English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
علاء   - فلسطين الاسم
الإعجاز العلميُّ للقرآن.. بين الإثبات والرفض العنوان
كيف يمكن لي إقناع شخصٍ بوجود الإعجاز العلميِّ، وهو يقول أنَّه لا يوجد سوى إعجازٍ بيانيّ، متحدِّيا بالآية رقم 38 من سورة يونس؟ وشكراً جزيلاً لكم، أرجو الإجابة في أسرع وقت. السؤال
2005/08/15 التاريخ
ثقافة ومعارف الموضوع
الدكتور كمال المصري المستشار
الحل

أخي الكريم علاء؛

ها نحن نريحك ونجيبك في أسرع وقت، وأسأل الله تعالى أن نُحسِن الإجابة، لنجمع لك بين سرعة الإجابة وجودتها.
الآية التي يستدلُّ بها صاحبك هي قوله تعالى: "أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورةٍ مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين".
ولكن اسمح لي بدايةً أن أُعلِمك إلى أنَّك وصديقك لم تخطئا، فقد اختلف العلماء في مسألة وجوه إعجاز القرآن الكريم، وهناك قولٌ يؤيِّدك، وآخر يؤيِّد صاحبك، ودعني أنتهز الفرصة لأعرض أمر الإعجاز بشيءٍ من التفصيل، وسأذكر لك خلال العرض ما تريد.

أوَّلا: تعريف الإعجاز:
الإعجاز: إثبات العجز، والعجز: اسمٌ للقصور عن فعل الشيء، وهو ضدُّ القدرة، وإذا ثبت الإعجاز ظهرت قدرة المعجِز، وإعجاز القرآن: إظهار صدق النبيِّ صلى الله عليه وسلم بإظهار عجز العرب عن معارضته في معجزته الخالدة -وهي القرآن- وعجز الأجيال بعدهم.
والمعجزة: أمرٌ خارقٌ للعادة، مقرونٌ بالتحدِّي، لا يمكن معارضته.

ثانيا: كيف تحدَّى النبيُّ العربَ بالقرآن؟
تحدَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم العرب بالقرآن الكريم، وقد عجزوا عن معارضته مع طول باعهم في الفصاحة والبلاغة، ومثل هذا لا يكون إلا معجِزا، فقد ثبت أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم تحدَّى العرب بالقرآن على مراحل ثلاث:
أ- تحدَّاهم بالقرآن كلِّه في أسلوبٍ عامٍّ يتناولهم ويتناول غيرهم من الإنس والجنّ، تحدِّياً لا طاقة لهم به، قال تعالى: "قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرا".
ب- ثمَّ تحدَّاهم بعشر سورٍ منه في قوله تعالى: "أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنَّما أنزل بعلم الله".
جـ- ثمَّ تحدَّاهم بسورةٍ واحدةٍ منه في قوله: "أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورةٍ مثله"، وكرَّر هذا التحدِّي في قوله: "وإن كنتم في ريبٍ ممَّا نزَّلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله".

ثالثا: وجوهُ إعجاز القرآن الكريم:
اختلف العلماء في وجوه إعجاز القرآن الكريم إلى أقوالٍ أربعة:
القول الأوَّل: القرآن معجِزٌ ببلاغته التي وصلت إلى مرتبةٍ لم يعهد لها مثيل.


القول الثاني: إنَّ وجه إعجازه في تضمَّنه البديع الغريب المخالف لما عهد في كلام العرب من الفواصل والمقاطع.

القول الثالث: إعجازه في الإخبار عن المغيَّبات المستقبليَّة التي لا يُطَّلَع عليها إلا بالوحي، أو الإخبار عن الأمور التي تقدَّمت منذ بدء الخلق بما لا يمكن صدوره من أمِّيٍّ لم يتَّصل بأهل الكتاب، مصداقاً لقوله تعالى: "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنتَ تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا".
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في أهل بدر: "سيُهزَم الجمع ويولون الدبر"، وقوله تعالى: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحقِّ لتدخلنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين"، وقوله: "الم، غُلِبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبهم سيَغلِبون، في بضع سنين..."، إضافةً إلى سائر قصص الأنبياء والأوَّلين.

القول الرابع: أنَّ القرآن معجِزٌ لما تضمَّنه من العلوم المختلفة، والحكم البليغة.
يقول الأستاذ منَّاع القطَّان في كتابه "مباحث في علوم القرآن": "والحقيقة أنَّ القرآن معجِزٌ بكلِّ ما يتحمَّله هذا اللفظ من معنى، فهو معجِزٌ في ألفاظه وأسلوبه، والحرف الواحد منه في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.
وهو معجِزٌ في بيانه ونَظْمه، يجد فيه القارئ صورةً حيَّةً للحياة والكون والإنسان، وهو معجِزٌ في معانيه التي كشفت الستار عن الحقيقة الإنسانية ورسالتها في الوجود.
وهو معجِزٌ بعلومه ومعارفه التي أثبت العلم الحديث كثيراً من حقائقها المغيَّبة.
وهو معجِزٌ في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان وتكوين مجتمعٍ مثاليٍ تسعد الدنيا على يديه.
والقرآن -أوَّلاً وآخرا- هو الذي صيَّر العرب رعاة الشاءِّ والغنم ساسة شعوب، وقادة أُمَم، وهذا وحده إعجاز".
ويقول الإمام أبو سليمان الخطَّابيُّ في كتابه "بيان إعجاز القرآن": "فخرج من هذا أنَّ القرآن إنَّما صار معجِزاً لأنَّه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمَّناً أصحَّ المعاني، من توحيد الله وتنزيهه في صفاته، ودعاءٍ إلى طاعته، وبيانٍ لمنهاج عبادته، في تحليلٍ وتحريم، وحظرٍ وإباحة، ومن وعظٍ وتقويم، وأمرٍ بمعروفٍ ونهيٍ عن منكر، وإرشادٍ إلى محاسن الأخلاق، وزجرٍ عن مساويها، واضعاً كلَّ شيءٍ منها موضعه الذي لا يُرى شيءٌ أولى منه، ولا يُتوهَّم في صورة العقل أمرٌ أليق به منه، مودِعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مَثُلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئاً عن الكوائن المستقبليَّة في الأعصار الماضية من الزمان، جامعاً في ذلك بين الحجَّة والمحتجِّ له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكَد للزوم ما دعا إليه، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.
ومعلومٌ أنَّ الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتَّسق، أمرٌ تعجز عنه قوى البشر،ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله".

رابعا:القدر المعجِز من القرآن:
أ- يذهب المعتزلة إلى أنَّ الإعجاز يتعلَّق بجميع القرآن لا ببعضه، أو بكلِّ سورةٍ برأسها.
ب- ويذهب البعض إلى أنَّ المعجِز منه القليل والكثير دون تقييدٍ بالسورة، لقوله تعالى: "فليأتوا بحديثٍ مثله".
جـ- ويذهب آخرون إلى أنَّ الإعجاز يتعلَّق بسورةٍ تامَّةٍ ولو قصيرة، أو قَدْرها من الكلام كآيةٍ واحدةٍ أو آيات.
ولقد وقع التحدِّي بالقرآن كلِّه: "قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرا"، وبعشر سور: "فأتوا بعشر سورٍ مثله"، وبسورةٍ واحدة: "فأتوا بسورةٍ مثله"، وبحديثٍ مثله: "فليأتوا بحديثٍ مثله".
يقول الأستاذ منَّاع القطَّان: "ونحن لا نرى الإعجاز في قدرٍ معيَّن، لأنَّنا نجده في أصوات حروفه ووقع كلماته، كما نجده في الآية والسورة، فالقرآن كلام الله وكفى.
وأيًّا كان وجه الإعجاز أو القدر المعجِز، فإنَّ الباحث المنصف الذي يطلب الحقَّ إذا نظر في القرآن من أيِّ النواحي أحبّ: من ناحية أسلوبه، أو من ناحية علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالم وغَيَّر به وجه التاريخ، أو من تلك النواحي مجتمعة، وجد الإعجاز واضحاً جليّا".

خامسا: الإعجاز العلميّ:(وفيه إثبات ما طلبتَ يا أخي علاء).
اتَّخذ الناس في هذا الأمر مسالك ثلاثة:
الأوَّل: الرفض التامّ، وهو عين ما فعل صاحبك.
الثاني: القبول التامّ، واعتبار كلِّ نظريَّةٍ علميَّةٍ موجودةً في القرآن الكريم.
الثالث: التوسُّط، باعتماد وجود وجهٍ لإعجاز القرآن العلميّ، دون تكلُّف "تركيب" الآيات و"ليِّ عنقها" لتتوافق مع النظريَّات.
أمَّا الفريق الأوَّل فقد جانب الصواب، إذ كيف يبرِّر الآيات الواضحات الدلالة على أمورٍ علميَّةٍ أثبتها العلم بعد ذلك؟ "سترد أمثلةٌ لهذه الآيات".
وأمَّا الفريق الثاني، فيخطئ كثيرٌ من الناس حين يحرصون على أن يتضمَّن القرآن الكريم كلَّ نظريَّةٍ علميَّة، وكلَّما ظهرت نظريَّةٌ جديدةٌ التمسوا لها محملاً في آيةٍ يتأولونها بما يوافق هذه النظريَّة.
ومنشأ الخطأ في هذا أنَّ العلوم تتجدَّد نظريَّاتها مع الزمن تبعاً لسُنَّة التقدُّم، فلا تزال في نقضٍ دائمٍ يكتنفه الغموض أحيانا، والخطأ أحياناً أخرى، وتستمر هكذا حتى تقترب من الصواب، وتصل إلى درجة اليقين، وأيُّ نظريَّةٍ منها تبدأ بالحدس والتخمين وتخضع للتجربة حتى يثبت يقينها، أو يتَّضح زيفها وخطؤها، ولهذا كانت عرضةً للتبديل، وكثيرٌ من القواعد العلميَّة التي ظنَّ الناس أنَّها أصبحت من المسلَّمات تتزعزع بعد ثبوت، وتتقوَّض بعد رسوخ، ثم يَستأنف الباحثون تجاربهم فيها مرَّةً أخرى.
يقول الأستاذ منَّاع القطَّان: "والذين يفسِّرون القرآن الكريم بما يطابق مسائل العلم، ويحرصون على أن يستخرجوا منه كلَّ مسالةٍ تظهر في أفق الحياة العلميَّة، يسيئون إلى القرآن من حيث يظنُّون أنهم يحسنون صنعا، لأنَّ هذه المسائل التي تخضع لسُنَّة التقدُّم تتبدَّل، وقد تتقوَّض من أساسها وتبطل، فإذا فسَّرنا القرآن بها تعرَّضنا في تفسيره للنقائض كلَّما تبدَّلت القواعد العلميَّة، أو تتابعت الكشوف بجديدٍ ينقض القديم، أو يقينٍ يُبطل التخمين".

وأمَّا الفريق الثالث فهو الذي نراه مصيبا، إذ يعتبر من وجوه إعجاز القرآن الكثيرة وجه "الإعجاز العلميّ"، ويُقصَد به هنا موافقة ما ثبت من العلم لآياتٍ واضحة الدلالة في القرآن الكريم، فهنا شروطٌ ثلاث:
1- الأصل في التعامل بين القرآن والنظريَّات والقواعد العلميَّة، أنَّ القرآن هو الأصل، والنظريَّات والقواعد العلميَّة هي التابع، لا العكس.
2- اعتماد ما ثبت من العلم، لا مجرَّد نظريَّاتٍ قابلةٍ للنقض.
3- وضوح دلالة الآيات التي وافقها هذا العلم.
فأيُّ مسألةٍ من مسائل العلم، أو قاعدةٍ من قواعده، يثبت رسوخها، ويتبيَّن يقينها، تكون محقِّقةً لما حثَّ عليه القرآن من تفكيرٍ سليم، ورغم تقدُّم العلوم وكثرة مسائلها لم يتعارض شيءٌ ثابتٌ منها مع آيةٍ من آيات القرآن، فهذا وحده إعجاز.

أمثلةٌ من وجوه الإعجاز العلميِّ في القرآن الكريم:
- "فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يُرد أن يضلَّه يجعل صدره ضيِّقاً حَرَجاً كأنَّما يصَّعَّد في السماء".
وجه الإعجاز: أثبت العلم أنَّ الأوكسجين يقلُّ في طبقات الجوِّ العليا، فكلَّما ارتفع الإنسان في السماء أحسَّ بضيقٍ الصدر، وصعوبةٍ في التنفُّس.
- "أو لم ير الذين كفروا أنَّ السماوات والأرض كانتا رتَقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حيٍّ أفلا يؤمنون".
وجه الإعجاز: أثبت العلم أنَّ الكون كان وحدةً واحدةً ثمَّ انشقَّ إلى قسمين، وكذلك أكَّد العلم على حاجة الحياة إلى عنصر الماء.
- "وأرسلنا الرياح لواقح".
وجه الإعجاز: ما ثبت علميًّا من وجود أنواعٍ من النبات تعتمد في تلقيحها على النقل، ومن أهمِّ وسائل النقل هذه الرياح.
- "فلينظر الإنسان ممَّ خُلِق، خُلِق من ماءٍ دافق، يخرج من بين الصلب والترائب"، "خَلَق الإنسان من علق"، "يا أيُّها الناس إن كنتم في ريبٍ من البعث فإنَّا خلقناكم من ترابٍ ثمَّ من نُطفةٍ ثمَّ من عَلَقةٍ ثمَّ من مضغةٍ مخَلَّقَةٍ وغير مخلَّقة لنبيِّن لكم ونقرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجلٍ مسمًّى ثمَّ نُخرِجكم طفلاً ثمَّ لتبلغوا أشدَّكم...".
وجه الإعجاز: ما ثبت علميٍّا في علم الأجِنَّة من انتقال الجنين في هذه المراحل مذ تمَّ تلقيح الحيوانات المنويَّة للبويضات.
فهذه الإشارات العلميَّة وغيرها كثير، قد جاءت في سياق الهداية الإلهيَّة، وللعقل البشريِّ أن يبحث فيها ويتدبَّر.
وهكذا يتَّضح أنَّ من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم الإعجاز العلميّ، مع التأكيد المستمرِّ على أنَّ الله سبحانه ما جاء بهذا النوع من الإعجاز إلا ليؤكِّد علوَّ كعب القرآن على جميع الخلق، وليؤكِّد صدق رسالة النبيِّ صلى الله عليه وسلم.


وأنقل لك أخيراً -إتماماً للفائدة- كلاماً قيِّماً للأستاذ سيِّد قطب رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: "يسألونك عن الأهِلَّة قل هي مواقيت للناس والحجّ"، فيقول: "اتَّجه الجواب إلى واقع حياتهم العمليِّ لا إلى مجرَّد العلم النظريّ، وحدَّثهم عن وظيفة الأهِلَّة في واقعهم وفي حياتهم، ولم يحدِّثهم عن الدورة الفلكيَّة للقمر وكيف تتمّ؟ وهي داخلةٌ في مدلول السؤال، إنَّ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئيَّة، ولم يجئ ليكون كتاب علمٍ فلكيٍّ أو كيماويٍّ أو طبيّ، كما يحاول بعض المتحمِّسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يلتمسوا مخالفاته لهذه العلوم.
إنَّ كلتا المحاولتين دليلٌ على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال عمله، إنَّ مجاله هو النفس الإنسانيَّة والحياة الإنسانيَّة، وإنَّ وظيفته أن ينشئ تصوُّرًا عامًّا للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربِّه، وأن يقيم على أساس هذا التصوُّر نظاماً للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كلَّ طاقاته، ومن بينها طاقته العقليَّة، التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة، وإطلاق المجال لها لتعمل -بالبحث العلميّ- في الحدود المتاحة للإنسان، وبالتجريب والتطبيق، وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج، ليست نهائيةً ولا مطلقة، بطبيعة الحال.
وإنِّي لأعجب لسذاجة المتحمِّسين لهذا القرآن الذين يحاولون أن يُضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يُحمِّلوا عليه ما لم يقصد إليه، وأن يستخرجوا منه جزئياتٍ في علوم الطبِّ والكيمياء والفلك وما إليها، كأنَّما ليعظِّموه بهذا ويكبِّروه!
إنَّ الحقائق القرآنيَّة حقائقُ نهائيةٌ قاطعةٌ مطلقة، أمَّا ما يصل إليه البحث الإنسانيُّ -أيًّا كانت الأدوات المتاحة له- فهي حقائق غير نهائيةٍ ولا قاطعة، وهي مقيَّدةٌ بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها، فمن الخطأ المنهجيِّ -بحكم المنهج العلميِّ الإنسانيِّ ذاته- أن نعلِّق الحقائق النهائيَّة القرآنيَّة بحقائق غير نهائيَّة، وهي كلُّ ما يصل إليه العلم البشريّ.
هذا بالقياس إلى الحقائق العلميَّة، والأمر أوضح بالقياس إلى النظريَّات الفروض التي تُسَّمى "علميَّة"، فهي قابلةٌ دائماً للتغيير والتعديل والنقص والإضافة، بل قابلةٌ لأن تنقلب رأساً على عَقِب، بظهور أداة كشفٍ جديدة، أو بتفسيرٍ جديدٍ لمجموعة الملاحظات القديمة.
وكلُّ محاولةٍ لتعليق الإشارات القرآنيَّة العامَّة بما يصل إليه العلم من نظريَّاتٍ متجدِّدةٍ متغيِّرة -أو حتى بحقائق علميَّةٍ ليست مطلقةً كما أسلفنا- تحتوى أوَّلاً على خطأٍ منهجيٍّ أساسيّ، كما أنَّها تنطوي على معانٍ ثلاثة، كلُّها لا يليق بجلال القرآن الكريم:
الأولى: هي الهزيمة الداخليَّة التي تُخيِّل لبعض الناس أنَّ العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أنَّ القرآن كتابٌ كاملٌ في موضوعه، ونهائيٌّ في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكلُّ ما يصل إليه غير نهائيٍّ ولا مطلق، لأنَّه مقيَّد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلُّها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقةً واحدةً نهائيَّةً مطلقة.
والثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، وهي أنَّه حقيقةٌ نهائيَّةٌ مطلقةٌ تعالج بناء الإنسان بناءً يتَّفق -بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبيَّة- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهيّ، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله، بل يصادفه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه من خلافته، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له، ليعمل لا ليتسلَّم المعلومات الماديَّة جاهزة.
والثالثة: هي التأويل المستمرُّ -مع التحمُّل والتكلُّف- لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريَّات التي لا تثبت ولا تستقرّ، وكلُّ يومٍ يجدُّ فيها جديد".

وبكلام الأستاذ سيِّد قطب الطيِّب هذا أختم إجابتي، راجياً أن تكون وافيةً قد أصابت عين ما بَغَيْتَ يا أخي علاء، وفي انتظار ردِّك.

جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث