"يا أخ "أبو حذيفة"، هناك عوامل كثيرةٌ توصِّل إلى ما ذكرتَ في سؤالك من انطفاء جذوة الإيمان والنشاط لدى البعض في قيامه بأعباء الدعوة، من هذه العوامل:
1- سنَّة الله تعالى في خلقه أن فطرهم على الخير والشرّ، قال تعالى: "ونفسٍ وما سوَّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكَّاها وقد خاب من دسَّاها"، فالفلاح لمن تزكَّى، وذكر اسم ربِّه فصلَّى، والخيبة لمن تلهَّى وأتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأمانيّ، فتكون الحياة اختباراً للمؤمن بالنظر إلى سواه وكيف يقصِّرون أو يعصون، وعندها يستوحش الطريق لتفرُّده فيه، وفي هذا التفرُّد اختبارٌ آخر، حتى يكون سيره إلى الجنَّة لغير طلبٍ لسواها.
2- طبيعة الفطرة البشريَّة التي جُبِلت على ذلك، مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّة، ولكلِّ شِرَّةٍ فترة، فمن كانت شِرَّته إلى سنَّتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك"رواه أحمد والترمذيُّ والطبرانيّ، ورجاله رجال الصحيح.
ومعنى الحديث: أنَّ سنَّة الله في كلِّ خلقة أن يشتدَّ نشاطه، ثم يصيبه الملل والكلل والكسل، أي أن يتحمَّس الإنسان ويهتمَّ ويجتهد ويعمل، ثمَّ يصاب بالفتور والتكاسل وهكذا.
3- عدم الواقعيَّة في التصوُّر والعمل، فواقع البشر الخطأ؛ لأنَّ "كلّ ابن آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوابون"رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
بل إنَّ الخطأ كان في الصحابة أنفسهم رضي الله عنهم، ويقول الله عزَّ وجلّ: "إنَّ الذين اتَّقَوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطان تذكَّروا فإذا هم مبصرون"، فإذا تصوَّر الإنسان جماعةً بلا ذنوبٍ أو أخطاء، فهو غير واقعيّ، وبدلاً من التراجع، عليه أن يراجع نفسه هو ليتوافق مع الواقع، ولكنَّ هذا لا يعني التسليم بالأخطاء، ولكن نصحِّح الخطأ، ونقوِّم المِعْوَجَّ سويّا، وننطلق للعمل جميعا.
4- فضل الله ورحمته بعباده أن يعينهم ويوفِّقهم ويؤيِّدهم في البدايات، حتى يسيروا في الطريق المستقيم، وبعد أن يبيِّن لهم فيعرفون الطريق، ويعملون فيه، ويتذوَّقون حلاوته، يتركهم واجتهادهم بعد أن أقام عليهم الحُجَّة بالعلم والعمل والحال، فالموفَّق من اجتهد وظلَّ على اجتهاده، وعاد من فترته إلى شِرَّته حتى يأتيه العون والمدد من الله تعالى.
هذه –أخي- بعض العوامل المساعدة في انطفاء جذوة الإيمان، ويبقى السؤال الأهمّ: إذا كان الحال كذلك، فما العمل؟
والإجابة في قوله سبحانه وتعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين"، فمن جاهد نفسه وأعادها إلى طبيعة النشاط والعمل فهو الذي يُهدَى ويُؤيَّد، وعندها يتساءل: وا شوقاه للبدايات، فإن نازع نفسه وشيطانه ومضى في طلبه للجنَّة مهما كان الطريق موحشاً ومظلما، فستشرق عليه شمس الهداية ثانية، وسوف يرى الإمداد من الملائكة في كلِّ خطواته، عوناً وتأييداً، وقبولاً وتيسيرا.
وهكذا دوام الحال من المحال، والفلاح ألا يستسلم للدَّعَة والكسل فيقع في حبائل الشيطان، فيأسره في مواطن البدع والعصيان.
وهكذا يا أبا حذيفة فإنَّ ما شرحته في سؤالك أمرٌ بشريٌّ وفطريّ، ولكنَّ شرع الله تعالى يطالب بالمجاهدة وعدم الركون والاستسلام.
أمَّا عن التساؤل الآخر يا أبا حذيفة: فإنَّ في إجابة السؤال الأوَّل بعض الإجابة عليه، ولكنَّني أزيدك فأقول:
من عجائب القلب البشريِّ أنَّه يكون فيه الإيمان والكفر، والخير والشرّ، وهو صراعٌ لا يتوقَّف حتى خروج الروح من الجسد، فأيُّهما غلب، وأيُّهما علا كان له زمام القيادة والسيادة، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ للشيطان لمَّةٌ بابن آدم، وللمُلْك لمَّة، فأمَّا لمَّة الشيطان فإبعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقّ، وأمَّا لمَّة الملك فإبعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقّ"رواه الترمذيّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب، فالقلب مسرح معركةٍ دائمةٍ بين أمداد الملك وأُلقيات الشيطان، لا يخلو غالباً من حقٍّ وخير، وباطل وشرّ، فإذا غفل العبد عن قلبه، ولم يَنْفِ أُلقيات الشيطان، ويستجلب بطاعته أمداد الملك، احتلَّ الشيطان أرض ومسرح الصراع والنضال، فضعفت مقاومته ومحاولته برغم ضعف كيد الشيطان، فإن استعان العبد بالتوبة والصلاح وخير الأعمال، انخنس الشيطان وفرَّ رعبا، وقيل له: "إنَّ عبادي ليس لك عليهم سلطان"، والشيطان جبانٌ لا ينتصر ويقوى كيده إلا في الخلوات والفلوات "إنَّما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، فإذا اعتاد العبد الخلوة عن الصالحين والأقوياء، تفرَّد به شيطانه فناغى غرائزه ومطالبه ظنًّا أنَّه لا رقيب ولا حسيب، وبالاعتياد تستسلم النفس أمام مطالبها.
وكما قلنا أنَّ الله الخالق سبحانه قد قال وقوله الحقّ: "ونفسٍ وما سوَّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكَّاها، وقد خاب من دسَّاها"، فالخير والشرُّ والنزوع إلى أيِّهما مركوزٌ في الخِلْقة، بل هذه هي خاصِّيةٌ في النفس البشريَّة، والصراع ماضٍ في النفس طول الحياة، وعلى مدار العمر، مثل الحقِّ والباطل يصطرعان حتى يوم القيامة، والحقُّ وحزبه والباطل وحزبه لا تقوم بينهما هدنة، والحرب سجال، والغلبة والعاقبة للمتَّقين، والمتَّقون على خطرٍ عظيم، وجند الله هم الغالبون.
فلا عجب يا أبا حذيفة ممَّا تجد من أحوال هؤلاء الدعاة، فهم بين كرٍّ وفرٍّ وإقبالٍ وإحجام، فالأمر جهادٌ واجتهاد، فمن اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، "يا أيُّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتَّقوا الله لعلَّكم تفلحون"، وهذا هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأتقى والأعلم يجأر إلى ربه، ويقول: "يا حيُّ، يا قيُّوم، برحمتك أستغيث، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين"رواه الحاكم، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الدِّين يُسْر، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغُدْوة والرَّوحة، وشيءٍ من الدُّلْجة"رواه البخاري.
والعلاج: إيقاظ الإيمان بالرقيب القريب، ثم اعتياد الصحبة والمخالطة النافعة، ويعين على ذلك أنَّ الله يسمع ويرى ويعلم في كلِّ آنٍ وحينٍ وحالٍ ومكان، والكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون، والجوارح كلُّها تشهد لا تغيب، وسوف تُستَشهَد فتشهد عليك يوم الحساب، بل الأرض والكون ستتحدَّث بأخبارك كلِّها، لا يُكتَم منه شيء".
كانت هذه إجابة الأستاذ محمَّد حسين عيسى، ويضيف الدكتور كمال المصري:
أوَّلا: المشكلتان اللتان ذكرتهما يا أخي تنبعان من منبعٍ واحد، وهو طبيعة النفس البشريَّة التي جُبِلت على التقلُّب وعدم الاستقرار، فتراها في صعودٍ وهبوطٍ مستمرّ.
ثانيا: يجب الانتباه دائماً إلى أنَّنا بشرٌ ولسنا ملائكة، هكذا خلقنا الله تعالى، وهكذا أرادنا ويريدنا أن نكون، ولو كان يريدنا بصفات الملائكة، لكان من العبث أن يخلقنا بصفات البشر، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا، وإذا أردنا أن نتصرَّف نحن على أنَّنا لسنا من البشر، خرجنا عمَّا أراده الله لنا من كوننا بشراً نصيب ونخطئ، ننشط ونفتر، نرضى ونغضب، فعلينا الانتباه لهذا الأمر جيِّدا.
ثالثا: من قال أنَّ الصحابة لم يكونوا يخطئون؟؟ هذا الفهم "التقديسيُّ" للصحابة خطيرٌ ومرعب، الصحابة –يا أخي- لهم فضلهم وسبقهم رضي الله عنهم أجمعين، ولا يمكن لعاقلٍ أن يُنكر ما قدَّموه من دعمٍ للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا ما فضَّلهم به وقدَّمهم بذلك على الأُمَّة بأسرها إلى يوم القيامة، ولكنَّهم أوَّلاً وأخيراً بشر، أعيدها ثانية: "ب ش ر"، يتصرَّفون كالبشر، وعاشوا كالبشر، وإلا فبماذا نفسِّر أخطاءهم التي أخطأوها في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ وما أحداث غزوة أحدٍ عنَّا ببعيد، وكيف نفهم القرآن الذي نزل في حادثة الإفك في سورة النور، وفي الثلاثة الذين خُلِّفوا في سورة التوبة؟ أليس كلُّ ذلك تأكيداً على "بشريَّتهم"؟
يا إخواننا الدعاة إنَّ الله تعالى أكَّد على بشريَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعاتبه على بعض تصرُّفاته، فكيف بمن هم دونه؟ قال تعالى: "قل إنَّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحد"، وقال سبحانه: "ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتى يُثخِنَ في الأرض تُريدون عَرَض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيزٌ حكيم، لولا كتابٌ من الله سبق لمسَّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم"، وقال عزَّ وجلَّ: "عبس وتولَّى، أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعلَّه يزَّكى"، وآيات سورة الإسراء لمَّا طلب المشركون من رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباتٍ عدَّة: أن يفجُر لهم من الأرض ينبوعاً أو تكون له جنَّةٌ يأكل منها أو يُسقط من السماء كِسَفاً عليهم أو يرقى هو إلى السماء، فقال لهم بوضوح: "قل سبحان ربِّي هل كنت إلا بشراً رسولا"؟
سؤالٌ أخير: لِمَ جعل الله سبحانه كلَّ هذا قرآناً يُتلى إلي قيام الساعة؟ أليس كي ندرك ذلك تماماً بغير لبسٍ أو خطأ؟
إنَّنا –والله- نزداد تقديراً وإعجاباً برسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، حين ندرك بشريَّتهم، وأنَّهم رغم هذه البشريَّة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من قربٍ وحبٍّ لله تعالى، وعزمٍ وهمَّةٍ في الدعوة إليه.
رابعا: مسألة "الانفصام" التي ذكرتَها أخي أبو حذيفة من المسائل الخطيرة التي تعاني منها الدعوة الإسلاميَّة اليوم، وهي ذات قسمين:
القسم الأوَّل: ما تفضَّل به أستاذنا محمَّد حسين من كون هؤلاء الدعاة بشر، يتصرَّفون كما يتصرَّف البشر، وبذلك يكون لفظ "الانفصام" غير منطبقٍ على هؤلاء، إذ هو ليس بانفصامٍ بقدر ما هو سوء فهمٍ وتقديرٍ من الناس لهؤلاء الدعاة، أو صورةٌ من صور "التقديس" و"التبجيل" لهم، وهذا خطأٌ ووهمٌ واضح.
القسم الثاني: "الانفصام" بمعناه الحقيقيّ، وهم من تصدَّروا لأمر الدعوة لحاجةٍ في النفوس، وغرضٍ من الدنيا، وهؤلاء على نوعين:
نوعٌ أحسن الابتداء، ولكنَّ قلبه فسد وغرَّته الدنيا لمَّا تولَّى مسؤوليَّةً ما أو منصباً دعويًّا ما، وهذا النوع يُرجى صلاحه إن شاء الله تعالى، وعلى إخوته تنبيهه إلى خطر ما هو عليه.
نوعٌ آخر وجد في طريق الدعوة فرصةً لكسبٍ ما، أيًّا كان نوعه، كسبٍ ماديّ، شهرة، مصالح وعلاقات، وغير ذلك، وهذا النوع كان وصوله -في الغالب- إلى منصبٍ أو مسؤوليَّةٍ ما بسبب كونه ابناً أو قريباً لأحد كبار الدعاة، فاستغلَّ ذلك، أو صعد في غفلةٍ من الزمن وسط مجموعةٍ تهمل التربية والتوجيه، وهذا النوع برؤه صعب، وإن كان الله يهدي من يشاء، ولكنَّ المعطيات الماديَّة تشير إلى صعوبة العلاج.
وهؤلاء وصفهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: "لأعلمنَّ أقواماً من أُمَّتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله عزَّ وجلَّ هباءً منثورا"، قال ثوبان -راوي الحديث-: يا رسول الله، صفهم لنا، جَلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: "أما إنَّهم إخوانكم ومن جِلْدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنَّهم أقوامٌ إذا خَلَوا بمحارم الله انتهكوها"رواه ابن ماجه بسندٍ صحيح.
وعموما، فالعلاج يكمن في إعادة تربية هؤلاء وتأهيلهم، وتذكيرهم دائماً بالله تعالى، وبما أعدَّه للمؤمنين به المخلصين له، وتحذيرهم من الرياء وحبِّ النفس، كيف يهدم كلَّ ما نبني ولا نجني منه شيئا، وأنَّ ما كان لله دام واتَّصل، والتأكيد باستمرار على شأن النيَّة ودورها وأثرها في حياة المسلم، وبحديث الفاروق رضي الله عنه المتَّفق على صحَّته: "إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
فهذا هو الحال يا أخي نسأل الله السلامة، وما علينا إلا أن نلتزم بما ذكرته أمُّ المؤمنين أمُّ سلمة رضي الله عنها، لمَّا سئلت عن أكثر دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكثِر أن يقول: "يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك"رواه الترمذيّ، وقال: حديثٌ حسن.
هذا ما عندنا يا أخانا أبا حذيفة، وأهلاً بك معنا دائما.
استشارات ذوات صلة:
- انفصام الدعاة .. الشيطان يعظ!!
- عندما يصاب الدعاة بانفصام الشخصية!!
- انفصام شخصية الدعاة .. مشاركة من مجرب
- داعيةٌ علنا.. مخطئةٌ سرا: انفصام الدعاة.. وافتراض الكمال
نشرت هذه الاستشارة للمرة الأولى على صفحة الاستشارات الدعوية يوم 13/5/2001
|