بسم الله الرحمن الرحيم، أنا أواجه مشكلة ترهقني نفسيا؛ وهي أنه يوجد شخص يريد أن يرتبط بي، وهو على درجة عالية من الأدب والخلق يحبني جدا جدا، ويقدرني ويحترم آرائي ويأخذها بعين الاعتبار، ونحن متفاهمان مع بعضنا، ولكن توجد مشكلة أن وضعه المادي سيئ، وأيضًا أنا في بعض الوقت أكره أن أراه رغم أنه يقدرني للغاية.
ولكن أنا أشعر أحيانًا حتى أغلب الوقت بالضيق، ودائما مكتئبة حتى أشعر بأنه صار يمل مني، ولكن عندما أسأله هل أنت تشعر بالملل مني، يقول لا، رغم والله إنني وحقا أسلوبي أحسه حتى مع نفسي ممل جدا، ولكن هو يخفي ذلك، أنا مقتنعة وبنفس الوقت لست مقتنعة أيضا.الكثير يقول لي انسحبي، وأنا لا أعرف ماذا سأفعل؟ وضعي النفسي متدهور جدًّا، أرجوكم أن تساعدوني بتقديم حل، وبناء على حلكم سأفعل ذلك، ولو كان حلكم أن أنهي العلاقة فسأنهيها، علما بأنه سيتقدم لخطبتي.
ملاحظات: أرجو أن تساعدوني بأقرب وقت ممكن؛ لأنني أشعر بألم فظيع، أرجوكم ساعدوني، واجعلوني ابنة صغيرة تريد الحل؛ لأنني تائهة جدًّا.
الأخت العزيزة: إن أمور الزواج توقع الإنسان في حيرة وارتباك شديدين؛ لأنها خطوة حاسمة سيترتب عليها أمور كثيرة في حياته، فهذا الإرهاق ليس خاصًّا بك وحدك، وكعادة الإنسان المؤمن في الأمور الحاسمة فهو يخلص نيته، ويؤدي ما عليه عندما يضع الأسس التي سوف يختار عليها زوجه، ثم هو بعد ذلك يترك النتائج لله.
ويندر في أمور الارتباط أن يحصل الإنسان على كل الأمور التي يتمناها، فحتمًا سيجد بعض العيوب التي تضايقه، ولكن عليه أن يسأل نفسه، ويحزم أمره، هل هذه العيوب ستكون محتملة في ظل المميزات التي يتمتع بها؟ مع الأخذ في الاعتبار أن الشيطان يركز دائمًا على المساوئ، ويضخم منها، ويوهم الإنسان ببعض الظنون حتى يفسد عليه أمر الزواج.
ولقد ذكرت في رسالتك عيبين اثنين؛ أولهما أن وضعه المادي سيئ، فما حدود ذلك السوء؟ هل يمتلك الحد الأدنى من الباءة؟ هل هو قادر على توفير سكن ودخله المادي مناسب أم لا؟ وإن كان يمتلك الحد الأدنى من الباءة وستعيشين أيتها الأخت على الكفاف في الوقت الحالي، فهل طباعك ستتوافق مع ذلك؟ هل من طبعك الرفاهية، وحب الزينة، وهو أمر موجود عند كل النساء، ولكن بدرجات متفاوتة؟
أما الأمر الثاني فهو مسألة الكراهية والقبول، هل هذه الكراهية التي تراودك أحيانًا مرتبطة بوضعه المادي السيئ أم بسبب مظهره الشكلي؟ وهل هذه الكراهية كانت موجودة مع أول مرة تعرفتِ فيها عليه نظرت إليه؟ فإن كانت هذه الكراهية والنفور مستحدثة فهذا الأمر من وساوس الشيطان.
أعرف إحدى الفتيات كانت تقول بأنه تقدم لها شاب كانت فيه مميزات عديدة، ولكنها لم تكن تشعر نحوه من الناحية الشكلية بإعجاب أو نفور، وفي أحد المواقف وبينما كانت في نزهة مع أسرتها، وكان خطيب أختها يتعامل بعصبية مع أسرته ومع أختها -وكان عصبي المزاج بعض الشيء-، وهنا تذكرت الفتاة هدوء خطيبها وسماحة خلقه، فوقع حبه في قلبها، وبدأت تشعر نحوه بالقبول رغم أن هذا القبول لم يكن موجودًا في البداية.
فالمهم في الأمور الشكلية ألا يكون هناك شعور بالنفور من أول وهلة، وهذا الشعور يكون معروفًا، ويصعب أن يخطئه الإنسان، أما في الأمور العادية فإن مسألة الحب والقبول تكون قابلة للزيادة أو النقصان من خلال المعاملة والعشرة.
ينبغي أن تضعي أيتها الأخت تمسُّك هذا الرجل بك وصبره على سلبياتك، إنهما ميزتان كبيرتان يحسبان له، فكثير من الرجال لا يتحملون هذه الأمور من شريكة حياتهم في بداية الارتباط. ولمزيد من التفصيل يرجى الرجوع لاستشارات سابقة بعنوان:
- الانتقاء الصحيح - اختيار الزوجة .. خبرة هذه الصفحة
ويضيف د. أحمد عبد الله :
ابنتي العزيزة: قلبي معك، وأشعر بألمك وهمك، وأنت لم تذكري كم يبلغ عمرك بالتحديد، ولكن إن صحت بياناتك فأنت أقل من 19 عامًا!! وفي مجتمعاتنا فإن فتاة في مثل سنك تظلم نفسها إن تحملت وحدها عبء الاختيار، وقرار الارتباط، وخبرتها في الحياة والبشر أبسط من أن تتيح لها ذلك، فهل عرفت لماذا تشعرين أنك متألمة وتائهة؟!
من تصاريف القدر أنني اليوم كنت أراجع عدة إجابات للإخوة والزملاء المستشارين فوجدت قاسمًا مشتركًا بين الموضوعات، حيث تكررت فكرة أو مسألة الاختيار للزواج، وقد كررنا كثيرًا أن هذا الاختيار للزواج هو قرار مهم ومصيري، ويحتاج إلى تدقيق، ولا تكفي فيه مراعاة اعتبارات الشكل أو الوضع المادي أو الراحة النفسية عند الرؤية، أو الاحترام المتبادل، بل ينبغي وضع كل جزئية من هذه في حجمها، والنظر إلى زوايا أخرى كثيرة، أحيانًا تكون أهم مما يهتم به أو يذكره السائل في سطوره التي يبعث بها إلينا!!
قرار الزواج يحتاج إلى حكمة وعمق؛ لأنه يحمل أسئلة كثيرة ومركبة، ومن الأفضل أن تشترك فيه العقول، وتتضافر الجهود والتقديرات، ويستحق بل ينبغي أن ينفتح له حوار عائلي طويل لتصل الأسرة كلها إلى القرار المناسب، ويبدو للأسف أننا في وضع خطير؛ حيث يتم التعامل مع هذا القرار باستهانة، والتسرع أو الخفة، أو النظر إلى جوانب دون جوانب رفضًا أو قبولاً كلها مقدمات تؤدي إلى نتائج باهظة التكاليف، كما نرى في مئات الحالات على هذه الصفحة، وفي الحياة عن حلولنا.
الاختيار السليم بمثابة الوقاية التي هي خير من العلاج، والاختيار الأهوج هو مقدمة لانتحار نفسي أو اجتماعي/ أسري يوشك أن يحصد الإنسان نتائجه، ولو بعد حين، والأخطر أن يتعذب الأبناء والبنات دون جريرة أو ذنب، أو فقط بسبب سوء تقدير الأب عندما كان شابًّا يختار، أو اندفاع الأم عندما كانت فتاة تنتقي لنفسها أو اختلال معايير الأهل وهم يزوجون بناتهم أو أبناءهم، ويدفع الأحفاد الثمن.
وفي غياب الحكمة والنظر العميق يبدو أننا محتاجون للمزيد من التركيز على هذا الملف الخاص بالاختيار السليم للزواج أو الزوجة في ظل غياب النضج النفسي والعقلي، واختلال المعايير والمقاييس، واختلاط الحابل بالنابل، وإلا ستصبح الأسرة كنظام مدخلاً لشقاء الإنسان بدلاً من أن تكون آية من آيات الله سبحانه ومصدرًا من مصادر الراحة والسكينة، وموردًا للرحمة والمودة كما يريدها المولى عز وجل.
الذين يسيرون نيامًا، ويختارون سراعًا، أو يتخبطون بقلة خبرتهم وضعف تجاربهم سيدفعون الثمن، والأخطر أن يدفع غيرهم الثمن أيضًا، وكلامي هنا موجه للجميع صغارًا وكبارًا، ولا أقصدك به مباشرة.
دعي هذا الشاب يتقدم إلى أهلك خاطبًا، وتأملي في حكمهم عليه، وانظري في أمرك وأمره على مهل، وأعطي فرصة لمشاعرك، ووقتا لإنضاج موقفك منه؛ لأنك ما زلت في عمر الاندفاع والفوران والتقلب، والوقت عنصر مهم لتتضح أمامك الرؤية، إضافة إلى عون الأهل بجوارك معهم، وتذكري أن حقك في تكوين الأسرة، والحصول على الحب والاقتران بشريك إذا لم يقترن بالحكمة والاختيار السليم يمكن أن يقلب بغفلة عقل مستقبلك كله إلى جحيم.