السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مشكلتي تتلخص في زوجي؛ فهو يعاني من مرض الوسواس القهري، فعند وقت الصلاة يدخل الحمام ولا يخرج إلا بـ "طلعة الروح"؛ وهو ما يجعله يتأخر عن الصلاة، وأحيانا ينام عن الصلاة وعندما أوقظه يقول سأتأخر في الحمام ودعيني كي أنام، وعندما يستيقظ يندم على ذلك.
ولا يريد أهله أن يقتنعوا بمرضه، ويعتقدون أنه يصطنع ذلك، مع العلم أن زوجي اصطحب والده إلى الطبيب النفسي ليشرح له هذا المرض، ولكن لا فائدة؛ وهو ما أدى إلى خلافات كثيرة مع أهله.
ومعاملة زوجي لأهله وإخوته سيئة جدًّا وبالأخص مع أخيه الأكبر منه؛ فهو يكرهه لأن والده يفضله عليه؛ لذا زوجي يريد أن ينتقم منه.
وهما يعملان عند والدهما، وزوجي لا يداوم كما يريد والده بعكس أخيه وذلك بسبب حالته.
أحيانا تقوم أمه بالاتصال بي في الصباح لتعرف هل ذهب العمل أم لا؟ وإذا لم يذهب توجه اللوم لي؛ لأني لا أوقظه مبكرًا، وأني لا أقول له بأن هذه وساوس بإمكانه التحكم فيها؛ وهو ما يضطرني في بعض الأحيان أن أكذب عليها؛ فزوجي نومه ثقيل بفعل الأدوية التي يتناولها.
لا أعرف كيف أتصرف مع زوجي ومع أهله؟ كيف أوجه زوجي إلى السلوك الصحيح؛ فأنا خائفة أن يؤثر ذلك على ابنتي الصغيرة؟ أيضا ما الحكم في تأخره عن الصلاة؟ وجزاكم الله خيرًا.
الأخت السائلة، أهلاً بك، أحييك على اهتمامك بأمر زوجك رغم أن ذهابه للطبيب وتناوله الدواء كان سيجعك تكتفين بذلك، لكنني ألمس فيك نوعًا من الحرص الفائق الذي عادةً ما نفتقده في مثل تلك الحالات، ونُرجع تأخر استجابة المريض للعلاج إلى غيابه، وإن كنا في ذات الوقت نجد غيابًا للتعاون من بقية الأسرة وهم أهل زوجك، وسأبدأ أولاً بشرح الحالة لك.
فهناك مجموعة قليلة من مرضى اضطراب الوسواس القهري يقضي أصحابها فترات مفرطة في الطول "ساعات" لقضاء أفعال يفعلها معظم الناس خلال دقائق؛ فمثلا إذا دخل أحدهم الحمام فلا يخرج قبل ساعة أو ساعتين، وإذا كان موعد عمله اليومي الثامنة صباحًا فإن عليه أن يستيقظ في الخامسة صباحًـا على الأقل؛ لأنه يحتاج أكثر من ساعتين ليكون جاهزًا للخروج من بيته؛ فهو يحتاج ربع ساعة مثلا ليقوم من سريره، وربع ساعة أو أكثر ليغسل أسنانه بالفرشاة، ونصف ساعة ليحلق ذقنه، وربما ساعة كاملة ليستحم، وربع ساعة ليمشط شعره، ونصف ساعة ليفطر ومثلها ليرتدي ملابسه... وهكذا.
ودائما ما يكون البطء في أداء أفعال تتعلق بالعناية بالجسم والنظافة والهندام بحيث تأخذ وقتا مفرطًا؛ لأن المريض يؤديها بتركيز وتدقيق في أدق وأهون التفاصيل، ويصر على أن كل شيء يجب أن يكون مضبوطًا بالضبط!! ومعظم المرضى بهذه الحالة من الرجال وخاصة في الحالات التي لا يكون واضحا أنها بسبب الوساوس والطقوس ويميل أصحابها إلى العزلة من الناحية الاجتماعية.
وهنا مثالان مما ذكره "عبد الوهاب الشعراني" في "المنن الكبرى" كأمثلة على الموسوسين من المسلمين:
1- "وقد رأيت من ذهب أيام النيل إلى بركة خارج القاهرة ليطهر ثيابه؛ فما زال يغسلها ويجففها إلى آخر النهار، ثم ضم ثيابه، ولبس بعضها ثم شك في بعضها... ثم شك في أنه هل غسلها؟ أم لا؟ وكان قد مر على صيادي السمك في طريقه إلى البركة، فلما رجع قال لهم: هل رأيتموني مررت عليكم بكرة النهار ومعي ثيابي؟ فقالوا له: ما رأيناك، فقال: إذن أنا ما ذهبت إلى البركة... ثم ذهب من بكرة النهار إلى البركة ثانيًا!!".
2- وَشهدتُ أنا بعينيَّ موسوسًا دخل ميضـأة ليتوضأ قبل الفجر من ليلة الجمعة فلا زال يتوضأ للصبح حتى طلعت الشمس... ثم جاء إلى باب المسجد فوقف ساعة يتفكر... ثم رجع إلى الميضأة... فلا زال يتوضأ ويكرر غسل العضو إلى الغاية... وينسى الغسل الأول... ولم يزل حتى خطب الخطيب الخطبة الأولى... ثم جاء إلى باب المسجد فوقف ساعة ورجع.. فلا زال يتوضأ حتى سلم الإمام من صلاة الجمعة... وأنا أنظر من شـبَّـاك المسجد.. ففاتته صلاة الصبح والجمعة!!!
ويرى كثير من الأطباء النفسيين أن البطء الوسواسي القهري جزء من اضطراب الوسواس القهري، والحقيقة أن هذا أريح للعقل وأقرب للمنطق؛ لأن النتيجة المنطقية لوساوس وأفعال قهرية تتعلق بالنظافة والتدقيق في التحكم في كل شيء وضبطه هي البطء بالطبع في فعل الأفعال الإنسانية.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة دائما، حيث يرى بعض الأطباء النفسيين وبعض علماء النفس أن البطء الوسواسي اضطراب مختلف ومستقل عن اضطراب الوسواس القهري رغم وجود أعراض الحالتين معًا في الكثير من الأحيان، ويدللون على ذلك بأن هناك دراسات تشير إلى بقاء البطء الوسواسي في المرضى بالرغم من تحسن الوساوس والأفعال القهرية بعد العلاج.
وإن كان يمكن الرد عليهم بأن ذلك لا يعني إلا أننا نحتاج إلى علاج آخر ربما أفضل من المتاح حاليا أو علاج أشمل، سواء كان علاجا دوائيا أو سلوكيا معرفيا لعلاج البطء الوسواسي، لكننا نستطيع أن نستنتج من ذلك أن السبب في البطء الوسواسي ليس بالضرورة هو الوساوس والأفعال القهرية.
والأمر المهم والمؤسف في نفس الوقت هو أن استجابة هذا البطء الوسواسي القهري "سواء كان جزءًا من اضطراب الوسواس القهري أو عرضًا من أعراضه أو كان مستقلا عنه" للعلاج النفسي بكل صوره مشهورة.. ضئيـلة إلى حد كبير، وَيبدو أن عوامل أخرى في حياة المريض -مثلا اجتماعية- تساعد على عدم استجابة المرض للعلاج؛ فهناك عدم تعاون أفراد الأسرة مع المعالج النفسي، وهناك كذلك عدم رغبة المريض في التحسن، وربما وجود أفكار مبالغ في تقييمها لديه، لكن كل هذه العوامل لم تدرس بالعمق الكافي حتى الآن.
فإذا سألنا بماذا يفسِّرُ الشخص المصاب بهذا البطء الوسواسي القهري سلوكه ذلك؟ فإنه في كثير من الأحيان لا يعطيك إجابة واضحة، أو يكلمك عن تأخره أو بطئه وكأنه أمر عادي، أو كأن الآخرين الذين لا يتأخرون مثله مقصرون فيما يجب عليهم أن يفعلوه بدقة. وبعضهم بالطبع يشكو لك من وقوعه أسيرًا للأفكار التسلطية التي ترغمه على البقاء في الحمام مثلاً لساعات طويلة لكي يتأكد من نظافته أو من طهارته، وبعضهم يستهلك ساعات في تصفيف شعر رأسه أو شعر حواجبه، ويهتم جدًّا بجعل التناسق ما بين الشعرة والشعرة عند الحد الذي لا تناسق بعده! وبعضهم ينظر إليك في استغراب وكأنك تسأل عن شيء ليست لديه إجابة عليه.
وأما إذا عدنا لحالة زوجك فأنت تقولين بأن العلاج الذي جعل نومه ثقيلاً، ونحن هنا نريد أن نعرف أي أنواع العلاج يأخذه زوجك، فمن بين عقاقير علاج الوسواس القهري عندنا الماس وهو الكلوميبرامين، وأحد أعضاء مجموعة الماسا وهو الفلوفوكسامين هما فقط اللذان قد يتسبب استخدام جرعات عالية من أحدهما في زيادة القابلية للنوم، وأنا طبعًا أذكر لك الأسماء العلمية للعقاقير وليس الأسماء التجارية، وفي حالة تناوله لأي من هذين العقارين فإن بإمكان طبيبه المعالج أن يغير العلاج إلى أحد أنواع الماسا التي لا تسبب الخمول والنعاس بهذا الشكل الذي يؤثر على إنتاجية المريض، ولمعرفة كل شيء عن عقاقير علاج الوسواس القهري يمكنك مراجعة إجابات سابقة لنا على صفحتنا مشاكل وحلول للشباب:
الماس والماسا واحتمال الخطأ • (ماس) و(ماسا) .. هل "يخربطوا" الدماغ • الصبر على الماس يمحو الوسواس • الوسواس القهرى : أنواعه وأعراضه وحكمه الشرعى
وأما سؤالك عن حكم تأخره عن الصلاة فإن عليك أن تتوجهي بهذا السؤال إلى قسم الفتوى بموقعنا فهم أكثر دراية مني بهذا.
وأما رأيي الشخصي (ولست أهلا للإفتاء) فهو أن زوجك إذا كان نائمًا بفعل العقار ولم يستطع القيام للصلاة فإن الرأي عندي أنه لا حرج عليه، وأعضد ذلك بندمه عند استيقاظه وعودة وعيه، وأما إن كان زوجك ينام لكي يجنب نفسه مشقة البقاء طويلاً في الحمام فإن الأمر سيختلف وهو لو جاهد نفسه لكان أكثر حصولاً على الثواب من الله، ولكان أيضًا أقرب للخروج من وطأة البطء الوسواسي الذي يقع فيه.
وأعتقد أن زوجة نابهة مثلك يمكن أن تكون بمثابة المعالج المساعد للطبيب الذي يعالج زوجك، إن كانت ظروف بلدكم تسمح للطبيب النفسي بشرح المطلوب منك لكي تساعديه على تنفيذ واجبات العلاج السلوكي في المنزل؛ فيمكنك مثلاً مساعدته على عدم الاستجابة لأفكار التكرار التسلطية أثناء الوضوء أو غيره، حسب الحالة.
وأما خوفك من تأثير ذلك على ابنتك الصغيرة -حفظها الله- فهذا أولاً أمر في علم الله، وإن كانت المعلومات المتوافرة من الناحية الوراثية تشير إلى كون البطء الوسواسي أكثر تأثيرًا وحدوثًا في الذكور.
وأما من ناحية وراثة اضطراب الوسواس القهري نفسه فربما، ولكن الأمر غيب لا يعلمه إلا الله كما قلت. وأما من ناحية تأثر البنت سلوكيا فأنا أعتقد أن أمًّا مثلك -حفظك الله- جديرة بأن تحفظ بنتها وتمنع عنها الآثار السلبية.
إذن عليك أن تطلبي من الطبيب المعالج أن يغير نوعية العقار الذي يتناوله زوجك، وعليك أن تحاولي إن أمكن أن تأخذي دور المعالج المساعد، وفقك الله وسدد خطاك، وتابعينا بأخبارك.