 |
taqwa
- فلسطين
|
الاسم |
 |
| تحويلُ حصة الإنجليزي لدعوة..عزةُ المسلم..وأسئلةٌ أخرى من أرض الرباط |
العنوان |
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على رسوله الذي اصطفى؛ أما بعد جزاكم الله عنا كل خير على هذا الموقع الرائع الذي أفاد ويفيد وسيفيد إن شاء الله تعالى.
أنا أعمل مدرسة في مدرسة ابتدائية كمعلمة للغة الإنجليزية وفي نفس الوقت أعمل في دورات تحفيظ قرآن مع طالبات تتراوح أعمارهن بين 5-13 سنة، ووفق هذه المعطيات أطرح أسئلتي: بسم الله أبدأ، كيف أعمل على دعوة الطالبات اللواتي أدرسهن في المدرسة؟ أي كيف يمكنني أن أجعل من الحصة الدراسية باللغة الإنجليزية دعوة إلى الله عز وجل؟ كيف أستطيع كسب محبة الطالبات ومن خلال هذه المحبة أعمل على تنمية حب الإسلام في نفوسهن؟ كيف أستطيع أن أغرس في هذه القلوب محبة الله ورسوله والأنبياء والدعوة إلى الله؟ كيف أستطيع أن أزرع عزة المسلم في نفسي أولاً ثم في هذه القلوب؟ ما الطريقة المثلى لإنجاح دورة تحفيظ القرآن؟ وجزاكم الله عنا خير الجزاء |
السؤال |
| 2001/01/21 |
التاريخ |
|
وسائل اجتماعية
|
الموضوع |
|
الدكتور كمال المصري
|
المستشار |
 |
 |
|
أختي الكريمة تقوى، جزانا الله وإياكم على كلماتك الطيبة، وأسأل الله تعالى أن يكون هذا الموقع بالفعل مفيداً للمسلمين، وباب خيرٍ وعونٍ لهم، لأنه لذلك أنشئ، وبذلك إن شاء الله يستمر.
وأبدأ حديثي في الإجابة على أسئلتك التي تفضلت بها، بشكر الله تعالى شكراً كبيراً على أن جعل ديننا دين الحياة لا مجرد عباداتٍ وطقوسٍ تؤدَّى في المساجد وأماكن العبادة، فهو سبحانه من قرر: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"، فكل شيءٍ في حياتنا يجب أن يوجَّه لله تعالى، لأن هذا هو حقه سبحانه علينا، ولكنه عز وجلَّ لم يكتفِ بذلك بل أعطانا ثواباً وأجراً على كل عملٍ نقوم به ما دامت نيتنا فيه لله، "كل سلامى عليه صدقة، كل يوم، يعين الرجل في دابته، يحامله عليها، أو يرفع متاعه صدقة، والكلمة الطيبة، وكل خطوةٍ يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودلُّ الطريق صدقة"رواه البخاري ومسلم، وحديث: "تبسمك في وجه أخيك صدقة لك، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة"رواه الترمذي وقال: حسن غريب، ورواه ابن حبان في صحيحه، وحديث إماطة الأذى الشهير: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخذه فشكر الله له فغفر له" رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، بل وحتىإطعام أهل بيتنا الذي هو واجبٌ علينا جعل لنا فيه صدقةً وأجرا، فالحمد لله على فضله ومنِّه وكرمه.
بدأت بهذه المقدمة لأؤكد نظرتك الصحيحة لديننا، والتي من خلالها فهمتِ أنه يجب عليك الدعوة من خلال تدريسك للغة الإنجليزية، كما يجب على كل المسلمين فعل ذلك على اختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم.
كما أنكِ –جزاكِ الله خيراً- لم تكتفِ بذلك بل تقومين بعملٍ آخر يُعدُّ من أشرف العلوم، وهو تحفيظ القرآن الكريم، ولقد صدق صلى الله عليه وسلم حين قال: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه"رواه البخاري وأبو داود والترمذي.
وإذا أضفنا إلى ذلك كله أنكِ في بلد الرباط والجهاد فلسطين، تكون الصورة أكثر بهاءً وجمالا، تعلِّمين الناس دينهم رغم كل الصعوبات والعقبات بل والدماء التي تبذل كل يوم! فبوركتِ وبورك فعلكِ يا خير الناس في بلد الرباط.
معذرةً على هذه المقدمة الطويلة التي رأيتُ أنها واجبةٌ اعترافاً مني بفضل أهل الفضل، وأبدأ الحديث بعون الله حول أسئلتك المتعددة:
كيف تحولين حصة اللغة الإنجليزية إلى دعوة؟ أقول لك يا أختي أن الطرق كثيرةٌ، وسأذكر لك هنا بعضها، وأعتقد أنكِ قادرةٌ على إيجاد الكثير والكثير غيرها، ومن هذه الطرق:
لا أعلم إن كانت مناهجكم فيها من الموضوعات الإسلامية أم لا، فإن كانت موجودة فهي مجالٌ جيدٌ ورحبٌ للدعوة إلى الله بذكر عظمة هذا الدين، وحكمته وفضله، فعند الحديث مثلاً عن العبادات كالحج تذكرين الحكمة من الحج واجتماع المسلمين والتقائهم، وتساويهم مع بعضهم البعض، وكذلك إظهار العبودية لله تعالى والتسليم له، ورجم الشيطان ليبقى ماثلاً في أذهاننا أنه عدونا الأول وخصمنا اللدود الذي علينا الاحتراز منه والحذر، ويوم عرفة هو يوم الرحمة للمسلمين، وكيف يتفضل ربنا سبحانه علينا بهذه الرحمات والمِنن، وفي الصلاة مثل ذلك من توحيد المسلمين في الاتجاه، واستمرار الاتصال بالله، بل والحديث إليه خمس مراتٍ في اليوم على الأقل، وفي الصيام تهذيبٌ للنفس وسموٌّ بها، كما أنه شهر الغنيمة والفضل والعتق من النار، وإذا كان النص الوارد في المقرر يتحدث عن خُلُقٍ أو سلوكٍ من الأخلاق والسلوكيات الإسلامية، فهي فرصةٌ للحديث عن أسباب هذه الأخلاق، وعن آثارها العظيمة على المجتمعات، وكيف هي سبيلٌ للرقي في الحياة الدنيوية، وطريقٌ للجنة والفلاح يوم القيامة، وهكذا في كل نصٍّ يرتبط مباشرةً بالإسلام.
أما إن كانت النصوص لا ترتبط بالإسلام –وهو الأعمّ الأغلب في المناهج الدراسية في بلاد المسلمين- هنا تكون الدعوة أكثر صعوبة، ولكنها في نفس الوقت ليست مستحيلة، بل هي واردةٌ وواردةٌ وواردة، والمواد المقررة لن تخرج –والله أعلم- عن كونها: قراءة- قواعد- قصة- إنشاء وتعبير- إملاء، وفي هذه الحالة عليكِ استخدام حصافتكِ ومهارتكِ في الوصول للدعوة، كيف؟ لنضرب مثلاً: لو كان الدرس قصةً تتحدث عن التعاون مثلاً؛ عن أهميته وفائدته وما إلى ذلك، فلماذا لا تستغلي هذه النقطة وتبدئي بذكر بعض الآيات والأحاديث والمواقف التي وردت عن التعاون: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كانهم بنيان مرصوص"، "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاوشبّك بين أصابعه"رواه البخاري ومسلم، المسلون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويُردُّ على أقصاهم"رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال: "(وهم يَدٌ): أي اللائق بحالهم أن يكونوا كيَدٍ واحدةٍ في التعاون والتعاضد على الأعداء، فكما أن اليد الواحدة لا يمكن أن يميل بعضها إلى جانب، وبعضها إلى جانب آخر، فكذلك اللائق بشأن المؤمنين".
اذكري لهن كذلك قصصاً من تعاون المسلمين وتراحمهم، كما حدث بين المهاجرين والأنصار من مؤاخاة، وكيف كان المسلمون يفْدُون رسولهم ويَفْدُون بعضهم بعضاً في القتال، وما إلى ذلك.
ولو كان الدرس مثلاً درس قراءةٍ يتحدث عن أهمية العلم والعلماء، انتهزي الفرصة واذكري قيمة العلم في الإسلام وكيف قدّر العلماءَ ورفع شأنهم: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"، "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ إن الله عزيزٌ غفور"، "من سلك طريقا يبتغي فيه علماً سلك اللّه به طريقا الى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن العالِمَ ليَستَغفِرُ له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالِم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، إنما ورثوا العلم"رواه أبوداود والترمذي والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم، واذكري لهن نماذج من الأنبياء وعلماء المسلمين الذين صنعوا الحياة وغيّروا مجراها، كنوحٍ وإبراهيم وعيسى وموسى عليهم السلام، وكالحسن بن الهيثم، الخوارزمي، البيروني، الإدريسي، وغيرهم كثيرٌ وكثيرٌ.
وافعلي مثل ذلك في حصة الإنشاء والتعبير، وفي الإملاء أيضاً، باختيار موضوعاتٍ تتحدث عن الإسلام وفضله وعظمته، أو عن شخصيةٍ إسلاميةٍ كرسول الله صلى الله عليه وسلم أو الأنبياء عليهم السلام أو أحد الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، أو عن عالِمٍ من علماء المسلمين الذين أبدعوا في كل المجالات.
ويمكن كذلك أن تجعلي حصةً من الحصص للخروج إلى الحديقة مثلاً، ومعرفة ماذا تعني بالإنجليزية كلماتٌ كـ"شجرةٍ ووردةٍ وطيرٍ وسماءٍ" وما إلى ذلك، وحينها تتحدثين عن عظمة الله سبحانه وفضله كيف خلق هذا الكون وسخّر ما فيه لنا كي نستمتع به، وكيف علينا شكره وحمده وعبادته.
تبقى حصة القواعد والنحو، وهذه يمكنك من خلالها اختيار أمثلةٍ تطبيقيةٍ تتحدث عن الإسلام للقاعدة التي تشرحينها، فمثلاً أنتِ تتحدثين عن قاعدة "If" فتذكرين لهم مثالاً:
"إذا لم تطيعي الله، فإن الله لن يكون راضٍ عنكِ If you disobey Allah, Allah will be displeased with you"، وتكون فرصة للتعليق السريع عن وجوب طاعة الله وعدم معصيته، ولو كان الدرس عن دخول "Will, Shall" على الفعل المضارع، وكيف أنهما يفيدان المستقبل، فهي فرصة للحديث عن أهمية أن يبني الإنسان لمستقبله، وأن المستقبل الأهم عند المسلمين هو ما بعد الموت وكيف علينا أن نبني هناك بالعمل الصالح الطيب حتى ننال رضى ربنا سبحانه، ونفوز بالجنة والقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما نبني لحياتنا الدنيوية.
ولا تنسي طبعاً في تدريسكِ استخدام أسلوب التشجيع والمكافأة لكل من يحسن، وحتى لو كانت المكافأة مجرد قطعٍ بسيطةٍ من الحلوى، إذ دائماً ما يكون لهذه المكافآت رغم بساطتها أثرٌ عظيمٌ في نفوس الطلبة والطالبات.
هذه بعض الأمثلة، وكما ذكرتُ من قبل، أنتِ قادرةٌ بالتأكيد على إبداعٍ أمثلةٍ أخرى إن شاء الله تعالى، ولكن من الضروري هنا أن أذْكُرَ أنه يجب عليكِ في كل الأحوال والأفكار أن تعرضي نظرة الإسلام الشاملة، وأن تربطي بين خيوطه جميعاً حتى لا يصل إلى الطالبات مجرد موضوعاتٍ منفصلةٍ وليست نسيجاً واحداً متراصًّأ ومتناسقا، وهذه –فيما أظن- نقطةٌ هامةٌ وأساسية.
أما سؤالكِ عن كيفية كسبك حبَّهن، فالأساس فيها محبتكِ لهن، ورغبتكِ في خيرهن، أشعريهن بهذا الحبّ، وكذلك عليكِ أن تساعدينهن بكل ما تستطيعين من جهدٍ وفي كل المجالات، تقرّبي من أمهاتهن، صادقي البنات، كوني لهن الأخت والمعلِّمة، ومن أهم الأمور كذلك أن تكوني قدوةً لهن في كل شيء: الأخلاق، السلوك، الإيجابية، الإخلاص في العمل والقول، الصدق...في كلِّ شيء، تبسمي في وجوههن دائماً، كوني واسعة الصدر واستمعي لمشاكلهن وأمورهن، شاركيهن في بعض هواياتهن وأظهري تشجيعك لهن فيما يفعلن، أشعري كل واحدةٍ منهن أنكِ لها وحدها دون غيرها، احذري كثرة التأنيب واللوم والتعنيف عند رؤيتك لخطأٍ من إحداهن، وكوني ذكيةً حصيفة وصححي لهن أخطاءهن من طرفٍ خفيٍّ وبدون مباشرة، أو بطريقةٍ ليِّنةٍ لطيفة، ولست بحاجةٍ لأذكِّركِ بالهدية وآثارها الواضحة الرائعة، كوني قرآناً يمشي على الأرض، وشمساً تستضيء بها طالباتك، بهذه الطريقة ستكسبين حبَّهن، وستكونين المعلِّمة والأخت الأثيرة لهن، ومن ثَمّ يمكنك غرس حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في نفوسهن حين تقولين لهن أن أخلاقك الحسنة هذه قد أتتكِ من طاعتكِ لرسولك صلى الله عليه وسلم، وأنه كما وصفه ربه تعالى: "وإنك لعلى خلقٍ عظيم"، وكذلك كان الأنبياء كلهم عليهم السلام، أعلميهن أن كل سلوكياتكِ الطيبة سببها أن الله أمركِ بذلك، وحثّ ديننا عليها، وهكذا حتى يستقرَّ في نفوسهن حبَّ الله تعالى وحبَّ رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب الأنبياء عليهم السلام، ويشعرن بعظمة ورقيّ هذا الدين، فيرغبن أن يكن جنداً من جنوده.
وأما عزة المسلم التي تسألينني كيف نزرعها في نفوسنا، فبالله عليك من أولى بسؤال الآخر عنها، وأنتِ الأخت التي تفكّر في الدعوة وتعلِّم القرآن، بل وأكثر من ذلك، تعيش في بلدٍ علَّمنا أهلُها العزةَ بدمائهم، يتسابقون إلى الشهادة كما يتسابق الناس إلى متع الحياة، يقيمون الأفراح ابتهاجاً باستشهاد ابنٍ من أبنائهم، ويتمنون أن يلحق به إخوته، لا يعرفون لليأس طريقاً ولا للخوف سبيلا، يضعون أرواحهم على كفوفهم، يستوي في ذلك رجالهم بنسائهم، شبابهم بشيوخهم، أبناؤهم وبناتهم بآبائهم وأمهاتهم، منظومةٌ من العزة المستمرة التي لا تعرف الملل، لا أدري ما أقول، ارتعش القلم، وعجز اللفظ أن يبَيِّن المعنى، واختلطت الكلماتُ بالدموع والأحاسيس، ولم يعد أمامي إلا أن أَذْكُر بعض النصوص والقصص والأشعار في العزة، يقول تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون" ويقول جلَّ شأنه: "الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا"، ويقول سبحانه: " ولا يحزنك قولهم، إن العزة لله جميعاً وهو السميع العليم"، ويقول جلَّ وعلا: "من كان يريد العزة فلله العزة جميعا"، وقد وصف ربنا سبحانه نفسه بـ"العزيز" في أكثر من تسعين موضعاً في القرآن الكريم، كما علَّمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم العزة بأفعالهم، فلم يعطوا الدنيَّة من دينهم، وقاتلوا حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ولم يهدأ لهم بالٌ حتى أعلى الله بهم دينه ولواءه، وكذلك فعل الأنبياء السابقون عليهم السلام، كما أن تراثنا الأدبي قد حوى العديد والعديد من الأشعار التي تحمل معاني العزة والكرامة:
أخي في الأفق تلقاني كنسرٍ سابحٍ تيها........ وأستعلي بإيماني على الدنيا وما فيها
إذا قالوا الألى خِلنا بأنا القصد والهدفُ....... يسير الناس إن سرنا وإن قلنا قفوا وقفوا
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسامُ
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ........ وتأتي على قدر الكرامِ المكارِمُ
ذريني أنل ما لا يُنال من العلا....... فصعبُ العلا في الصعب والسهل في السهلِ
تريدين لقيانَ المعالي رخيصةً؟....... ولابـدَّ دون الشـهد مـن إبـَرِ النَّحْـلِ
إذا القومُ قالوا مَنْ فتىً؟ خلتُ أنني....... عُنيتُ فلم أجبن ولم أتبلَّدِ
وغيرها الكثير والكثير، فهذه هي مكانة العزة في ديننا، ربٌّ عزيزٌ سبحانه، أمرنا ألا نعطي الدنيَّة من ديننا، ونهانا عن الذلة والمهانة، بل ونهانا عن كل ما يؤدي لذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم"رواه البخاري ومسلم، والمرة الوحيدة التي سمح لنا ربنا فيها بالذلة هي مع إخواننا المسلمين، "يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليم" وهذه الآية العظيمة تحتاج إلى وقفة: فالقوم الذين يحبُّهم الله تعالى وسوف يأتي بهم بدلاً ممن ارتدوا عن دينهم، من شروطهم أن يكونوا أعزةً ولا يخافون لومة لائم ولا يذلون إلا لإخوانهم، ألا تكفي هذه الآية للتدليل على عظم هذا الدين ورقيِّه وعلى اشتراطه العزة كشرطٍ أساسيٍّ للمنتمين إليه؟
ازرعي يا أختي هذه المعاني في نفوس الطالبات، واضربي لهن مثلاً من آلاف أمثلة العزة عندكم ممن قدّموا أرواحهم لله ورفضوا أن يذلّوا لأحد، وبالطبع سيفهمن هذه الأمثلة جيدا، لأن هؤلاء الشهداء الأعزاء لن يكونوا إلا أخاً أو أباً أو قريباً أو جارا، وليس العِيان كالخبر، فالمثال الحيُّ خيرٌ من آلاف الكلمات.
بقي السؤال الأخير: ما الطريقة المثلى لإنجاح دورة تحفيظ القرآن؟
وأقول لكِ أنه لا توجد طريقةٌ مثلى لذلك، بل هي طرائق متعددة متنوعة، تختلف باختلاف الأحوال والأعمار والبلاد، ولكن هناك أساسيات لا ينبغي التنازل عنها، كما أن هناك عوامل مساعدة مشجعة ومرغِّبة، وهذه الأساسيات هي:
- ضرورة نطق كلمات القرآن بطريقةٍ صحيحةٍ سليمةٍ خاليةٍ من أخطاء القراءة والتشكيل.
- راعي تفاوت مستويات وقدرات من معك، فمنهن من تحفظ بسرعة، ومنهن من هي أبطأ، ومنهن البطيئة، وفي كل الأحوال عليك مراعاة كل طالبةٍ حتى لا تحمِّلي أحداً فوق طاقته.
- راعي كذلك أعمار من معك، فالصغيرات مثلاً "من سن 5- 10" يكفي أن يتعلمن نطق الكلمات بطريقةٍ صحيحة.
- إياكِ أن يأخذك الحماس لتعليمهن فتكثري عليهن من الحفظ قبل أن يتثّبتَ ما سبق حفظه، فيحفظون الجديد قبل تثبيت القديم، فيختلط هذا بذاك، ويتساقط كله بعد ذلك من الذاكرة، بل التدرج مهم، والتثبّت ضروري، لأن القرآن -كما ورد في الحديث- يتفلَّت بسرعة من الإنسان، قال صلى الله عليه وسلم: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت" رواه البخاري ومسلم.
- علِّميهن أحكام التجويد، لأن القرآن نزل مجوّدا، والله أمرنا بقراءته كذلك: "ورتل القرآن ترتيلا"، وفي هذه النقطة بالذات كلامٌ كثير، ولكن عليك على الأقل تعليمهن الأساسيات حتي يتمكنَّ من القراءة الصحيحة ويبقى عليهن الباقي بعد ذلك من تحسين القراءة وتجويدها.
- من المفضَّل جداً استخدام وسائل الإيضاح والشرح في تعليم أحكام التجويد، فالرسومات مهمةٌ مثلاً في شرح مخارج الحروف، والجداول مفيدةٌ في تقسيمات صفات الحروف، وكذلك إسماعهن قراءةً صحيحةً للقرآن من أحد الشيوخ الكبار المعروفين بإتقانهم التامّ للتجويد، وذلك كي يتدربن على النطق السليم وعلى الحفظ بطريقةٍ صحيحة، وهنا أُفَضِّل أن تعتمدي قراءة شيخ المقارئ المصرية الشيخ محمود خليل الحصري رحمه الله تعالى، الذي يعدُّه العديد من الشيوخ والمقرئين أفضل المتقنين لقراءة القرآن.
- استخدمي دائماً وسائل التشجيع والتحفيز، فأي إجادةٍ تجدينها اذكريها واشكري عليها صاحبتها، وبالطبع لا تنسي الجوائز والمسابقات لأن لها دوراً هامًّا في الحثِّ على الحفظ، وفي هذه النقطة بالذات اسمحي لي أن أذكر لكِ قصةً حدثت معي شخصيًّا وكان لها أكبر الأثر في حياتي، فقد أكرمني الله تعالى بأن يسّر لي أن أتعلّم تجويد القرآن في فترة العطلة الصيفية التي سبقت دخولي المرحلة الثانوية، فتعلّمت أساسياته وأصبحتُ لا أخطئ في القراءة، ثم حدث بعد ذلك بمدةٍ أن وجدتُ في المسجد شيخاً متخصصاً في القراءات العشر، فقلتُ لماذا لا أذهب إليه لأقرأ القرآن على يديه وأنال منه "الإجازة" كما يسمونها، فذهبت بالفعل إلى حلقته وانتظرت حتى يصل الدور عليّ، ولكنني لاحظتُ أن معظم الجالسين لا يعرفون شيئاً عن أحكام التجويد، فقلتُ في نفسي عندما يأتي دوري سيعرف الشيخ أنني أُحسِن القراءة، فلما جاء دوري كان الدور في القراءة قد وصل إلى سورة الحاقة، فبدأت القراءة: "الحاقة، ما الحاقة، وما أدراك ما الحاقة، كذبت ثمودُ وعادٌ بالقارعة" فإذا بالشيخ يوقفني ويصحح لي نطق التقاء حرفي التاء والثاء في كلمتَيْ "كذبت ثمود"، فأعدتُّها عليه، فأوقفني مرةً أخرى، المهم أنني أخذتُ وقتاً طويلاً حتى اجتزتها وأكملت القراءة، وما أذكره جيداً حينها، هو أنني لم أدرِ بمن حولي، كل الذي جال في خاطري وفكرت فيه، هو لماذا فعل الشيخ معي هذا وأنا المجيد للقراءة، وكان متساهلاً مع غيري ممن لا يجيدون؟ وحينها أخذتُ قراراً ألا أعود إليه، وجاء الشيخ مراتٍ أخرى فلم أجلس إليه، ولكن وبعد عدة مراتٍ، وجدته بعد الصلاة جالساً يقرئ الناس القرآن، فإذا بي أذهب لأجلس إليه، ولا أدري ما الذي جعلني حينها أفعل ذلك، المهم أنني ذهبت، وما إن رآني الشيخ حتى قال لي: "مرحباً بك، أنت تجيد قراءة القرآن، خذ مجموعةً من هؤلاء الجدد ليقرؤا عليك وتعلِّمهم القراءة الصحيحة"، وحدث ذلك بالفعل، ولا حاجة لي أن أقول أنني لم أتركه منذ تلك اللحظة، وكان له الفضل الأكبر –بعد الله- في إتقاني قراءة القرآن الكريم بأدق أحكامه وألفاظه، بل وأجازني أن أعلِّم الناس قراءة القرآن الكريم، فكانت تلك الكلمات البسيطة منه سبباً –بعد تيسير الله تعالى- في تمكُّني بشكلٍ جيدٍ ومتقنٍ من تلاوة القرآن الكريم، جزاه الله خيراً وأجزل ثوابه ما نطقَ مسلمٌ -علّمه هو أو علّمه أحد تلامذته- حرفاً من حروف القرآن الكريم.
سامحيني يا أختي على الإطالة في هذه النقطة، ولكني أحببت أن أنقل لكِ مثلاً حيًّا فيما يمكن أن يفعله التشجيع بالإنسان، وبالطبع كم خسرنا أناساً كان من الممكن أن يكونوا من المبدعين في مجالاتهم، ولكن كلمةَ إحباطٍ واحدةٍ كانت كفيلةً بتدمير كل شيء، فانتبهي لذلك جيداً يرحمكِ الله.
أخيراً.. بقي أن أضع لكِ تصوُّراً سريعاً لهيكل حلقةٍ لتعليم القرآن الكريم:
- من المحبذ عند أول لقاء أن تصنفي الموجودات معك حسب مستوياتهن في القراءة، ويفضل أن لا تزيد المجموعات عن مجموعتين أو ثلاث حتى لا تصعِّبي المسألة على نفسك.
- عليك التزام منهجٍ منظمٍ في تعليم التجويد، سواءً أنشأتيه بنفسكِ أو أخذتيه من أحد الكتب الجيدة المتخصصة في هذا العلم، وذلك حتى تكون خطوات عملكِ منهجيةً ومنظمة.
- قومي بعمل درسٍ للجميع تشرحين فيه أحكام التجويد، مع الإكثار فيه من ضرب الأمثلة، ولا بأس من ذكر بعض اللطائف المتعلقة بالقرآن وهي كثير، وذلك تلطيفاً لجو الدرس وتحبيباً فيه، مثلاً: لطائف بلاغية- سبب نزول- مقارنات بين الآيات المكررة في القرآن- موقفاً لأحد المقرئين- إحصائيات عددية من القرآن...إلخ.
- ثم بعد ذلك، اجلسي مع كل مجموعةٍ على حدة، واجعليهن يقرأن القرآن وركزي على تصحيح أخطائهن في ما شرحتيه لهن في درس التجويد، واتركي ما لم تشرحيه.
- اطلبي منهن دائماً أن يكثرن من سماع القرآن الكريم بصوت أحد الشيوخ -يفضل الشيخ الحصري كما ذكرت سابقاً- وأن ينتبهن أثناء السماع للحكم الذي تعلّمنه في الدرس.
- استمري هكذا: درس تجويدٍ عام، ثم قراءة تطبيقية لما تعلّمنه في الدرس، وانتبهي إلى عدم استعجالك في تعليمهن التجويد، وألا تنتقلي من حكمٍ لآخر إلا بعد إتقانهن له نظريًّا وتطبيقيًّا.
- من الضروري أن يدونَّ ما يتعلمنه في درس التجويد، وألا يكتفين بالحفظ والذاكرة، وهناك مقولةٌ لطيفةٌ في هذا الأمر تقول: "أضعفُ حِبْرٍ أقوى من أقوى ذاكرة".
- بعد انتهائهن من تعلُّم جميع أحكام التجويد، أكثري من المراجعات والقراءة التطبيقية حتى تثبت هذه الأحكام.
- يفضل أن تعقدي لهن المسابقات، وأن يكون هناك ما يمكن أن يسمى "حفل تخرج" وتوَزَّع فيه جوائز على المتفوقات منهن.
- وأحبذ أيضاً أن تجدي من يساعدك في هذه المهامّ الشاقة، حتى ولو كانت أفضل الطالبات عندك إن لم تجدي من يساعدكِ من الأخوات.
وختاماً.. وقد طال الرد كثيراً، ولكن ربما يكون السبب كثرة الأسئلة وأهميتها.. أسأل الله تعالى أن أكون قد وُفِّقتُ في الإجابة على ما تريدين، وأسأله جلَّ وعلا أن يعينك ويوفقك في كل ما تقومين به من عملٍ، وأن يأجركِ الأجر الأوفى، ويرزقكِ الإيمان والتقوى يا أخت تقوى، وأن يفكَّ الكرب عن أهلنا في فلسطين، وينصرهم على عدوهم...وبانتظار أخبارك. |
 |
|
 |
|
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.. |
|
|
 |
|