نقدِّم ما هو أجلب للمصلحة، يقول الإمام ابن تيمية: "لا ينبغي أن يُنظر إلى غلظ المفسدة المقتضية للحظر إلا ويُنظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن، بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب".
ج- البعد عن سوء الظنّ: فقد يخالف بعض المسلمين –رجلاً كان أم امرأة- أدباً من آداب اللقاء عن جهلٍ أو ضرورة، وعندها ينبغي على المسلمين أن يحذروا من سوء الظنَّ بإخوانهم وأخواتهم، وليتَّقوا الله ويحفظوا ألسنتهم، وما حديث الإفك وآيات سورة النور فيها عنَّا ببعيد "إذ تلقَّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ وتحسبونه هيِّناً وهو عند الله عظيم، لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلَّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيم" وفي آيةٍ سابقة "لولا إذ سمعتموه ظنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفكٌ مبين".
مع التأكيد هنا على ضرورة ابتعاد المسلم والمسلمة عن كلِّ مواطن الشبهة واحتماليَّة سوء الظنّ، فقد روى الإمامان البخاريُّ ومسلم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، وعنده أزواجه، فرُحْنَ، فقال لصفيَّة بنت حييّ: "لا تعجلي حتى أنصرف معك"، وكان بيتها في دار أسامة، فخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم معها، فلقيه رجلان من الأنصار، فنظرا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم أجازا –أي مضيا-، وقال لهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "تعاليا، إنَّها صفيَّة بنت حييّ"، قالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: "إنَّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإنِّي خشيت أن يُلقِي في أنفسكما شيئا"، ألسنا أولى بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
د- البعد الشخصيُّ للقضيَّة: هذه القضيَّة –كالعديد من مباحات الدين- يحكمها البعد الشخصيّ، فما هو مباحٌ لدى شخص يحرم لدى الآخر إذا أدَّى به إلى حرام، أو أوشك لذلك غالبا، وهذا أمرُ لا يعلمه إلا الله تعالى، وبالتالي فالمسلم هو المسؤول عنه أوَّلاً وأخيرا، ولا أحد غيره، فليقدِّر كلٌّ منَّا الأمر بقدْره في نفسه، وليتَّقِ الله ربَّه.
وبعد هذه القواعد الثلاث، تعالَ يا أخي رشاد لنرى سؤاليك في ضوئهما:
فالسؤال الأوَّل في تقديم أختٍ لبرنامج سمر، والثاني في رؤية العريس لأخواتٍ يعرفهنَّ تُغنِّين، فأرى –والله أعلم- أنَّ كلا الأمرين لا يجوز، إذ هما خالفا العديد ممَّا ذكرتُ من قواعد، وهي:
- عدم اجتناب مواطن الشبهة.
- عدم الجدِّية في التخاطب.
- خشية أن يؤدِّي ذلك بدرجةٍ كبيرةٍ إلى الوقوع في الحرام، سواءً للأخ أو للأخت.
وأتمنَّى لو حاولت أخي أن تنصح كلَّ طرفٍ بلينٍ وحكمة، إذ ربَّما هم لم ينتبهوا، وإيَّاك ثمَّ إيَّاك من سوء الظنّ، وأعلمني بما فعلتَ يرحمني ويرحمك الله تعالى. |
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|