أنا والتزامي والشياطين: آسفة لأنني لا أستطيع أن أرسل بريدي الإلكتروني: أنا فتاة في العشرين من عمري. وأنهيت عامي الثالث في أحد أقسام اللغات في كليتي.
لا أعرف بأي مشكلة أبدأ فقبل أن أدخل الجامعة كنت غير محجبة ولشعري الطويل وجسمي الممتلئ قليلا كنت لافتة للنظر خاصة مع الجينز الضائق بعض الشيء؛ ولذلك كانت أمي تخاف علي وتريدني أن أتحجب وتحجبت بالفعل تقليديا.
لكني بعد دخولي الجامعة تغير تفكيري، وأحببت هذا الدين والعمل له، وحسنت حجابي، ولكن أهلي بدءوا يعتقدون أني بدأت أتزمت، وأنا الآن أعاني من مشكلتين: بعض الأمور التي لا يراها أهلي حراما، مثل الحواجب، ووضع المكياج، وبعض الأمور الأخرى التي أخاف فيها من عقوق الوالدين.
والمشكلة الأخرى وهي الأخطر من وجهة نظري أنني بداخلي شيء هو ما يسميه الطب النفسي الوسواس القهري، وهو شيء أو أفكار لا إرادية تأتي في الفكر عن الذات الإلهية يرفضها الشخص، ولكنه لا يستطيع أن يقاومها؛ لأنه الأضعف ويلاحظ على حال المريض أنه ليس به شيء مع أنه يتعذب، ولقد عرفت هذا من كتاب الدكتور عادل صادق، ويفسرها الشيوخ – وليس الدجالون– بأنه يوجد جن بسبب لبس من الحمام أو غيره.
والمشكلة الكبرى أنني لا أستطيع أن أقول لأبي أو أمي ليذهبوا بي لدكتور نفسي أو حتى لشيخ؛ لأنني أخاف ألا يصدقني أو أني أتزمت فأدى هذا لذاك لرفضي، أرجوك أنقذني مع العلم أن لي صديقة عولجت من نفس هذا الشيء عند شيخ وهي في تحسن، وأخرى عولجت عند شيخ وطبيب نفسي معا، وقد شفيت هي والحمد لله.
إن الوسواس القهري من حالات المرض النفسي، ولا علاقة لها بالجن، وهي تحتاج إلى مراجعة الطبيب النفسي المختص لتأكيد التشخيص، ثم وصف العلاج المناسب سواء العلاج الدوائي أو العلاج النفسي أو كلاهما بحسب تقديره للحالة وطبيعتها.. ولا علاقة بأفكار الوسواس القهري بمسألة الالتزام، وإنما هي تعبير عن المرض الذي يمكن أن يصيب الملتزم وغير الملتزم بنفس الدرجة.. وأظن أنك لو شرحت لأهلك بهدوء ما تعانينه من أفكار وتأثير ذلك على حياتك، وأنك سألت من تثقين به ونصحك بعرض نفسك على الطبيب النفسي، فأظن أنهم سيبادرون بمساعدتك، والوقوف بجانبك، وإذا تطلب الأمر أن يخاطبونا على البريد الإلكتروني للاستفسار والاطمئنان فلا مانع عندنا في ذلك. وتمنياتنا بالشفاء.
ولا شك أن للشيطان مداخل كثيرة للمسلم، والنفس مرتع خصيب لوسوسة الشيطان، فقد تمر عليها أفكار وخواطر كثيرة، بعضها يأتي ويمر مسرعًا، وبعضها يأخذ خيرًا كبيرًا من تفكير الإنسان ثم يمضي، والقليل قد يثبت ويرسخ ويدفع للتنفيذ، وهذه هي طبيعة النفس البشرية.
ومن خواطر السوء ما جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول له: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته"، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال: "تلك محض الإيمان" وفي رواية "صريح الإيمان" بمعنى أن الخوف من هذه الوسوسة يدل على الإيمان الخالص.
والاستعاذة دواء ناجع أرشدنا إليه القرآن في قوله تعالى: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم"، وقد حكي عن أحد العلماء أنه سأل تلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك؟ قال أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال أجاهده، قال: فإن عاد، قال: أجاهده، قال: هذا يطول؟ قال: أرأيت لو مررت بغنم سينجك كلبها.
يقول د. أحمد:
أختي العزيزة..
شغلنا سؤالك في فريق "مشاكل وحلول"، وفي قسم الفتوى بموقعنا، ورأينا فيه مناسبة لتوضيح بعض أبعاد الالتباس الواقع عند الكثيرين بين مرض الوسواس القهري الذي هو مرض نفسي له أعراضه وأسبابه وعلاجاته المعتمدة، وبين الوساوس الشيطانية التي تأتي للمؤمن تحاول أن تعكر عليه صفو حياته الإيمانية.
وبداية أرى أنك في وصف حالتك قد قفزت إلى تقرير تشخيص لحالتك دون إعطاء سند علمي لهذا التشخيص فمن أين جئت بهذه النتيجة؟!
هل راجعت طبيبًا متخصصًا في هذا الشأن؟! هل قارنت بين حالتك، وحالة زميلاتك اللائي راجعن أطباءً أو مشايخ؟! على كل حال.. ينبغي التحرز في إطلاق الأحكام، والتدقيق في وصف الأعراض بالتفصيل ليكون الكلام علميًّا والعلاج محكمًا بإذن الله.
هناك ثلاث أنواع من الأفكار التي تخطر على ذهن الإنسان بشيء محرم:
النوع الأول:
فكرة أو أفكار تدعو الإنسان لفعل شيء محبب للنفس مثل: الزنى أو غيره، وهذه الأفكار يكون مصدرها حديث النفس، أو وسوسة الشيطان، أو تأثيرات الواقع المحيط بالإنسان الذي يزين له الوقوع في هذا الأمر، وغالبًا ما تتنوع هذه الأفكار في أشكالها وتفاصيلها، وترتبط بالمستوى الإيماني للإنسان، وصحبته الخيرة، وانشغال ذهنه بهذا الأمر المحبب للنفس، أو بغيره من أنشطة تصرف الذهن عنه، وعلاج هذه الأفكار أساسًا بالاستعاذة، واستثمار الطاقة النفسية والفكرية والاجتماعية في صداقات واهتمامات نافعة.
أما النوع الثاني:
فهو وساوس في العبادة، مثل الزيادة أو النقص في الصلاة وهو من الشيطان، ولا يتكرر إلا بمعدل متقطع، وعلاجه الاستعاذة، والخشوع والتركيز في أداء العبادة. وكلا النوعين السابقين يمكن التحكم فيه، والسيطرة ليه ببذل بعض الجهد.
والنوع الثالث هو مرض الوسواس القهري وهو "بتبسيط" نوع من تسلط فكرة محددة وكريهة ومرفوضة على ذهن الإنسان، وتأتي هذه الفكرة بشكل متكرر جدًّا، وتقتحم على الإنسان حياته لتفسدها تمامًا، وهذا النوع لا يمكن التحكم فيه، أو السيطرة عليه مهما بذل الإنسان من جهد في الاستعاذة أو محاولة صرف التركيز الذهني عنه.
ومحتوى هذه الأفكار أو "الفكرة الواحدة المحددة البغيضة المقتحمة المتسلطة" يتنوع فقد يكون محتوى دينيًّا أو دنيويًّا في العقيدة أو في غيرها من شئون الحياة، ولا تأتي هذه الفكرة بسبب الالتزام، وإنما هي تعبير عن المرض الذي يصيب الملتزم وغير الملتزم، المؤمن والكافر بنفس الكيفية والأعراض والمواصفات بغض النظر عن اختلاف محتوى الفكرة من شخص إلى آخر، كما أن هذا المرض لا علاقة له بالجن أو اللبس أو غيره، هذا مرض تتضافر فيه بعض العوامل الوراثية، والاضطرابات البيولوجية الكيميائية الجسدية، والاختلالات النفسية الفردية، وبعض التأثيرات الثقافية والاجتماعية لتنتج الأعراض التي يشكو منها المريض.
ومن باب التأثيرات الثقافية والاجتماعية يأتي أحيانًا المحتوى العقائدي للفكرة البغيضة المتسلطة، وقد يتلاقى الاستعداد المرضي الوراثي / البيولوجي / النفسي مع خاطرة شيطانية من هنا أو هناك لتكون هي "مجرد" المحتوى للفكرة المتسلطة.
ونحتاج إلى الاستعانة بالله على كل حال، والأخذ بالأسباب في كل الأحوال، ومن الأخذ بالأسباب أن النوع المرضي الأخير يحتاج إلى علاج بالعقاقير، وعلاج نفسي قد يطول، ويستحسن أن يبدأ فورًا إذا صح التشخيص أن هذا هو مرض الوسواس القهري، أما إذا كانت المسألة متعلقة بخواطر سوء متنوعة تأتي وتذهب، تشغل التفكير حينًا ثم تنصرف بالاستعاذة، وذكر الله سبحانه، ويمكن وقفها، والإنهاء عنها ببذل بعض الجهد، والإرادة.. فإن الأمر يكون أبسط.
لا مفر إذن من مراجعة الطبيب لتشخيص الأعراض التي أجملت أنت في وصفها، وأعتقد أنك لو شرحت الأمر لأهلك وتفاهمت معهم اعتمادًا على إجابتنا هذه، ونقلت لهم نصيحتنا بوجوب مراجعة طبيب متخصص لتحديد الأمر من الناحية العلمية، أحسب أنهم سيهتمون، ويبادرون بمساعدتك لأننا –في حالة وجود المرض- نكون عند ذلك بصدد خلل يشبه ارتفاع ضغط الدم أو غيره مما يحتاج إلى علاج دوائي، وإذا تطلب الأمر أن يخاطبوننا على البريد الإلكتروني للاستفسار والاطمئنان فلا مانع لدينا، وتمنياتنا بالشفاء على كل حال.
تبقى مسألة خلافاتك مع أهلك حول نمص الحواجب، أو وضع المكياج، وما إلى ذلك، وأرى أن الثقة المتبادلة والمصارحة، والوضوح –حول حالتك النفسية- مع أسرتك من شأنها أن تحل مثل هذه المسائل جذريًّا إن شاء الله، وتبقى مسألة المكياج وغيرها ملحقة أو تابعة للمشكلة النفسية التي يجب أن يكون لها تعامل سريع من جانبك، وتابعينا بالتطورات.