السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أود أن أشكركم على مجهوداتكم في حل مشكلات الشباب المعاصر؛ فأنا فتاة أبلغ من العمر 22 عامًا، وعلى أبواب التخرج في الجامعة، وملتزمة بتعاليم وأخلاق الإسلام ولله الحمد.
مشكلتي بدأت منذ عام عندما كان والدي مريضا بالسرطان وبمرحلة حرجة، فكنت أراسل أحد المستشفيات عن طريق الشبكة العنكبوتية للعلاج، فراسلت طبيبا عربيا في الولايات المتحدة الأمريكية واستشرته عن حال الوالد فأعطاني عنوان مستشفى آخر أكثر خبرة بهذه الأمراض، كما أنه أرخص من ناحية التكاليف، وظل يسألني عن حال الوالد دائما.
وخلال إحدى محادثاتنا التي يتم معظمها بمعرفة الوالدة علمت أنه لا يزال أعزب ويكبرني بـ 15 سنة، كما أنه من نفس بلدي الأصلي، واستمرت معرفتي به لمدة عام هكذا حتى توفي الوالد رحمة الله عليه.
وكان هذا الطبيب قد حادث والدي مرة قبل ذلك، وعندما توفي الوالد أصر على زيارتنا لواجب العزاء، فحضر إلى البلد الذي أقيم فيه هو وأحد أقربائه، ولم أتفاجأ بطلبه الزواج مني فقد كان أن أخبرني أنه معجب بي وبأخلاقي، والحق يقال بأن هذا الرجل كان مؤدبا وخلوقا جدا معي طيلة العام الفائت.
وبعد أن وافقنا مبدئيا عليه، وصليت صلاة الاستخارة، كنت أشعر بميول نحوه، ولكن أمور وترتيبات زواجنا باتت معقدة جدا خصوصا بالنسبة لأهلي، وذلك فيما يتعلق بأمور الفرح والزفاف؛ فأمي مثلا مصرة أن يعقد القران حيث أقيم، ولكنه يرى أن يعقد القران حيث يقيم أهله، كما اختلف مع أمي على موضوع المهر وخلافه.
والآن لا أعرف ماذا أفعل؟! فهناك شاب آخر جيد أيضًا يتقدم لخطبتي، وهو جيد فعلا بمقاييسنا، وأنا خائفة من الموافقة لإرضاء والدتي، ومن جهة أخرى خائفة من ظلم ذلك الطبيب المحب كما يقول، كما أنني أرغب في الزواج وتكوين أسرة.
أختي الحبيبة،
أحمد فيك حرصك على إرضاء والدتك، ومحاولتك الجادة في الموازنة بين ما تريد والدتك ورغبتك في الزواج من هذا الشاب.
حبيبتي الغالية، كل فتاة في مثل عمرك تتمنى الزواج وتكوين الأسرة، ولكن مع التمني يجب الحرص على تحقيق الرزواج السعيد والناجح، وليس فقط أمنية من غير تحقيق هدفها القائم على أساس متين؛ ولأن الزواج كما يوفر السعادة فهو يتطلب تحمل مسئولية ومحاولة جادة منك للتهيؤ لهذه الأمانة الراقية في تكوين أسرة وبنائها على ما يرضي الله ورسوله.
حبيبتي الغالية، من عوامل نجاح الزواج وضع أسس ومعايير للاختيار، وقد ذكرتي في رسالتك أن هذا الشاب جيد بالنسبة للمقاييس التي قد قمت بوضعها، ولكن هل هذا الحكم والقرار مبني على أسس سليمة وأرضية راسخة، ومحاولة جادة منك بوضع أسس ومقاييس على أساسها تختارين شريك حياتك؟ فأرجو مراجعة إجابتنا السابقة في الاختيار وكيفيته والتأكد من حكمك وقرارك؛ لأن الاختيار الصحيح أهم من موافقة والدتك؟
وإن كان اختيارك مبنيا على ثقة ومعايير واضحة لديك فيمكنك عن طريق الحوار أن توضحي لوالدتك معايير اختيارك لهذا الشاب، ووضع المميزات أمامها واقناعها بها عقلاً وقلبا، وإذا لمست والدتك في اختيارك النضج في قرارك، والثقة في طريقة تفكيرك المبنية على أساس سليم ومنظم.. فسوف يمكنك إقناعها بهذا الشاب، ومحاولة إيجاد حل وسط يرضي الطرفين.
وإن كان هذا الشاب متمسكا بك فسيحاول إيجاد مساحة اتفاق بينه وبين والدتك في أمور المهر وعقد القران؛ ولذلك يجب أن تتأكدي من معايير اختيارك، واستخيري الله في أمرك مرة وثانية وثالثة.
وبالنسبة للخوف من ظلم هذا الطبيب فإن وضعت معايير واخترت على أساسها، ومن ناحية أخرى إن تحاورت مع والدتك لإظهار مميزات وعيوب ذلك الشاب ومع الاستخارة والدعاء.. فستتضح لك الرؤية، وهنا لا تكونين قد ظلمت أحدًا.
وتذكري يا حبيبتي.. أن الزواج رزق من عند الرحمن، وإن كل إنسان مكتوب له رزقه، فإن كان هذا الشاب من نصيبك فلن يستطيع أحد الوقوف أمام نصيبك، فاستعيني بالله والتجئي بالدعاء إليه عز وجل أن يرشدك للخير، فإنه كريم مجيب الدعاء.
ويضيف د. أحمد عبد الله :
من حقك يا ابنتي أن تطلبي الزواج، وتحلمي بتكوين أسرة، ولكن قرار الزواج من أهم القرارات التي يأخذها الإنسان في حياته، ورغم ذلك فإن معظم الشباب والفتيات عندنا يهملون التدقيق في التفاصيل رغم الأهمية القصوى لها، ورغم استمرار تأثير اختيار الزواج على حياة الإنسان لبقية عمره في أغلب الأحيان.
إهمال التدقيق يكون بسبب الاندفاع المتهور وراء الرغبة المشروعة في الزواج وتكوين الأسرة؛ فالرغبة محمودة ومفهومة، والاندفاع مذموم ومؤذٍ.
إذا تأملت وتمهلت ونظرت في شئونك فستجدين تفاصيل أهم من خلاف الطبيب مع والدتك حول المهر أو مكان العرس، فمثلاً هل تستوي لديك الإقامة بأمريكا مع الإقامة في العالم العربي؟! هل فكرت في مناخ الغربة وما تحمله من أسئلة وتحديات؟!
هل قرأت إجاباتنا السابقة " قلق الغربة: عجز الخطاب أم قيد الحجاب؟ " التي عالجت قضية إقامة فتاة مثلك لم تتحرك في العالم كثيرًا خارج المجتمعات التي نشأت وتربت فيها؟! يبدو أنك لم تفكري في هذه الجزئية بما تستحق من تفصيل وتعمق، وهذه مجرد مثال، والتفاصيل الأخرى كثيرة ومهمة للغاية.
ثم مسألة فارق السن بينك وبين هذا الطبيب، هل ترينه في الحد المعقول؟! أم أنه سيكون مصحوبًا بفارق كبير في المزاج والميول، وبخاصة أنه يقيم بالخارج، وربما من فترة طويلة!! كيف تنظرين إلى هذه الجزئية؟!
أنا أدعو جميع الإخوة والأخوات أن يعطوا قرار الزواج حقه من التفكير والتدقيق، وهذا كفيل بالنجاة من كوارث كثيرة تكون عاقبة ونتيجة طبيعية لاختيار متسرع يكتفي بالاستخارة دون الاستشارة، وبالانطباعات العامة دون الدخول في تفاصيل الأمور، والتقليب فيها، وحسابها، وغياب تقدير المشاعر أو المبالغة في تقديرها، والتأثر بمواقف الأطراف الأخرى أكثر من الاهتمام بصياغة الموقف الشخصي.
وهذا النمط من الاختيار السريع له عواقبه الخطيرة، وهو نمط لا شرع فيه، ولا عقل، ولو صلينا ألف استخارة واستخارة؛ فالدين أمرنا بالتدبر والتفكر، ونهانا عن العجلة في أمرنا، وأرشدنا إلى الرفق، والأناة أخت الرفق، وقديمًا قالوا: "في التأني السلامة وفي العجلة الندامة".. ونفس النقاط جديرة بالمراعاة فيما يخص الشاب الآخر الذي تقدم لك، كما شرحت لك الأخت منيرة. تمنياتي لك بالتوفيق والسعادة، وتابعينا بأخبارك.