أهلا ومرحبا بك أخي الكريم، وأسأل الله تعالى أن يحفظ عليك إيمانك، وأن يدخلك وإيانا في عباده الصالحين.
إن ما تقاسي منه - أخي الكريم - كلنا نقاسي منه، ونعاني أشد المعاناة كي نحافظ – قدر المستطاع - على روحانياتنا في ظل انشغالات الحياة، ومشاهدات الواقع، التي تبعدنا – شئنا أم أبينا - عن صفائنا وإخلاصنا وإيماننا، وسنزيد الأمر صعوبة على أنفسنا لو أخذ بمنطق الفاروق عمر رضي الله عنه حين وصل معاوية بن خديج المدينة ظهراً، باحثاً عنه ومبشراً له بفتح الإسكندرية، فمال معاوية إلى المسجد ظاناً أن عمر في قيلولة، فأرسل إليه عمر، فقال له: "وماذا قلتَ يا معاوية حين أتيتَ المسجد؟"، قال: "قلتُ أمير المؤمنين قائلٌ" (أي نائم)، قال عمر: "بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعنّ الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعنّ نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟".
لو أخذنا بهذا المنطق ما استطعنا، ولعجزنا، ولكن، ولله ما أبدع رسولنا صلى الله عليه وسلم، لقد عرف ذلك في النفس البشرية، ففي الحديث الشهير "نافق حنظلة"، الذي رواه الإمام مسلم، عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة الأسيدي قال: وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟" قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" قالها ثلاث مرات).
نعم ساعة وساعة، ولكن ليس بالمعنى الانفصاليّ "العلماني" الذي قد يستقر في أذهاننا، إننا نخطئ كثيرًا حين نفصل – دون أن نشعر أو نقصد – ديننا عن دنيانا، فتجدنا نقسم حياتنا إلى قسمين، قسم لربنا، وقسم لحياتنا، فنقول لأنفسنا سأجعل لي زادًا يوميًا من القرآن، وقيام الليل مثلاً.. أستعين به في يومي، ولن أقول لك لا تفعل ذلك، بل يجب أن تفعل ذلك، لأنه فعلاً زاد يعينك كثيرًا، ولكن ما أقصده هنا هو أين زادك في حياتك وممارساتك؟ عندما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
فلماذا لا أستشعر القرب من الله حين أزيل هذا الأذى عن طريق الناس؟ حين يأمرنا ديننا بغض البصر، لماذا لا أستشعر معية الله وأنا أفعل ذلك؟ حين أحفظ لساني من القول الفاحش البذيء، لماذا لا أضع في قلبي وعقلي ونفسي أنني قد فعلت ذلك لأن الله أمرني بذلك؟ فيرفع كل ذلك من إيمانياتي وروحانياتي.
فخذ لـك زاديـن من سيـرة ومن عمـل صـالح يُدَّخَرْ
وكن في الطريق عفيف الخطا شريف السماع كريم النظرْ
خذ زادك من العلم والقرآن والإيمان، وقُمِ الليل، وصُمِ النوافل، واجعل هذا خاصًا بينك وبين ربك، وغُضَّ البصر، وتصدَّق، وأَمِطِ الأذى، واحفَظْ لسانك، وصُنْ أُذُنَيكَ، وغير ذلك من الأفعال المرتبطة بالخلق، افعل كل ذلك، وقلبك متيقِّنٌ أنه يفعل ذلك لله وحده.
تعامل مع مجريات الأحداث بمنطق الإيمان، وبمنطلق التعامل مع الله سبحانه، وثق أنك إن فعلت ذلك: أخذت الزاد الخاص بك بينك وبين ربك، وأخذت الزاد بالتعامل مع العباد من منطلق التقرب إلى الله، ثق أنك بهذين الزادين تكون قد اقتربت كثيرًا وكثيرًا لما ترجو وتروم.
قد تكون هذه رؤية جديدة لمفهوم الإيمانيات والروحانيات، وقد يكون الدافع إليها تغير الزمان والأحوال، ولكن حسبها أنها لم تخرج عن إطار الإسلام في شيء، بل قد تكون أقرب إلى معناه والمراد منه، ودعنا نجربها، علّها تكون العلاج.
نعم أعلم أن تنفيذ ذلك صعب، بل قد يقول قائل: إنه مستحيل، ولكن.. الصعب يمكن إنجازه، والمستحيل يحتاج لبعض الوقت، وأنت رجلُ ذلك كلِّه.. أليس كذلك؟
استشارات ذوات صلة
- إيماني أم الدعوة؟.. بل الاثنان معا
- همسات إيمانية في آذان القيادة الدعوية
- أدركوني.. أكاد أفقد إيماني
|