 |
محمد
- مصر
|
الاسم |
 |
| إعراب القرآن: استشارةٌ تفتح قضيَّة |
العنوان |
ورد في القرآن الكريم لفظ الفعل المضارع (يُرْسِل) في سورة نوح مكسورا، مع العلم أنَّ الفعل المضارع يُرفَع ما لم يسبقه ناصبٌ ولا جازم، ما حكم هذا اللفظ؟ الآية: "يرسل السماء عليكم مدرارا…"الآية.
كما ورد لفظ (قبل) مرَّةً مضموماً ومرَّةً مكسوراً بعد كلمة: (من قبل)، وللأسف لا أعرف الآيات، فقد سألني صديقٌ لأبحث له عن الحكم لهذا، فهل هو صادق؟ أرجو المشورة، وجزاكم الله عنَّا خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
السؤال |
| 2001/04/10 |
التاريخ |
|
الدعوة العامة
|
الموضوع |
|
الدكتور كمال المصري
|
المستشار |
 |
 |
|
الأخ الكريم محمد
شكراً لك على سؤالك الذي فتح لنا باباً جديداً في الاستشارات لم يُفتَح من قبلُ (بضمِّ اللام)، وهذا السؤال سيعطينا فرصةً للحديث عمَّا يُطعَن به القرآن الكريم من قِبَل الكثيرين، وهي شبهاتٌ قديمةٌ اعتدنا سماعها، ولا تقوم لأيٍّ منها حجةٌ أو دليلٌ بفضل الله تعالى، ولعلمائنا الكرام السابقين واللاحقين إسهاماتٌ كثيرةٌ في هذا السياق.
ولكن اطمئنَّ يا أخي فسأجيب أوَّلاً على سؤالَيْك، وبعد ذلك سأعلِّق على مسألة طعن الكثيرين في القرآن الكريم إن شاء الله تعالى.
1- بالنسبة لسؤالك عن سبب ورود الفعل المضارع "يرسل" "مكسورا" والأصل في الفعل المضارع أن يكون مرفوعا.
الحقيقة أخي محمد أن الفعل المضارع "يرسل" ليس "مكسورا" هنا، وإنَّما هو مجزوم، كيف ذلك ولماذا؟ لنتأمَّل الأمر سويّا:
يقول تعالى على لسان نوحٍ عليه السلام: "قال ربِّ إنِّي دعوت قومي ليلاً ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإنِّي كلَّما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشَوا ثيابهم وأصرُّوا واستكبروا استكبارا، ثمَّ إنِّي دعوتهم جِهارا، ثمَّ إنِّي أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا، فقلت استغفِروا ربَّكم إنَّه كان غفَّارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددْكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنَّاتٍ ويجعل لكم أنهارا".
"يرسل": فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ لأنه وقع في جواب الطلب، حيث وقع جواباً للأمر "استغفِروا"، فأصل الجملة: "استغفِروا يرسلْ"، ويؤكِّد ذلك الفعل الذي يليه في الآية التالية: ويمددْكم، حيث جاء معطوفاً مجزوما، وكما نعلم جميعاً أنَّ المعطوف يتبع المعطوف عليه في حركة الإعراب.
ستقول: ولكنَّه "مكسور" وليس مجزوماً بالسكون، والحقيقة أنَّ حركة السكون فيه قُلِبت إلى الكسرة نظراً لالتقاء الساكنَيْن، اللام الساكنة في "يرسل" والألف في "السماء"، ولا يجوز التقاء الساكنَيْن في اللغة العربيَّة، فتحركَّت اللام لفكِّ هذا الالتقاء.
وقد ورد في سورة هود عليه السلام آيةٌ مشابهة: "ويا قوم استغفِروا ربَّكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدْكم قوَّةً إلى قوَّتكم ولا تتولَّوا مجرمين".
لاحظ من فضلك الأفعال الثلاثة: "استغفِروا.. يرسل.. يزدْكم".
2-بالنسبة لـ"من قبل" ومثلها "من بعد"، فالقاعدة تقول: "من قبل ومن بعد": ظرفان مبنيَّان على الضمّ.
وقد وردت "من قبل" في أكثر من سبعين موطناً في القرآن الكريم، ومن هذه المواطن:
قال تعالى:
- "قالوا هـذا الذي رُزِقْنا من قبلُ وأُتُوا به متشابها".
- "كذلك كنتم من قبلُ فمنَّ الله عليكم فتبيَّنوا إنَّ الله كان بما تعملون خبيرا".
- "الم، غُلِبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبهم سيَغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ ويومئذٍ يفرح المؤمنون".
فقبل وبعد هنا: ظرفان مبنيَّان على الضمّ.
ولكنَّهما جاءتا "مكسورتين" أيضا، فكيف ذلك؟
"من قبل ومن بعد" تأتيان متضمِّنتين محذوفا، مثالٌ للتوضيح: "لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ" أي: لله الأمر من قبلِ ذلك ومن بعده، فلمَّا أعيد المحذوف وظهر، عادتا لوضعهما الطبيعيِّ في الإعراب وزال عنهما بناء الضمّ، وأُعرِب ما بعدهما مضافاً إليه.
ومن أمثلة القرآن الكريم في ذلك، قوله تعالى:
- "وإن طلقتموهنَّ من قبلِ أن تمسوهنَّ وقد فرضتُّم لهنَّ فريضةً فنصف ما فرضتُّم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى".
- "ولقد كنتم تمنَّون الموت من قبلِ أن تلقَوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون".
- "أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شِرْكٌ في السماوات ائتوني بكتابٍ من قبلِ هذا أو أثارةٍ من علمٍ إن كنتم صادقين".
- "لا يستوي منكم من أنفق من قبلِ الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاًّ وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير".
لاحظ معي يا أخي هذه الآية الأخيرة: "من أنفق من قبلِ الفتح"، "من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا"، لمَّا ظهر المحذوف زال البناء عن "قبل" فأصبحت: "من قبلِ الفتح"، ولمَّا حُذف عادت "من بعدُ" إلى البناء على الضمّ: "من بعدُ وقاتلوا"، ومعناها: من بعدِ الفتح وقاتلوا.
هذا عن إعراب ما طلبتَ، أمَّا ما أودُّ قوله في مسألة الطعن في القرآن، مع علمي الأكيد أنك لم تقصده ولم يخطر على بالك، ولكنَّني انتهزتها فرصةً للحديث عن هذا الأمر نظراً لأهميَّته، فما أودُّ قوله هو:
يعرف أهل العربيَّة ومن تعلَّمها جيِّداً من غيرهم، أنَّ اللغة العربية هي لغة البيان والفصاحة والبلاغة، وهي اللغة المتميِّزة من حيث القدرة على التعبير بمنتهى الدقَّة والوضوح والإيجاز، كما أنَّها لغة المجاز، فبحر المجاز والصور البيانية، والتراكيب الفنيَّة بحرٌ زاخرٌ متلاطم الأمواج، له أوَّلٌ وليس له آخر، كما أنها لغةٌ تشتهر بكثرة المترادفات، ولا تكاد تجد كلمةً إلا ولها أكثر من معنى، ويحكم معناها السياق الذي وردت فيه هذه الكلمة، ولذلك كان العرب ملوك الفصاحة، وأصحاب لواء البلاغة.
والمتأمِّل لتراثهم النثريِّ والشعريِّ والذي وصلنا منه النزْر اليسير، يلحظ ما ذكرناه آنفاً تمام الملاحظة، فعباراتهم قوية، وألفاظهم جزِلة، وصورهم الفنيَّة كثيرة، واستخدامهم للجُمَل بدل اللفظ، وللفظ أحياناً وللمحلِّ أحياناً أخرى، وللإظهار تارةً وللإضمار تارة، وللتقديم وللتأخير، لا يكاد يخلو منه نثرٌ من نثرهم أو شعرٌ من شعرهم.
لكلِّ ما سبق كان لزاماً على القرآن أن يستخدم نفس أساليب أهل البيان من إظهارٍ وإضمار، ولفظٍ ومحلّ، وتقديمٍ وتأخير، وصورٍ بيانيَّة، وتراكيب فنية، وغير ذلك، ليجاري أهل البيان في فصاحتهم، بل ويسبقهم فيها ليتحقَّق الإعجاز، وليسَلِّم أهل البيان به، فكثرت في القرآن الصور البيانيَّة، والمحسنات البديعيَّة، والنكت اللغويَّة والنحويَّة، أسوةً بما كانت تتحدث به العرب، إضافة إلى ما عُرِف عن اختلاف ألسُن العرب، واختلاف طرق نطقهم لبعض الحروف والكلمات، فجاء القرآن مسايراً لكلِّ ذلك ومتقدِّماً عليه، ليثبت أنَّه الحقّ، وأنَّه الكتاب المُعجِز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وبناء على ذلك نقول: إنَّ كلُّ ما ذكره المغرضون في الطعن في القرآن الكريم لغويًّا لا يخرج عن كونه تقديرات محلّ، ونُكَتٌ نحويَّةٌ فيها من البلاغة ما فيها، وتراكيبُ موافقةٌ لألسنة العرب ولغاتهم المختلفة، وما إلى ذلك من وجوه البيان، ولكن لا يفهمها إلا من شرح الله صدره للحقّ، وأحكم قبضته على لجام اللغة العربيَّة، لغة البيان والتبيين، ولا مجال هنا بالطبع للردِّ على كلِّ شبهةِ وجود خطأٍ نحويٍّ في القرآن الكريم، ولكن حسبنا فقط تأصيل المسألة.
ويكفينا أن نستدلَّ على فصاحة وبلاغة القرآن الكريم بما ذكره الوليد بن المغيرة وهو من فصحاء قريش -وكان مشركاً- عن القرآن الكريم بعدما سمعه:
أخرج الحاكم وصحَّحه والبيهقي عن ابن عباس أنَّ الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهلٍ فأتاه، فقال: يا عمّ، إنَّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوه لك، فإنَّك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أنِّي من أكثر مالا، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنَّك منكرٌ أو أنَّك كارهٌ له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجلٌ أعلم بالشعر منِّي ولا برَجْزه ولا بقصيده منِّي، ولا بشاعر الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إنَّ لقوله الذي يقول لحلاوة، وإنَّ عليه لطِلاوة، وإنَّه لمُثْمِرٌ أعلاه، مغدقٌ أسفله، وإنَّه ليعلو وما يُعلَى، وإنَّه ليحْطِم ما تحته.
فإذا كان هذا رأي أهل البيان في القرآن، فكيف بمن هم ليسو كذلك؟ ولو كان في القرآن أخطاءٌ لغويَّة، أما كان أهل البيان هم أوَّل من يكتشف ذلك ويستغلُّه في القضاء على تلك الدعوة الوليدة؟!
"فالحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون".
ومرحباً بك وبأسئلتك الفاتحة للقضايا دائما. |
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|