بسم الله الرحمن الرحيم،
الأستاذ الكريم أحمد عبد الله، هذه مشكلة مستعصية على الحل منذ سنوات طويلة، أسأل الله تعالى أن يعينك لترشدنا إلى حلها، سأعرضها عليك باختصار ما أمكن إن شاء الله.
لي أخت على درجة عالية من الدين والجمال والعلم (بشقيه الديني والدنيوي) وهي الآن في الثلاثينيات من العمر، ابتلاها الله عز وجل بالتهاب القولون التقرحي منذ بدايات دراستها الجامعية، وهو مرض يأتيها على نوبات، ولكنه كامن الآن ولله الحمد منذ سنين بسبب المعالجة الدائمة، وليس هنا بيت القصيد بل في داء آخر هو وسوسة الطهارة (ولا أعرف والله من أين جاءتها في بداية المرحلة الجامعية؛ إذ كانت تدرس في بيت راق للطالبات الملتزمات ملؤه الحب والعلم والدعوة).
ومنذ ذلك الحين بدأت تدريجيا تدخل في حلقة مفرغة من وسوسة الطهارة (التي تضطرها اليوم للبقاء ساعات طوال في التواليت -أعزكم الله- لمرة واحدة كي لا تبقى فيه مدى الحياة لو دخلت عدة مرات...)، وما استتبع ذلك من اضطراب عمل المثانة (التي تبقى محتبسة بالمقابل ساعات طوال) مما زاد الطين (الوسوسة) بلة.
كل ذلك أدى إلى صراع مرير متكرر ممل بين أهلي وبينها مبدؤه حرصهم على مكانتها وصحتها ومستقبلها، ومنتهاه خلاف وشقاق محزن حقا.. حتى اضطررنا إلى بناء تواليت "إفرنجي" خاص بها بناء على رغبتها بعد أن بدأت تعاني من آلام مفصلية بسبب الجلوس الطويل في التواليت "العربي"..
أخي الدكتور أحمد، لقد أعيتني السبل في محاولة إصلاح الأمر معها من جهة ومع أهلي من جهة أخرى؛ فأنا لا أملك إلا أسلوب الحوار بالتي هي أحسن معها (وهذا منذ سنين)، وأهلي يريدون مني أن أمارس الضغط والإكراه عليها (وهذا ليس من طبعي ولا قناعتي فضلا عن أنه جرب في مرات قليلة سابقة دون جدوى).. حتى وصلت إلى قناعة أن هذا الأمر لن يغيره إلا مبتدأ رحمة من الله تعالى مع الدعاء المستمر لها ومحاورتها من حين لآخر.
أهلي يريدون عرضها على طبيب نفسي!! أي طبيب هذا وهم يعلمون ويقرون أنها ستعطي له ولغيره دروسا في العلم؟ (هل تعلم أنها حلت وتحل مشاكل الكثير من الناس؟! هل تعلم أن كل بنت تتعرف عليها تحبها لأول جلسة -بل وربما تعشقها- وتتأثر بحديثها أيما تأثر!! إنها داعية من الطراز الأول من حيث النوع وليس الكم، وهي على هذا الحال الذي ذكرت فكيف لو كان الحال غير الحال؟!) ربما ستقول: لغز محير.. إنه كذلك فعلا..
هي ترفض فكرة الزواج؛ لأنها تعتقد أنها لا تصلح له وهي على هذا الحال (وهي محقة)، فضلا عن أنها تتبنى (لنفسها فقط) فكرة التفرغ للدعوة.. باختصار كان سيكون لها شأن كبير في مجتمعها لولا ما ذكرت، والله المستعان..
أخي العزيز،
إني أثق بحكمتك وحكمة إخوانك في الموقع لما قرأت لك ولهم وهو كثير.. أسأله عز وجل أن ينفع بكم الإسلام والمسلمين أولا والناس أجمعين ثانيا و{للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
يبدو أن مناهج الدراسة في كليات الطب العربية ما زالت قاصرة عن الإحاطة بجوانب الأمراض النفسانية إلى درجة أنك يا أخي تجهل أن أختك تحتاج إلى علاج بالعقاقير، وربما أيضًا تحتاج معه إلى علاج نفسي معرفي وسلوكي!!
وربما تكون لديك الفرصة للاطلاع على إجابات سابقة لنا توضح جوانب معاناة مرضى الوسواس القهري، وسبل العلاج بإذن الله.
ويمكنك أيضا التعرف على المزيد عن هذا المرض وغيره من خلال " موقع مجانين " المتخصص في نشر الصحة النفسية الاجتماعية، وأرجو أن يكون عرضها على الطبيب أو الطبيبة المتخصصة قريبا، ولا محل للخلط بين مواهبها الشخصية الجذابة وحاجتها للعلاج من مرض يصيب كل الناس، ويذهلني أنك طبيب وتعتقد مثل العامة أن الأذكياء الموهوبين لا يمرضون نفسيًا!!.
إن اضطراب الوظائف النفسية من إدراك وتفكير وشعور.. إلخ مثل اضطراب الوظائف البيولوجية كالقولون أو المثانة أو غيرهما من حيث إن المرض يحتاج إلى العلاج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء.. إلا الموت"، وفي رواية: "إلا الهرم" أي التقدم بالعمر، أو كما قال.
رسالتك تكشف أنه ما يزال بيننا وبين نشر الوعي بالصحة النفسية بون كبيرة، وأرجو أن تكون أنت وغيرك من أصدقائنا جزءًا من تقريب المسافات، وإشاعة المعرفة السليمة بالمرض والعلاج.
لا توجد ألغاز في حالة أختك يا أخي الكريم، فلا تتردد في السعي معها لعلاج كافة الأمراض التي تعاني منها، وربما تراجعان بعد ذلك موقفها من الزواج، وأنا أرى أن الأمر مرهون بطرف ثالث غائب عن النقاش، وهو الزوج المحتمل، وستجدون أفرادًا من الرجال يرغبون بالمرأة لعقلها وجمالها وأخلاقها، وربما لا يريدون الإنجاب الذي ربما لا ترغب به أختك تجنبا لمسئولية تربية الأطفال أو خشية أن يولدوا مصابين بنفس أمراضها.
تحياتي لك، وتمنياتي لشقيقتك بالصحة والعافية النفسية والعضوية، وسلامنا، لأهلك في بلدك الحبيب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.