الرجاء التكرم بإفادتي في حل مشكلتي التي عليها سيحدد مصير حياتي؛ فقد تقدم لي شخص من أهل والدتي من بعيد، وهو من نواحٍ كثيرة ممتاز؛ فالجميع يشهد بذوقه وأخلاقه والتزامه وتعليمه، وهو يكبرني بـ13 عامًا، وهو في الأربعين من عمره، لكنه لا يزال بروح شابة جدًّا. ولم أشعر بأنه يزيد عن الثلاثين لا بتفكيره ولا من تعامله، لكنه كان متزوجًا قبل 5 سنوات، وتوفيت زوجته بعد سنتين من زواجهما في حادث، ولم تنجب أطفالاً.
وتكمن المشكلة الحقيقية بأن هذا الشخص مصاب بالسكري منذ 3 سنوات؛ مما يجعلني أتردد كثيرًا في اتخاذ قراري؛ فالقرار صعب جدًّا، وحقيقةً أودّ أن أعرف كافة التفاصيل عن مدى تأثير السكري على الناحية الجنسية، وحاولت أن أقرأ كثيرًا في هذا الموضوع، ولم أجد ما يفيدني في هذا؛ فإلى أي درجة تأخذ الحياة الجنسية الأهمية في الحياة الزوجية؟ وهل يؤثر السكري عليها من ناحية الكم أو الكيفية أو من ناحية الاندماج أو...؟ وهل يا ترى من السهل على الزوجة أن تضحي بهذا الجانب في حياتها وترضى بحظها أم أنه ليس من العقل أن أضحي؟
أرجوكم أفيدوني؛ فقد طالت الفترة التي آخذ فيها قراري، بالإضافة إلى أنني قد بدأت أتعلق بهذا الشخص عاطفيًّا، ولا أريد أن يكون قراري مبنيًّا على تفكير عاطفي وأضحي تضحية أكبر من قدراتي، وأتسبب في تعاستي وتعاسته أيضًا.
وأرجو الأخذ في الاعتبار أنني لست مختونة كما يظن البعض أن جميع البنات في السودان مختونات، وهذه الناحية تجعلني طبيعية تمامًا.
إن تأثير مرض السكري على القدرة الجنسية يأتي من تأثيره على الأعصاب المغذية للعضو الذكري والمسماة الأعصاب الذاتية autonomic nervous system -إن صحت الترجمة-، وهي المسئولة عن عملية انتصاب العضو الذكري، ويؤثر مرض السكري في مراحل متأخرة منه على حساسية هذه الأعصاب وأدائها لدورها؛ مما يؤدي إلى فقدان الانتصاب impotence، كما أن التغيرات التي يحدثها السكري في الأعصاب الجسمية تؤدي إلى تفاقم هذا التأثير، وهو تأثير مستمر وغير قابل للعلاج، ولكن يمكن التغلب عليه بتنشيط طريق آخر للانتصاب دون الاحتياج للأعصاب عن طريق دواء "الفياجرا" شرط أن تكون الرغبة الجنسية عادية، وألا يكون مريض السكري مريضًا بالقلب أو يتعاطى أدوية القلب المحتوية على النيترات، فإذا عدنا إلى العملية الجنسية ومراحلها فسنجد إجابة على سؤالك حول: أين التأثير؟ على الكيف أم الكم أم الاندماج؟
فنقول: إن فهمًا صحيحًا للعملية الجنسية على أنها ليست مجرد إيلاج عضو داخل عضو أو التقاء جسد بجسد تجعلنا نقول: إن الزوجين متحابان. لدى الزوج مشكلة فقدان الانتصاب بسبب مرض السكري لا تؤدي إلى فقدان الزوجين للجنس كلغة بينهما للتعبير عن الحب؛ لأن الاندماج بين الزوجين والتفاعل بينهما والهمسة واللمسة والقبلة ستجعل بينهما لغة جنسية حميمية قد لا تجعل الزوج يشعر بعجزه ولا الزوجة باحتياجها إلى إيلاج عضو الرجل داخلها للحصول على المتعة، ولكن إذا نظرنا للأمر من الناحية البيولوجية العضوية منفصلة عن الناحية النفسية؛ فإن هذه العملية الجنسية لا تكون كاملة بالمعنى العلمي لها؛ بمعنى أن الزوج لا يكون قادرًا على الإيلاج الكامل، وبالتالي قد لا تشعر الزوجة بالمتعة الكاملة التي تشعر بها لحظة الإيلاج أو في أثناء وجود العضو داخلها، وهو ما يؤدي إلى وصولها إلى قمة أو ذروة الشبق، وهو ما قد يؤزمها أو يشعرها بالإحباط.. أو النفور من العملية الجنسية.
لذا فإن بروز هذه المشكلة بين زوجين متفاهمين متحابين بعد فترة من زواجهما، ووجود فترة سابقة لعلاقة جنسية صحيحة وسوية بين الزوجين تجعل الزوجين قادرين على تجاوز هذه الأزمة في العلاقة الجنسية، سواء على مستوى التفاهم على الوضع الجديد أو استخدام الفياجرا التي قد تنجح أحيانًا وتفشل أخرى؛ أي أنه سيكون هناك رصيد بين الزوجين يسحبان منه من فترة الرخاء إلى فترة الشدة.
أما أن تبدأ حياة زوجية جديدة على هذا الوضع؛ بحيث تكون الزوجة الشابة الصغيرة التي ليس لها حياة جنسية سابقة، وما زالت في ذروة احتياجها الجنسي والعاطفي مطالبة بالتكيف مع هذا النقص في حياتها الجنسية؛ فهذا أمر يحتاج إلى وقفة لمراجعة الأمر في إطار سؤالك الخطير المطروح في رسالتك، وهو "لأي درجة تأخذ الحياة الجنسية الأهمية في الحياة الزوجية؟ وهل يا ترى من السهل أن تضحي الزوجة بهذا الجانب من حياتها؟!".
إن الإجابة على هذا السؤال جعلتنا نعود إلى قاعدة مهمة نؤمن بها، وهي أن الظواهر الإنسانية من التركيب بدرجة لا تسمح لعامل واحد أن يفسرها أو يجيب على كل أسئلتها؛ ولذا كان سؤالك مناسبة لأن نطرح الأمر بصورة مركبة، ونقول: ما هو الجنس؟ وما هو دوره؟ فوجدنا هذه الصورة المتراكبة المتداخلة المتكاملة التي سنحاول تحديد عناصرها قدر الإمكان، ولكن سيظل للألوان والظلال -بل وللصورة على بعضها بعد اتحاد عناصرها- تأثيرها الخاص الذي لا يغفل الجنس هو تلك الوسيلة التي ركّبها الله تعالى في الإنسان حتى ينجذب كل جنس للآخر، ويلتقيا من أجل أن تستمر مسيرة إعمار الأرض وخلافة الإنسان لله عز وجل فيها؛ فهذا التجاذب بين المرأة والرجل الذي يجعلهما يسعيان للارتباط، ثم الالتقاء حتى يحدث هذا التناسل الذي هو سبيل لإعمار الأرض وانتشار البشر في مناكبها لبناء الحضارة وتحقيق مراد الله سبحانه من خلق العباد.
ثم هو مع ذلك سواء حدث التناسل أم لم يحدث أو انتهى وقته هو السبيل أو أحد سبل استقرار الكيان الأسري الناتج من التقاء رجل وامرأة في علاقة زوجية تحتاج المودة والرحمة للاستمرار، ويكون الجنس هو إحدى لغات أو لغة الجسد للتعبير عن هذا الحب بين الزوجين حتى تستمر هذه الأسرة، وتؤدي أيضًا دورها في بناء المجتمع وتحقيق غاياته، وتمثل سعادة الأسرة أحد روافد سعادة المجتمع التي يمثل الجنس أحد عناصر سعادتها، ثم هو إحدى وسائل حصول الإنسان على إحدى أهم المتع التي وهبها له الله؛ مما يخفف عنه الإحساس بوطأة الحياة وقسوتها، ولكن في إطار فهم الإنسان لدوره في الكون وليس في إطار المتعة المطلقة المتحررة من أي قيد، أو التي هي غاية في ذاتها. إنها منظومة الإنسان - المجتمع - الكون في إطار علاقة الإنسان بربه وما خلقه من أجله..
في إطار هذه الصورة التي أوضحنا عناصرها تصبح الإجابة ليست إجابة واحدة، ولكن إجابات متعددة تختلف باختلاف السائل وسنه وظروفه؛ فالشاب والشابة في مقتبل حياتهما حيث الذرية والأولاد أحد مقاصدهما.. لهما إجابة، والرجل والمرأة اللذان يتزوجان وقد أنجبا من زواج سابق ولكنهما يحتاجان للزواج من أجل عاطفة جمعت بينهما وأسرة يريدان أن تجمع شملهما.. لهما إجابة، والشاب والشابة في عنفوان رغبتهما الجنسية وشعورهما بالاحتياج للجنس الآخر بدرجات متفاوتة تختلف من شخص إلى شخص، ولكن يظل السائد أو الغالب هو الاحتياج الذي لا بد من إشباعه.. لهما إجابة، والرجل وزوجته بعد أن أنجبا وأنهيا رسالتهما.. لهما إجابة.
وفي كل حال من هذه الأحوال سيكون للجنس صورة أو طريقة تناسب هذه الحالة؛ فربما تظل هنا علاقة جنسية مرضية بين زوجين تعديا السبعين من عمرهما بالرغم من أن الزوج قد يكون فاقدًا للانتصاب والزوجة فاقدة للجمال المؤثر، ولكن يظل الزوجان مستمرين في تواصلهما الجسدي من خلال القبلة والأحضان والتلامس، بل وربما التماس أماكن الإثارة حتى يشعر كل منهما بالاكتفاء والارتواء، ربما تكون علاقة جنسية حقيقية وأكثر فاعلية من زوجين شابين تفور الرغبة من جسد كل منهما، ولكن لا يستطيع أحدهما أن يفهم الآخر أو يتواصل معه أو يمتعه أو يسعده على أي مستوى بما فيها مستوى الأجساد.
هل عقّدنا المسألة؟.. هل تفلسفنا أكثر من اللازم حتى تاهت منك الإجابة؟ ولذا فإننا نلخص المسألة بعد التفصيل والتركيب، ونقول: إن الحياة الجنسية هي جزء من إنسانية الإنسان، بل إن الجنس الإنساني -إن صحّ التعبير- هو أحد تفردات الإنسان على الحيوان على عكس ما يشيع البعض من أن الجنس هو الجزء الحيواني منا.. يتحول الجنس إلى حيوانية حين يتخلى الإنسان عن كونه إنسانًا وهو يلتقي بشريك حياته في هذه اللحظة الحميمية.
لذا فلا يصح السؤال أو يصبح السؤال في غير موضعه عندما نقول: هل من السهل أن نضحي بهذا الجانب في حياتنا؟ لأنه لا يصلح أن نتخلى عن جزء من إنسانيتنا وبشريتنا، وهنا نحن نتحدث عن الحياة الجنسية بطولها وعرضها وكل أطيافها التي قد تغني فيها اللمسة الحانية الصادقة عن الإيلاج في لحظة ما، ولكن يظل الإيلاج جزءاً من الصورة وظلاًّ لها.
إننا نقصد تعبير "الحياة الجنسية"، ونرى أنه أفضل من الجنس أو العملية الجنسية؛ لأنه فعلاً حياة كاملة بمراحلها وأطوارها المختلفة ونموها وتقلباتها؛ فلا يمكن إعطاؤها حكمًا واحدًا أو شكلاً جامدًا؛ فلكل مرحلة من هذه الحياة ما يناسبها ويصلح لها، وما يصلح لمرحلة ويحدث الاكتفاء في مرحلة قد لا يصلح لمرحلة سابقة أو تالية، وما يكفي شخصا أو زوجين قد لا يكفي آخرين.
نرجو أن تكون هذه التطوافة التي ما كنا ونحن نقرأ رسالتك لأول وهلة نتصور أننا سنطوف بها وكنا نتصور أننا سنقول لك هذا هو أثر السكري على القدرة الجنسية للرجل، وهو تأثير يختلف توقيته من شخص لشخص، بل ودرجته أيضًا، وقد يحتاج إلى 10 سنوات أو أكثر حتى يحدث أثره الكامل؛ ولذا فإن الأمر قد يحتاج إلى سؤال صريح لصاحب الشأن حول حالته الجنسية حاليًا، وهو سؤال لا ندري هل وصل مجتمعنا لدرجة تسمح بالسؤال فيه بدرجة مباشرة بحيث نقيم الموقف بناء على ذلك؟
في كل الأحوال نرجو أن يكون الجزء الخاص البسيط حول مرض السكري أو ما أسهبنا فيه عن الجنس ومعناه الإنساني قد ساعدك في الوصول للقرار المناسب في الوقت المناسب، ونحن معك إذا أردت أي استفسارات جديدة.
ولمزيد من المعلومات راجع مشكلة :
العجز الجنسي في المريض بالسكر