باختصار كان لي مواصفات معينه في شريك حياتي، وكنت أرفض أي زواج عادي، وأبحث عن إنسان معين بمواصفات أتمناها، ويكون بيننا توافق في أحلامنا وأهدافنا، ونكون متوافقين في أشياء كثيرة.
وعندما تخيلت أنني قد وجدت هذا الشخص فوجئت بأشياء لم أكن أتوقعها، حدثت اختلافات مادية، سعيت في حلها وكان من المفروض أن أنتظر حتى أرى ماذا سيفعل، ولكن لأنني وجدت به ما أتمنى تسرعت وبدأت أنا في حلها، وبعد ذلك جاء ليقول لي إن والده قد رأى رؤيا، وأنها ليست لصالحنا.. المهم استعنت بشيخ أثق به من أهل البيت، وبعدما تكلم معه لاحظ ما كنت أنا ألاحظه وأكابر وأقول لا مستحيل، وهو أن من أحلم به إنسان سلبي، وكما قال شيخي هو بالفعل ذو أخلاق وقيم وصاحب فكر، ولكنه ليس صاحب قراره، وهنا نصحني بنصيحة وهي أن يقابله، وأتركه دون مساعدة مني لنرى ماذا سيفعل: هل سيتمسك بي أم سيفعل ما ذكره والده، وبالفعل.. وكانت النتيجة أنه للأسف لم يكن عند ظني الحسن به.
المشكلة أنني ما زلت أفكر به رغم انشغالي وتقدم غيره لي، وأجدني ما زلت أفكر بهذا الموضوع، وعقلي يقول: احمدي الله، أنت لا تستطيعين أن تعيشي مع إنسان ليس صاحب قراره، والحمد لله أن الموضوع انتهى في البداية، وأجد قلبي يجيب: وكيف تحكمين وتظنين وما أدراك بظروفه والضغوط التي حوله؟!
أنا فعلا متعبة، ومشكلتي أنني لا أحب أن أشكو لأحد غير ربي، ولكن فكرت أن أبعث لكم فربما أجد بين كلماتكم ما يطيب نفسي.. والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
ابنتي العزيزة،
آن لعقلك وقلبك أن يضع كل منهما سلاحه ويفكرا ويتصافيا ويوظفا خلافهما في الرأي لصالح مشكلتك .
هدئي يا ابنتي من روعك، وتذكري معي أن انتظار الحلم في فارس الأحلام قد لا يتحقق من أول طارق يطرق بابك .
تعلمين يا ابنتي أن الرجل والمرأة مكملان لبعضهما للقيام برسالتهما في الحياة وتكوين الأسرة وتحقيق الدفء والود والتواصل لكل منهما، وتقديم نماذج صالحة للحياة والمجتمع بحيث لا يتوقف تيار الخير والخلافة في الأرض .
ولكن التوافق بينهما في القيام بالأدوار الحياتية لا ينفي أن لكل منهما دورا محددا لا يستطيع الآخر أن يقوم به .
ويبرز دور الرجل في أنه مبادر وآخذ للقرار وحام لبيته وغير متواكل، وهذا هو الرجل الذي تحبه المرأة وتحتمي به حيث يشعرها أنه يحبها بحمايتها، قد تكون قادرة على حماية نفسها ولكنه الإحساس المطلوب دوما من شريك العمر والحياة .
كما أن تحمل المسئولية فرض على الزوجين وعلى الرجل أكثر وإلا واجهت الزوجة مشكلات حياتية وواقعية إذا قامت هي بدوره في الحياة، لا سيما إن كان موجودا معها بجسده بين أركان البيت .
وإذا كان خطيبك السابق غير متمتع بهذه المواصفات الضرورية وهو على أعتاب الزواج فما بالك إذا خضتما مشوار الحياة وواجهتكما مشكلاتها ومسئولياتها .
وعندئذ ستبحثين عنه حولك ولن تجدي إلا ظلا لرجل، وستفتقدين كل المعاني الجميلة وعندئذ لن تكتمل مشاعر الأنثى بداخلك إلا باكتمال مشاعر الرجولة وصفاتها.
ودعيني أقل لك:
إن تصرفك وخطاب عقلك لك كان التصرف الأصوب، والشواهد على ذلك من خطابك كثيرة ومتعددة؛ فهو في البداية يكسر قلبك بحكايته عن رؤية أبيه بأن ارتباطكما ليس موفقا وليس لصالحكما.
نعم إننا نرى أحلاما ورؤى وقد نستريح لها أو نجزع منها خلال اليوم، ولكن يبقى للواقع أحكامه التي نمسكها بأيدينا ونطمئن لها بعقولنا.
وليس أبوه -رغم كل الاحترام والتقدير- هو إبراهيم عليه السلام، كما أنك كنت محبة له ووقفت بجواره أكثر من مرة. لقد كان واجبا عليه أن يكتم هذه الرؤيا عنك، ولا يؤذي إحساسك بها، لا سيما أن هذه الرؤيا لم يؤكدها أي واقع من ناحيتك.
يبدو يا ابنتي أنك ناضجة أكثر منه بحد كبير، ولكن هذا لا يعني أن تقومي بدور الرجل والمرأة في آن واحد فتأخذي له قراراته.
وقولي لقلبك وعاطفتك إن الحياة لا تبنى ولا تتوقف على الأمنيات والأحلام، إنما لا بد أن نقيم من يريدون أن يرتبطوا معنا بشراكة دائمة في الحياة بشكل موضوعي ومحايد، بحيث لا يكون للقلب أو العقل فيه الصوت الأعلى.
وإذا كان مطلوبا من الرجل أن يكون قواما على زوجته "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض" فأي تفضيل له يا سيدتي يجعل منه قيما عليك وهو متواكل وسلبي وليس صاحب قرار في أدق الأشياء الخاصة به وحده في الحياة؟!
إن اختيارك بالبعد عنه هو التصرف الأصوب، وهذا يا ابنتي ليس فتى أحلامك المناسب، فالرجل تصرف، والحمد لله أن هذا الاكتشاف كان الآن وإلا كان المصاب أفدح والعاقبة وخيمة ولم تكن حياتك لتستقيم مع هذا الشخص .
هذا يا ابنتي لا يصلح لك بالمرة، إنه مهتز الثقة في نفسه وقدراته، وهذا لا ينفي صلاحه. وقد كان الإمام علي رضي الله عنه يقول "إن من أصحابي من أرجو دعوته وأرد شهادته"، فأحيانا يكون الإنسان على المستوى الشخصي صالحا وعابدا ولكن في أمر ما كالشهادة لا يكون كذلك لأن هذا يقتضي منه التركيز والضبط .
فليهدأ كيانك كله ولتذهب حيرتك، وثقي أن في الغد خيرا لك.. استعدي له بتفاؤلك ونسيانك للماضي، وافتحي ذراعيك للحياة، ودعي القلق.