السلام عليكم ورحمة الله، اسمحوا لي أن أشكركم على مجهوداتكم العظيمة في خدمة الشباب المسلم، جعل الله عملكم هذا في ميزان حسناتكم.
أما عن سؤالي فأنا فتاة في الحادي والعشرين من العمر، ملتزمة بتعاليم ديني ومحجبة وليس لي مغامرات كباقي الفتيات؛ فأنا أخاف الله كثيرا، هذا بالإضافة إلى تفوقي في دراستي الجامعية، والحمد لله .
منذ فترة مرض الوالد مرضًا شديدًا؛ وهو ما أثر فيّ كثيرا، وأصبحت تأتيني وساوس كثيرة، ومنها أن ما يحدث لنا هو سخط من الله، مع أن مرض الوالد جعلنا جميعًا نقترب من الله أكثر مما كنا، أنا لا أحس أني معترضة على قضاء الله، ولكن أصبحت أخاف جدا من الأمراض والموت بالذات، وكلما تقدم لي شخص للزواج أحسست أنه سيموت، وأنني سأتعذب كما تتعذب أمي الآن؛ فأحجم. أنا أعلم أن الأعمار بيد الله وحده، ولكن موضوع الموت بالنسبة لي أصبح كالفوبيا؛ فما إن يسافر أحد من عائلتنا حتى أحس أني لن أراه مرة أخرى، وأنه لا بد أن يموت.
وأما الوسوسة الأخرى التي تأتيني، وهي الأخطر، وهي أني أصبحت أخاف من التدين؛ لأن الشيطان يوسوس لي أنه كلما تدينت فإن الله سوف يبتليني أكثر، وسوف يحرمني زوجي إذا تزوجت وأولادي، مع العلم أن هذه الوسوسة لا تؤثر على عبادتي؛ فأنا أؤدي الصلاة ومحجبة، ولم يسبق لي أي علاقات ولي ورد من القرآن، وكل هذا زاد بعد مرض الوالد.
لكن هل سيستجيب الله لي إذا دعوته ألا يحرمني من أحبتي في الدنيا؟ أنا لا أخشى ابتلاء المرض ونقص المال أو الجاه، فقط الموت هو الذي يخيفني، وهل هناك أعمال صالحة في الدنيا تذهب غضب الرب؟ وكيف أعرف الابتلاء من السخط من الله في الدنيا؟؟
أعتذر عن الإطالة، ولكني حاولت ذكر كل ما يدور بخاطري لأني حقا أريد الاقتراب من الله والعلاج من وسوستي، أفيدوني أفادكم الله.
الأخت العزيزة، أرى أن أقسم ردي عليك قسمين: أحدهما: يتعلق باضطراب الوسواس القهري الذي تعانين منه، والآخر: يتعلق بأسئلتك عن استجابة الله تعالى للمؤمن إذا دعاه.
أولاً: ما تعانين منه نوع من أنواع اضطراب الوسواس القهري، يسمى "الأفكار الاجترارية" التي اتخذت من الفقد موضوعًا لها؛ بحيث أصبح مرض الوالد -عافاه الله وعافانا جميعًا- نوعًا من الفقد للأمان والطمأنينة على المستوى النفسي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وأصبحت توسوسين بالعديد من المخاوف عن فقد الزوج أو الأولاد، وهذا النوع من الوساوس يمكن علاجه باستخدام أدوية يصفها لك الطبيب النفسي القريب منك والذي أنصحك باللجوء إليه.
وتعلُّق الوساوس بالخوف من الإقدام على الزواج حيلة نفسية دفاعية؛ لأنك في حقيقة الأمر خائفة من الإقدام على الزواج، ولن تفيدك الوساوس إلا في تعطيل زواجك، والله أعلم.
ثانيا: الله -سبحانه وتعالى- يغضب من أفعالنا التي نعصي بها أوامره عز وجل، ولا أراك فعلت ما يستوجب غضب الله عليك، ورغم ذلك فكل أعمال المسلم الصالحة تُذهب غضب الله، خاصة أن الله في الفهم الإسلامي -كما قدمت- يغضبه من العبد أن يقع في المعصية. وليس غضب الله هو الأصل؛ فالأصل رضاه ورحمته سبحانه وتعالى، ويقول الله تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"، (غافر:60) ويقول تعالى: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" (البقرة:186)، أي أن الله قريب من المسلم يجيبه إذا دعاه.
ولمزيد من التفصيل في هذه النقطة ، يمكنك التوجه إلي قسم الفتوي بموقعنا .
كل ما تحتاجين إليه إذن هو البقاء على التزامك والتوكل على الله ثم زيارة أقرب طبيب نفسي، وتابعينا بأخبارك.