السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إخوتي في الله، أود أن أخبركم بأنني أحبكم في الله، وأرى في آرائكم النيرة الخير الكثير، وأنا من القراء الدائمين لصفحاتكم بكل أقسامها وخصوصًا النصائح التي تقدمونها بخصوص الحرب وحالة اليأس التي تدب فينا، جزاكم الله خيراً على جهودكم ونصائحكم التي تقدمونها لنا، بعد:
لقد سبق لي أن راسلتكم، وساعدتموني كثيرًا في مشكلتي السابقة، والحمد لله تخطيتها بعون الله ثم مشورتكم السديدة.
أما الآن فأمامي مشكلة أخرى أود أن تساعدوني فيها، وأن تقدموا لي النصح من خلال خبرتكم الواسعة، وهي أنني سافرت منذ أسبوعين إلى بلدي مع والدتي لرؤية شابين يريدان التقدم لخطبتي، أحدهما من بلدي ولم تتم الأمور؛ أما الآخر فهو من بلد عربي آخر وأعرفه منذ ما يقارب السنتين معرفة عادية عبر الإنترنت، وكان يحرص على البقاء على اتصال بي كأخ وصديق، وقد طلب مني مرارًا أن يأتي ليتعرف عليّ لغرض الخطبة، وكنت أرفض دائمًا لمعرفتي أن أهلي سيعارضون لكونه من غير بلدي.
ولكن عند سفرنا إلى الوطن طلبت من أمي أن تراه كما سأرى أنا العريس الآخر، وفعلا حدث واستقبلته أمي استقبالاً جميلاً وأحبته كابنها كما قالت له، ولكنها تجد صعوبة في تخيلي وأنا أتزوج من بلد بعيد وأسافر بعيدا عنها.. وعندما عدت إلى بلد إقامتنا، وسألت أبي عن الموضوع فرفض بشدة وأمرني بأن أنساه.. وأنا أرى في هذا ظلمًا؛ لأنه شاب متدين وخلوق ومثقف وخجول وأنا ارتحت له كثيرا وأحببته، وأبي لا يريد حتى السؤال عنه وحاول تفادي حتى النقاش الأول معي.
ما أريده منكم هو محاولة مساعدتي في إيجاد طريقة لإقناع أهلي بالسؤال عنه والموافقة إن رأوا فيه خيرًا من دون النظر إلى جنسيته وكأنها نقص فيه. والدي لطيف جدًّا في أحواله العادية، ولكنه سريع الغضب في البيت، وتصل الأمور معه إلى السب والكلام غير اللائق بصورة سريعة، وأسرع ما يفعله هو أمري بالذهاب إلى غرفتي، وقد تصل الأمور إلى الضرب لولا تدخل أمي، وليس لديه من يستمع إليه ويعتبره المثل الأعلى حتى بين أهله، فهو يُعتبر الأرجح عقلاً بينهم، ولا يتدخل في أمور عائلته في بلدنا حتى لا يتدخلوا هم، وفكرت في الحديث مع مديره في العمل، ولكن صديقة العائلة التي تعمل معه نصحتني بعدم إدخال أحد في الموضوع، وحاولت الحديث معه، ولكن ردة فعله كانت أسوأ من المتوقع.
وأمي أيضاً سريعة الغضب وتتكلم بصوت عالٍ، فإما أن أجيب وفي هذا حرمة، وإما أن أسكت وأفقد حقي في الدفاع عن رأيي.. لقد قرأت الكثير من المشكلات القريبة مما أمر فيه واستفدت من إجاباتكم، ولكن أردت أن أستشيركم عسى أن يكون هناك شيء لا أراه وترونه أنتم.
نرحب بك ونشكرك على ثقتك، ونسأل الله أن يعيننا ويكون ما نبديه من رأي عونا لك على تجاوز مشكلتك الجديدة، والذي سنبدأه بإبداء بعض الملاحظات التي لفتت انتباهنا في رسالتك أن الشاب محور المشكلة كان تعرفك عليه من خلال الإنترنت، وكانت أول رؤية له بعد عامين من التعرف في إطار فكرة وافقت فيها الأم على استقباله حتى تقبلي مقابلة العريس الوطني!!
وكنت تدركين من البداية رفض أهلك؛ ولذا فإنك انتهزت فرصة رغبة أمك في مشاهدتك العريس المحلي لإجبارها على استقبال الشاب الآخر، وهي عندما استقبلته لم يكن ذلك موافقة منها على مبدأ زواجك منه، ولكن وفاءً بوعدها لك واستقبلته بترحاب يليق بضيف، ولكنها تعلم كما تعلمين أن الأب لن يوافق.
ماذا نريد أن نقول من ملاحظتنا السابقة:
1- إن موقفك الأصلي كان اعتبار علاقتك بهذا الشاب الآخر هي علاقة عادية كأخ كما تصفينها في رسالتك، وعدم تطويرها لأبعد من ذلك رغم الحاجة للتقدم لخطبتك لعلمك بموقف الأسرة.. فلماذا تحول هذا الموقف فجأة لتدخلي نفسك في هذا الصراع؟! أظنك وأنت من المتابعين الدائمين لصفحتنا تعلمين موقفنا من الحب الإلكتروني كما نسميه، وأننا نعتبره نوعا من الخيال الجميل الذي نحب أن نعيش به، وأنه بالتالي لا يصلح لأن يترتب عليه ارتباط حقيقي إلا بعد تحوله إلى تعارف حقيقي على أرض الواقع، فما هي فرص حدوث ذلك في حالتك؟!
2- إذا تجاوزنا تساؤلنا حول تحولك المفاجئ من اعتبار علاقتك بهذا الشاب علاقة عادية إلى اعتباره حبًّا تدافعين عنه.. فهل تكفي مقابلة واحدة لتحول هذا الحب الإلكتروني إلى حب حقيقي يقوم عليه ارتباط، خاصة أنك أيضا لا بد أنك طالعت على صفحتنا شروط الارتباط من توازن بين العقل والعاطفة... في حالتك هناك علامة استفهام حول عاطفتك نحو هذا الشاب، سواء كان حبًّا إلكترونيا، أو حبًّا من النظرة الأولى في اللقاء الذي تم.
وبالنسبة للعقل فإن ما لديك من معلومات حول هذا الشاب لا تكفي للحكم عليه عقليا؛ حيث إنك فعليا ليس لديك معلومات موثقة أو مؤكدة غير ما قاله لك عبر الإنترنت عن واقعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو العائلي أو العلمي أو حتى الشخصي، فعلى أي أساس تم الاختيار ثم التمسك بهذا الاختيار؟!
نحن لا نختار لك أو نتدخل في قرارك، ولكن نقول لك بأن آليات اختيارك غير سليمة، سواء على المستوى العاطفي أو العقلي، فأنت تتحدثين عن حب كنت لآخر وقت لا تعترفين به وتحرصين على أن يكون تعارفا عاديا عبر الإنترنت وقناعة عقلية ليست مبنية على أي معلومات حقيقية. وبالتالي فإن السؤال سيكون: لماذا المعركة ولماذا الصراع مع الأب؟!! خاصة أنك كنت على استعداد لرؤية شاب آخر، ولم يجد فيك شرطا من شروطه، ولذا توقفت خطوات الارتباط به ولو وافق عليك لتمت الأمور وكنت الآن مخطوبة لشاب آخر.
ما نقصده أننا في مشاكل مشابهة يكون لدى الفتاة الدافع العاطفي والعقلي الواضح الذي يجعلها متمسكة بهذا الشاب؛ وبالتالي فإننا ندعوها للتمسك بموقفها ومحاولة الوصول للأب، سواء عن طريق أصدقائه أو أقربائه وتحمل ردود الفعل.
وبهذه المناسبة نقف عند نقطة عرضية في رسالتك، ولكن لا بد من توضيحها إن لم يكن من أجل هذا الموضوع فمن أجل مواضيع أخرى قادمة، سواء في الزواج وغيره... وهي أنك اعتبرت أن ردك على أبيك ومناقشته فيه حرمة... وبالتالي لا يكون لديك إلا السكوت الذي يفقدك حق الدفاع عن رأيك، ولا ندري من أين جئت بهذا الكلام؟!! فمن قال بأن التحاور مع الأب، والدفاع عما ترينه صحيحا من وجهة نظرك في حدود آداب الحديث من عدم رفع الصوت أو تسفيه أراء الآخرين، والسماع باهتمام وإنصات لما يقولونه... من قال بأن هذا الحوار المتبادل والإصرار المؤدب على الدفاع عن وجهة النظر مع إظهار التقدير لوجهة النظر الأخرى، وإظهار الرغبة في الاستفادة من تجارب الأب والأم، من قال بأن هذا حرام؟! وأن البديل هو السكوت الذي يضيع الحق؟!!
لم يقل أحد بهذا في أي أمر من الأمور حتى في الزواج، والفتاة التي ذهبت تشكو للرسول الكريم إجبار أبيها لها على الزواج من شاب لا ترضاه.. خيرها الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن ترد هذا الزوج وبين أن تمضي ما يفعله أبوها فوافقت على ما فعله أبوها، معلنة أنها إنما جاءت تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تعلم الآباء أنهم لا بد أن يستشيروا بناتهم في أمر زواجهم وأنه أمر ضروري، وليس من نافلة الفعل أو القول.
دافعي عن حقك وعن وجهة نظرك بأدب وبحجة قوية حقيقية وليس لمجرد الجدال أو الرفض.. هذا بصورة عامة وبصورة خاصة... إذا كان لديك -بعد ما ذكرناه لك من ملاحظات- حجة قوية تصمد للحوار والنقاش في أن ترتبطي بشاب لا تعرفينه حقيقة إلا من خلال مقابلة واحدة وبالطبع تختلف طباعة وظروفه الاجتماعيه عما ألفته في بلدكم، وليست القضية قضية الاغتراب المكاني، والبعد عن الأهل فقط ولكن التكيف مع واقع جديد في معطياته بتفاصيل قد لا تتصورينها.
نعم نحن جميعا عرب ومسلمون لدينا أشياء نشترك فيها، ولكن اختلاف البيئات أمر يجب وضعه في الاعتبار، وهو يحتاج إلى يقين عاطفي، ويقين عقلي في الاختيار، حتى نستطيع تجاوزه ولا نقول بأنه من المستحيل تجاوزه، ولكن نقول بأنه يحتاج إلى وعي وإدراك ومسئولية في الاختيار... هذا ما أردنا أن نقوله توضيحًا للأمر، وليس تحديدًا لاختيارك، ونحن معك إذا كان لديك ما تحبين إضافته.
ويضيف د. أحمد عبد الله :
دون أن يكون هذا تكرار لما قاله أخي د. عمر.. أرجو أن تنتبه الأخت السائلة الكريمة إلى ما نقول به دائما ولعلها تكون قد قرأته من أن رفض الأهل وإصرار الشاب أو الفتاة يمنعان في غمرة الشد والجذب أن تنظر الفتاة مثلا إلى المسألة بموضوعية وتجرد، فترى أن في الأمر فجوات وفتوقًا لم تنتبه إليها، وإضافة إلى نقص المعلومات واختلاف الثقافة الفرعية فإن ما تبديه الأخت من صفات ذكرتها عن الشاب الذي تريده يحتاج إلى تدقيق وإعادة اختيار، فلا أحسب مثلا أن الرجل يمكن أن يمتدح بأنه "خجول"، وأخشى أن يكون تمسكك به مجرد رد فعل على رد أب وأم سريعي الغضب.