تأثرت لقراءتي هذا الموضوع؛ لأنه "قلّب علي المواجع" كما يقولون، وإن شعرت بأن تشابه تجربتي مع تجربة هاني ومآلها الأفضل بصورة أو بأخرى قد يحمل له نوعًا من الأمل.. فأنا مثله عانيت من الوسواس القهري، ولأنني مثله قارئ شرهٌ للأدب والفلسفة والسياسة فقد بلغ معي التفكير الوسواسي آفاقًا مذهلة شديدة التعقيد، وإن نحا هاني منحى الصوفية وما وراء الطبيعة، فإنني -لخلفيتي السابقة- اتجهت اتجاهًا عقلانيًّا إلحاديًّا على الطريقة الأوروبية، ولا أزال أذكر جيدًا يومًا وصلت فيه لمرحلة عدم قدرتي على الاستمرار على قيد الحياة (بتلك الصورة).
ولقد جربت أيضًا أنواعًا مختلفة من الأطباء النفسيين أسوؤها هم فئة كبار الأساتذة ممن يؤمنون بأهميتهم وبقيمة وقتهم الذي لا ينبغي تضييعه في الاستماع إلى ترهات المرضى، وبأن العلاج الدوائي كافٍ ومؤثر حتى من دون أن يقابل الطبيب المريض.. ومشاعر هاني تجاه طبيبه أحسست بما يقاربها عند طبيبي الأخير، وإن كنت قد وجدت عند طبيبي إجابة لأسئلة مثل التي أعيت طبيب هاني، بل وأستمر في لعبة إيجاد أوجه التشابه فأقول أيضًا إنني قضيت فترة مراهقتي في إحدى دول الخليج وكنت -أيضًا- سمينًا حييًّا، إلا أنه لحسن حظي نجوت من... (البقية معروفة) وانحصر الأمر في شعور مذل بالاستهداف والنقص استغرق الكثير جدًّا حتى تمكنت -فيما أعتقد- من الخلاص منه.
الجزء الجيد من الموضوع هو أنني -والحمد لله- تخلصت من الأفكار الوسواسية وأستطيع الآن أن أمارس حياتي بصورة طبيعية وأقرأ ما أشاء من مواضيع شائكة وأخوض فيها دون أن أتعرض للوساوس وأصبحت القراءة متعة مرة أخرى بعد أن كانت تعذيبًا مريعًا.
والتفكير الوسواسي مهما اجتذبنا لطبيعته الغريبة والنظريات (الخاصة) التي لا يفهمها أحد سوى الموسوس ذاته كان لي أيضًا نظريتي الوسواسية عن نسبية الخطأ والصواب وعجز العقل البشري عن إيجاد الخطأ والصواب؛ لأنه لا يوجد خطأ وصواب، بل ما يعتقد هذا الشخص نتيجة لتراكمه المعرفي وبيئته ودوافعه أنه خطأ وصواب، وهذه طبعًا "سفسطة"! والتي تشعر الموسوس بقيمته الذاتية وبأنه يمتلك قدرة لم تؤتَ لغيره نتيجة لتحمله آلامًا لا يتحملها الآخرون، فلا معرفة دون عذاب، ومن أجل ذلك نلتذ بالعذاب حتى نعرف ونفهم وندرك ما لا يدركه الحمقى الآخرون الراضون الهانئون القانعون بحياتهم الجاهلة كخنازير ترقد في الوحل مع مسحة مازوكية لا بأس بها!
مهما اجتذبنا هذا التفكير الوسواسي فإن ذلك لا يزيد عن موقف الثعلب في حكايات أيسوب الحكيم والذي لم يصل للعنب فقال إن ذلك العنب مر!
لا شيء يفوق نعمة أن تكون طبيعيًّا وأن تمتلك ناصية عقلك، وأن تصبح قادرًا على الاستمتاع بالحياة مرة أخرى، وأن تشعر أن ما تفكر به هو ما تفكر به حقًّا وليس نتيجة خلل في كيميائية دماغك. سأقول لك ما قاله لي طبيبي أخ هاني أنت لست فيلسوفًا، أنت مريض بمرض الوسواس القهري، إن ما تقوله ليس فلسفة بل نتيجة خلل في كيميائية دماغك، لقد عددت ما قاله طبيبي مهينًا بصورة أو بأخرى؛ لأنني طالما فكرت في نفسي كمفكر ولي محاولات مغمورة في الكتابة، إلا أنني "ابتلعتها" على مضض، رفض طبيبي أن يناقشني في فلسفتي وفي تصوراتي الخاصة، وكما قال لي فليس ذلك عن عجز، بل لأنني مريض!
وحقيقة، فإنني لاحظت أنني أثناء مرضي فقدت القدرة على موازنة الآراء، بمعنى أنني إذا انهمكت في تفكير عميق حول وسواس باعث على الشك عن الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً وقمت بمناقشته منطقيًّا وفندته، فإنه بعد مرور عدة ثوان أو عدة أيام كان يعود لي ملحًّا مؤلمًا كما كان، أي أن العقل هنا ليس منطقيًّا ولا يلتزم بالمنطق، بل هو عقل مريض.
تخلص من هذه الفلسفة ومن هذا الإعجاب بها الآن يا أخ هاني، وعد لها كما شئت -إن شئت- بعد شفائك بإذن الله، وستفاجأ بقدرتك على تجاهل الكثير مما شغل دماغك أيامًا بكل بساطة.
كان علاجي الدوائي هو كلوميبرامين، ولا أريد أن أعرض لبرنامج العلاج السلوكي الذي سلكه طبيبي -بالمناسبة هو د. عمرو أبو خليل- فما يصلح لمريض قد لا يصلح لآخر، وأنا لست طبيبًا نفسيًّا!
باختصار، هناك أمل يا أخ هاني، وستجتاز هذا المرض بإذن الله تعالى، وستتمكن من أن تنظر له وتتذكره في يوم من الأيام، وتحمد الله على نعمة العافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأخ العزيز أهلاً بك، وشكرًا على مشاركتك القيمة التي فضلنا نشرها كما جاءت، رغم اختلافنا فيها معك في بعض النقاط.. إلا أنها تساهم بحق في إعطاء الأمل لصاحب مشكلة حبيس البيت أم حبيس الوسوسة؟؟
ولغيره أيضًا من ضحايا الوسواس القهري، ولكل راغب في معرفة خبرات المرضى النفسيين الذين منّ الله عليهم بالشفاء.
فنادرًا ما نجد أمثالك ممن يمتلكون الشجاعة والصراحة مع النفس ومع الآخرين، خاصة في مجال تخصصنا، فالطبيب النفسي يختلف عن كل التخصصات الطبية الأخرى في أن مرضاه السابقين الذين منحهم الله منحة الشفاء نادرًا جدًّا ما يذكرون ذلك لغيرهم، على عكس ما يحدث في كل تخصص، وذلك بالطبع بسبب الموقف الخاطئ الذي يتخذه في مجتمعاتنا العربية كثير من العامة والخاصة على حد سواء، والمتمثل في اعتبار الطب النفسي واللجوء إلى الطبيب النفسي أو تناول علاجه بمثابة الوصمة التي لا ينبغي التصريح بها، وهذه الوصمة التي يعتقدُ كثيرون أنها خاصة بمجتمعاتنا ليست كذلك كما سأبين لك ولغيرك في السطور التالية:
وبينما يظنُّ كثيرون في مجتمعنا أن الناس في المجتمع الغربي مقتنعون مقبلون على الطبيب النفسي كما تظهر لنا الأفلام الأجنبية والمسلسلات التلفزيونية!، ويعتقدون بسبب ذلك أن النظرة السلبية للطب النفسي هي سمة من سمات مجتمعاتنا العربية؛ لأن كل شيء حولهم يشير إلى ذلك، فالحقيقة أن من يقرأ معطيات التراث الغربي في الطب النفسي سيجد أن وصمة المرض النفسي ووصمة الطب النفسي والطبيب النفسي بالتالي، إنما هي مكون أساسي في الفكر الغربي على مر العصور، وحقيقة الأمر أن الأفلام والمسلسلات التلفزيونية الأجنبية تلك موجهة أصلاً للمجتمع الغربي لمحاربة التوجه السلبي نحو الطب النفسي والمرض النفسي والمتأصلة في ذلك المجتمع!
وبينما يحاول المفكرون في الغرب إيهامنا نحن الأطباء النفسيين بأن التوجه السلبي تجاه المرض النفسي والطب النفسي بالتالي إنما هو توجه عالمي نبع في كل مجتمع على حدة، يتبين لمن يمعن ويتمعن في مقارنة تراثنا بتراث الغرب أن الحقيقة هي أن ذلك التوجه السلبي نبع من عند الغرب وانتقل إلينا، ولو أننا بحثنا في تراثنا العربي لوجدنا ما يشير إلى توجه آخر وتصور آخر مختلف بالفعل عما أخذناه غافلين عن الغرب!
المجتمع الإسلامي (أو الشرقي بصفة عامة) الذي نعيش فيه مجتمع تراحمي في المقام الأول، صحيح أننا مع الأسف الشديد أصبحنا نفقد تلك الصفة الاجتماعية بالتدريج في الفترة الأخيرة، إلا أنني أتكلم عن جذور المفاهيم التي كان يقوم عليها مجتمعنا، ولعلَّ في المثال التالي ما يؤكد هذا الكلام:
مما هو مشهور بين الأطباء النفسيين أن الكثيرين ممن يعتبرهم أهلنا في الريف أناسًا "مبروكين"، أو "مجذوبين" أو "شيوخًا" إنما هم مرضى باضطراب الفصام المزمن أو النقص العقلي الخفيف -وهذا أمر لا أنفيه لأنه صحيح بالفعل- ولكنني أريد من القارئ أن يستنتج معي من ذلك أن المريض النفسي كثيرًا ما يحتضنه مجتمعنا -خاصة في الريف- فيتعامل معه على أنه مجذوب أو مبروك إلى غير ذلك من المفاهيم التي تحمل طابعًا تراحميًّا، بالرغم من أن البعض قد يستخدم نفس هذا المثال ليبين جهل المجتمع بالطب النفسي.
المهم -كي لا أطيل عليك في مناقشة هذه المسألة- أنني أردت أن أحييك على توجهك وعلى رغبتك في مساعدة صاحب المشكلة، والذي أتمنى أن يجد في مشاركتك وردي هذا عليها ما يخفف عنه بعض الشيء خاصة وأنك قسوت عليه، كما كنت أنا قد قسوت عليه بعض الشيء أيضًا في ردي.
وأصل بك الآن إلى النقاط التي نخالفك في الرأي فيها فأولها هي إشارتك إلى كبار الأساتذة في الطب النفسي، وأنا هنا أحب فقط أن أوضح حقيقةً يستحيل أن تغيب عن طبيب نفسي يعرف مهنته ويمارسها بنجاح، وهي ما علمه لنا كبار أساتذتنا وصغارهم كما علمها لنا مرضانا، هذه الحقيقة هي أن "الطبيب النفسي الجيد هو المستمع الجيد"، وبالإنجليزية -كما تعلمناها- A Good Psychiatrist is A Good Listener، معنى ذلك أن الطبيب النفسي الذي يتخلى عن إعطاء نفسه الفرصة لسماع المريض إنما يتخلى عن أهم دعائم مهنته، وهذا ما لا يستقيم مع سلوك من أعرف من الأساتذة مع مرضاهم، وربما تكون حادثة فردية حدثت معك، لكنني أختلف معك في صلاحيتها للتعميم.
أما ما قسوت أنت فيه على صاحب المشكلة، وغيره كثير من الحق معك، لكن ليس الحق كله، فصحيح أن الأفكار التسلطية والأفكار الاجترارية والتشكيكية التي تقصدها في إفادتك إنما تستجيب وتخف حدتها حينَ يتناول المريض عقار الماس (كلوميبرامين) أو الماسا (بأنواعها المختلفة) والتي يرجع فيها إلى إجابات سابقة على صفحتنا مشاكل وحلول للشباب مثل: الماس والماسا واحتمال الخطأ.
أي أن هذه الأفكار تقل وتتحسن بعد زيادة السيروتونين نتيجة لاستخدام هذه العقاقير، وعكس ذلك أيضًا صحيح، بمعنى أن من لا يعانون إطلاقًا من مثل هذه النوعية من الأفكار يعانون منها لأول مرة في حياتهم إذا استخدموا عقارًا مضادًا لفعل الناقل العصبي السيروتونين، حيث تحدث لهم وساوس (أفكار تسلطية وأفعال قهرية) لأول مرة في حياتهم بعد استخدام مضادات السيروتونين، كل هذا يعضد فكرتك عن أن الأفكار التسلطية تلك تكون مصحوبة بخلل كيميائي كما يكون اختفاؤها مرتبطًا بتصحيح ذلك الخلل، إلا أن هذا ليس هو التفسير الجامع المانع إذا أردنا أن نجعل كلامنا كلامًا علميًّا نحاسب عليه أمام الله تعالى، فهناك ظواهر لا داعي للخوض فيها الآن تبين ذلك.
ثم إن هناك من الأفكار ما نستطيع تسميته بالأفكار الاجترارية شبه الفلسفية التي تكون طبيعية أصلاً عند كثيرين من الناس، وأحيانًا يكون الفصل بين الأفكار الفلسفية، وما نسميه بالأفكار شبه الفلسفية أمرًا غير سهل بالمرة، ما أقصده هو أن أبين أنني رغم اختلافي مع نوعية الأفكار التي طرحها صاحب المشكلة الأصلية لصاحب مشكلة حبيس البيت أم حبيس الوسوسة؟؟ فإنني لا أستطيع استبعاد قدرة المريض باضطراب الوسواس القهري على أن تكون أفكاره الفلسفية أفكارًا صحيحةً وربما كان مبدعًا في تفكيره، فهو إنسان مثلي ومثلك وليست كل أفكار مريض الوسواس القهري أفكارًا مرضية، حتى وإن كان إلحاحه في محاولة عرضها مرضيًّا! خاصة وأن العلاقة بين الطب النفسي والإبداع هي علاقة لا ينكرها عاقل بين الأطباء النفسيين، فالإبداع جنون منتظم والجنون إبداع متناثر أو منفرط، وأنت ربما دفعت طبيبك بسبب إلحاحك إلى ما قاله لك أثناء مرضك، ولكنني أعتقد أنك الآن لو عرضت عليه إبداعك لقبله منك ولسر به؛ لأن الله عز وجل الآن قد أنعم عليك بالشفاء، وهذا ما نتمنى أن يكون أيضًا من نصيب صاحب المشكلة.
أكرر شكري لك على مشاركتك وشجاعتك واعترافك بفضل الله سبحانه أولاً، ثم بفضل طبيبك النفسي وهو صديقنا وأحد دعائم صفحتنا أخي الدكتور عمرو أبو خليل.
وفي النهاية.. أدعو لك الله بمواصلة القراءة والتفكير والإبداع، وتابعنا بأخبارك.