English

 

«

ابحث

بحث متقدم

  حوار يهمك
  شارك برأيك
مشاكل وحلول
خدمات

مشاكل وحلول للشباب » استشارات شبابية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
طارق   - فلسطين الاسم
نحبها وتكرهنا : فلسطين.. نقطة تحول ..مشاركة العنوان
الوعي السياسي الموضوع
 طالع أيضا :
مشاركة المستشار أحمد عبد الله على نفس المشكلة
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله كما ينبغي، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه، وبعد.. الإخوة الأحبة في صفحة مشاكل وحلول -وعلى رأسهم الدكتور أحمد عبد الله- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا متابع دائمًا لصفحتكم، ومشارك فيها أحيانًا، أودُّ بداية أن أشكركم على جهودكم، وأن أخص الدكتور أحمد بخالص التحية لجهده في الرد والتعليق على مشاركاتي.. أكتب الآن في ظروف عامة استثنائية جدًّا، وأجد رغبة مُلِحَّة بالكتابة إليكم والتواصل معكم في هذا العالم العجيب عالم الإنترنت، حيث تتواصل مع أناس لا تراهم ولا تعرف عددهم أو مكانهم أو شخصياتهم أو أي شيء عنهم إلا بمقدار ما يريدون هم ، فكأنها أداة وصل لا تواصل!! فسبحان خالق العوالم وفاطر الكون والإنسان.. أردت كثيرًا أن أعلق على بعض المشاكل، ولم أوفق لذلك، وأرجو أن أوفق الآن في التعليق التالي:

أولاً: تأكدوا كلكم كمسلمين وكعرب وكمدافعين عن الحق والعدل أننا نحن الفلسطينيين لم ولن نكره العرب -كما ذُكر في مشكلة: نحبها وتكرهنا : فلسطين..آمال وآلام
- وهل يكره إنسان أهله ومعدنه ومنبته وأرومته ؟ لا ليس الأمر كذلك، غاية الأمر أننا نشعر بالأسى الخانق عندما نرى أمتنا العظيمة!! -سابقًا- تعجز أشد العجز عن أبسط أنواع المواقف المطلوبة في وقت الخطر والأحداث التاريخية المهمة، نجد أمتنا ذات الألف ومائتي مليون عاجزة ليس فقط عن حماية شعبنا، بل أيضًا عن إبداء النية والعزم على ذلك، فمن قعد به العجز عن واجب تجاه أخ له ليس أقل من إبداء النية لذلك ما أمكن.

لا تقل لي إن شعوبنا مقهورة ومحاصرة ومقموعة، فهذا نعرفه جيدًا، فنحن منكم وقد تبدلت في بلدنا منذ قرن خمس دول آخرها -أي السلطة الوطنية- وضعها في حالة الخطر، أي أنه مرت علينا دول وأنظمة مختلفة ربما القاسم المشترك الوحيد بينها هو الاستبداد، وظلم الناس بدرجات وطرق مختلفة، فنحن نعرف ما هو الاستبداد، والصحيح أن الأعذار المساقة هي لب المشكلة لا العذر، فلماذا نحن العرب والمسلمين كما تصفون من قهر وضعف، هل قاهرونا جبابرة لم ترَ مثلهم باقي الأمم، أم أن نمط تفكيرنا البدوي يجعل للشيخ أو للرئيس أو الحاكم سلطة شبه مطلقة، وتجعل له مكانة فوق مكانة البشر!! لا لشيء إلا لأنه يملك السلطة!!، فإذا خضعنا لذلك فلمَ إذن كانت رسالة الإسلام؟ أو ليس لتخرج الناس من التقليد الأعمى للآباء والسادة إلى طاعة الله وعبادة الله وتوحيد الله. فالتخلي عن واجب اتباع الحق وقول الحق والصبر عليه والشهادة في سبيله ذنب قبيح لا عذر للخيبة والفشل، بل هو السبب الحقيقي لذلك، وأقصد بالتخلي تخلي الأفراد عن ذلك في تفاصيل حياتهم وفي المواقف السياسية العامة لا فرق، فلا يتحجج أحد بأن ذلك واجب جماعي لا فردي؛ لأن الواجب الجماعي هو الواجب الكفائي، وهذا الأخير إذا أُخل به ولم يتم على وجهه الأكمل انقلب إلى واجب فردي، فيأثم كل فردٍ على حدة، ويحاسب لوحده، فالحساب في الإسلام فردي، فالواجب الكفائي فردي في الأصل، ولكن توجه الشارع فيه إلى تحقيق الفعل بذاته، فإن حُقق أثيب المبادرون وسقط الإثم –في حالة عدم تحققه- عن الباقين.

فإذا وصلنا إلى أن مسألة النهوض بالأمة وجهاد المحتل ودفع المنكرات مسؤولية فردية، فإننا نبحث هل الإنسان العربي –بشكل عام- من سماته الجبن والنذالة، حتى وصل العرب إلى قاع الأمم، وضيعوا ماضيهم المجيد، وبذَّروا حاضرهم الممكن، وجعلوا مستقبلهم مظلمًا وقاتمًا؟! أودُّ أن أسرد لكم أولاً ما ذكره لنا أستاذ جامعي كان معتقلاً عند اليهود وكنا نناقش تاريخ الثورات، حيث قال: في إحدى جولات التحقيق -والمحقق عادة ما يكون على درجة كبيرة من الثقافة والدراية، خصوصًا إذا كان المعتقل مثقفًا- قال لي المحقق: أنتم العرب كالسجاد العجمي، ويقصد الملعون أنه كلما ازددنا ضربًا واضطهادًا وظلمًا ازددنا خنوعًا ومطاوعة للظالمين!! ويكمل الأستاذ أنه عندها سرد للمحقق حقائق اليهود، وأنهم أتفه الشعوب وأنذلها وأجبنها.

ويعلق الأستاذ بأن كلام المحقق ليس نابعًا من فراغ، بل إن الملاحظ أن العرب لهم قدرة زائدة على تحمل الظلم والخنوع له، ولكنهم في النهاية كباقي الشعوب يوصلهم الظلم والقهر إلى الثورة العارمة والاحتجاج العنيف.. وثورتنا دليل على ذلك. أما رأيي الشخصي -بعد دراسة الأمر بعمق بحسب طاقتي- فإن العربي لا تنقصه الشجاعة والنبالة إطلاقًا في مقاومة الظلم، والدليل على ذلك الثورات الكثيرة من العرب على المستعمر، وعلى كثير من الحكومات الاستبدادية، ولكن ما ينقص الثقافة العربية والعقلية العربية الآليات السليمة والكفيلة بتحويل إرادة الأغلبية من رغبة مكبوتة في الصدور إلى قرار حاسم وسلطة حاكمة ونافذة على باقي الأمة، ولم ننتفع كثيرًا بفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما خرج إلى معركة أُحُد خلافًا لرأيه -وهو رسول وليس مجتهدا- وذلك نزولاً على رغبة الأغلبية ورأيها وإن كره ذلك، فما ذلك -والله أعلم- إلا لتشريع أن السلطة يجب أن تكون لرأي الأغلبية بشكل ملزم.

ولكن العقلية والعصبية العربية ظلمت الدين عندما تجاوزته وأوَّلته وطوَّعته ليتجاوب مع منطقها الظالم، فلم تختر الأمة برأيها وأغلبيتها حاكمًا سوى الخلفاء الراشدين، وأُقصِي أغلبهم عن الحكم بالقتل والاغتيال لهم وللإرادة الشعبية التي نصبتهم، ثم أصبحت السلطة وراثية، ثم أصبحت جبرية، ثم أصبحت عضودًا (فِرَقًا)، ثم ستعود -لا نعلم بعد كم- راشدة، فصلَّى الله على الصادق المصدوق.

فالذي أريد قوله إن العربي يعرف كيف يغضب، ولكن عادة ما يكون غضبه وبالاً عليه؛ لأنه لا يعرف كيف يستثمر طاقة غضبه واستعداده للتضحية، فكثيرًا ما يوجهها في تمردات فردية أو شبه فردية على السلطة لا تودي إلا برأسه هو المظلوم المقهور، فعلى العربي الآن ودائمًا أن يتحكم بغضبه فيوجهه للتغير المطلوب بشكل مدروس.

وأنا لا أعمم في كلامي على الأفراد، بل إنني أتكلم بشكل عام عن سمات عامة للإنسان العربي، وعلى كل حال أستطيع أن أؤكد أننا نحب العرب عامة، ولكل شعب عربي في وجداننا مكانة ومنزلة، فنحن تفتحنا على ذكريات الثورة الجزائرية المجيدة، وعلى الأيام الخالية للقومية العربية التي تزعمتها مصر حقبة من الزمن، بل وما زلنا نشعر ونعرف تمامًا أننا جزء طبيعي من بلاد الشام -أو سوريا الكبرى- وأن اسم فلسطين بحد ذاته هو اسم لقبائل دخلت بلادنا مؤقتًا ورحلت ولم تترك إلا اسمها فقط، فنحن منكم وأنتم أصلنا ومددنا وبقيتنا وفخركم فخرنا وحزنكم حزننا. أذكر أنني كنت أستمع للأخبار مرهقًا جسميًّا ونفسيًّا من تداعيات الانتفاضة، فسمعت عن مقتل المئات في احتراق قطار، ولا أعرف كيف تخيلت أنهم في الهند فأبديت ما يبديه المكروب من انصرافٍ إلى همه الشاغل -مع أنني عاطفي وأتأثر جدًّا لمآسي الناس- وعندما أوضحت لي أمي أنهم في مصر بلهجة حارة شعرت وكأن في القطار بعض إخوتي واهتززت كالمقرور ولم أتمالك دمعي.. فلا والله إننا لا نكرهكم، وإن كرهنا عجزكم، وتبرمنا بصبركم وإن فهمناكم وقدرناكم، ولم ألاحظ ما ادعته الأخت السائلة من وجود ظاهرة عند شباب فلسطين بكراهية العرب؟! بل ما أسمعه هو كراهية لنفر من العرب عددهم يقارب أصابع اليدين والرجلين، لا أكثر من ذلك!!

أما عن ردك يا دكتور أحمد على الأخت السائلة فاسمح لي أن أعلق: الحرية هبة من الله للإنسان، والحفاظ عليها وحمايتها خيار للإنسان، وهو واجب شرعي في حالة ما كان التخلي عنها مخلاًّ بواجب شرعي أو متناقض مع قواعد الإسلام ومقاصده الكبرى، بل إن الحرية هي السمة الأبرز للإنسان؛ لأنها أرضية الاختيار والذي هو مناط التكليف؟!، أفلا تستحق هذه الحرية إذن السعي في سبيلها!! أظن أن ما تريده الأخت من العرب بالضبط ألا ترى شعوب العرب تموت ضحية بذل ومهانة، فهذا يؤلمنا ويضعفنا في الحرب، ولو ماتت الضحية دفاعًا عن واجبها وعن حريتها لزدنا عنفوانًا، ولو لم يصلنا أي دعم مادي، فالحرب لا ينتصر فيها السلاح، بل إرادة المقاتل، ولا تفتوا في ساعدنا بالقول إن هذه رومانسية جميلة فحسب، بل هذه هي الحقيقة التاريخية والدينية "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ"، وهذا لا يعني أنني أقلل من الأمور المادية، إلا أن النقص المادي يواجه من جانبنا بتحمل الخسائر، وإبداع الوسائل الجديدة، واستثمار نقاط القوة عندنا ونقاط الضعف عندهم، وأهمها إطلاقًا: حبنا الشهادة وكراهيتهم الموت.

ونحن والله نرجوكم ونتوسل إليكم أن تفهموا وتعرفوا حدود قضيتنا وأساسها، وأنها في الحقيقة قضيتكم كمسلمين بشكل عام؛ لأن مدارها الحقيقي هو المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى وما وراء المسجد الأقصى من إيحاء ورمز، فهل هو ملكنا وحدنا حتى يكون واجب الدفاع عنه علينا فقط وأنتم متفرجون أو مناصرون أو عاجزون!!، وهنا أتذكر السؤال الذي أجبتَ عليه يا دكتور أحمد بمقالة تخالف عادتك في الوضوح والتحديد –حيث إنني أجد تشابهًا بين أسلوبك وأسلوب المرحوم أحمد حسن الزيات-، والسؤال هو: ماذا تعني فلسطين بالنسبة لكم؟، هل ترونها جزءاً مسلوبًا من وطنكم المقسم؟ أم أنه وطن محتل وخاص لجيران أو إخوة تتعاطفون معهم في أحسن الأحوال، ولكن لا ترون أنفسكم ملزمين بإعانتهم على تحريره؟ أذكر أنني بعثت بمشاركة أقترح فيها تصورًا لوضع فلسطين الشرعي، والوجداني، والواقعي بالنسبة للأمة، وقد سررت جدًّا بالتعليق الكريم عليه، ولكن لم أجد في التعليق مناقشة لمحور الحديث الأساسي وهو أن تحرير فلسطين واجب شرعي على الأمة؛ لأن قضيتها قضية الأمة بأسرها.

لقد أطلت جدًّا، ولم يزل للكلام بقية فاعذروني، ولكنني في النهاية أؤكد مجددًا أنني أحبكم في الله سبحانه، وأدعوه سبحانه أن يحفظ أمة الإسلام من كل سوء، وأن يهيئ لها أسباب النصر المبين، وأن يرزقنا خير الدنيا والآخرة، وصلَّى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين.
المشكلة
05/05/2002 التاريخ
د.أحمد عبد الله اسم الخبير
الحل
ونحن يا أخي نحبكم، وتكاد أجسادنا تنهد، وأدمغتنا قاربت على الانفجار من اشتعالها بالغضب والحسرة على ما يحدث لكم، ومن العجز عن أن نفعل لكم شيئًا يليق بحجم ما يقع، ومن يأسنا وقلة حيلتنا في تدبير وإبداع وسائل جديدة للدعم، وتجاوز حواجز المنع والتضييق، وأسوار الحيلولة بيننا وبينكم.

نحبكم.. ونفخر بكم، ونغضب لأجلكم، ولكن كما تفضلت أنت فإن الحب والفخر مثل الغضب والحسرة كلها مشاعر محمودة، ولكنها إن لم تجد البرامج والخطط التي تحولها إلى عمل متواصل، وجهاد مستمر للبناء فإنها تظل زفرات في الصدور، أو صرخات تنطلق من الحناجر، أو ضغطًا يغلي في الدماء والدماغ، ثم ما تلبث أن تودي بصحة صاحبها، أو يودي هو بها -إذ لا طاقة لأحد بذلك- أو تودي بها الأيام والليالي، وعوامل النسيان التي فطر الله الإنسان عليها، وتبقى الأحوال رغم طول البكاء، وقد تنتقل من سيئ إلى أسوأ.

تزامن مقدم إجابتك مع استعدادي للقيام بجولة آسيوية عدت منها أخيرًا، والحمد لله، بعد أن وصلت لبعض الإجابات على ما تطرح من تساؤلات، والمشهد من بعيد يختلف بالتأكيد، والجولة أتاحت لي فرصة نادرة فآثرت أن أكتب ردِّي عليك بعد مروري بهذه التجربة غير المسبوقة.

أخي.. لعلك تتابع ما أكتب على صفحات هذا الموقع في صفحة مشاكل وحلول وغيرها؛ لأنه مثل عمل أي كاتب -يكمل بعضه بعضًا-، ولعلي أرصد ثبتًا بمعظم أو أهم هذه الكتابات في إجابة قادمة بمشيئة الله تعالى، ولعلك تدرك كم أستميت في تركيب خطاب أشعر أننا نحتاجه في هذه المرحلة شكلاً ومضمونًا.

فجزء من مأساتنا يكمن في تهافت الخطابات الشائعة التي تتراوح بين الإنشائية الديماجوجية والسطحية، وتتنافس غالبًا في العزف على أوتار المشاعر، والغرائز البدائية، وكأنها تريد الفوز بقصب السبق في الانحطاط الفكري من حيث ضعف المعلوماتية، أو تناقض المنطق الداخلي، أو غياب المسؤولية والمعرفة بالواقع عن كاتبها فتخلط بين التحليل والتحليق في الخيال، وبدلاً من إثارة الوعي وطرح الأسئلة الصحيحة تشيع نوعًا من التهييج، والتخدير، وصرف الأذهان والجهود فيما لا ينفع، وقد يضر، وبعض الخطابات الإسلامية ليست بعيدة عن هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأعوذ به أن أكون كذلك، وأطلب منكم الدعاء بالتسديد.

أخي.. سبق لي أن كتبت أن قضية فلسطين هي قضية الإنسانية كلها؛ لأنها تختصر الصراع الأساسي في الحياة بين العدل والظلم، والحق والباطل، بين الروح الطيبة النظيفة التي هي نفخة من روح الله تعالى، والقوة المتغطرسة العمياء التي تبدو أسوأ ما في الإنسان.

ليس إنسانًا إذن من لا يدافع عن هذه القيم العليا في مواجهة الشر، ليس إنسانًا سويًّا من لا ينحاز إلى فلسطين وقضيتها، ولعلك رأيت نفرًا من الأجانب متعددة أقطارهم وخلفياتهم كانوا وما زالوا يتضامنون بطرق مختلفة، ولقد أتيحت لي الفرصة في جولتي أن أرى بعض هذا التعاطف ظاهرًا جدًّا، رغم أنه ما زال يحتاج إلى مزيد حشد وتعظيم، وهذا من أدوارنا التي نغيب عنها للأسف!!

وقضية العدل والحق والحرية هي القضايا المركزية للإسلام بوصفه دين الله ورسالته للبشر.. جاءت لتخرجهم من الظلمات إلى النور، وتعيدهم إلى المكانة التي يريدها الله سبحانه لهم خلفاء عنه في الأرض.

لم يأتِ الإسلام بغاية أن يزيد في ثياب النساء مترًا، أو يحلق الرجال شعرًا، ويطلقوا شعرًا.. رغم أن هذه الأمور من آدابه، ولكن مقاصده العليا أن يحرر الإنسان فيكون موفور الكرامة، حر الإرادة، سليم العقل؛ لأنه بدون هذه الأسس ينتكس ويكون إلى الأنعام أقرب.

ورغم سطوع هذه الحقائق لكل صاحب لب حكيم، أو شعور متماسك فإنك إذن وقفت تدافع عن حجاب الزي لوجدت مليونًا من الناس يستمعون ويهتمون، ولو وقفت تدافع عن الحرية والعقل لما وجدت بضعة عشرات!!
المسلم ينتفض حين تنتهك حرية الآخرين، فماذا حين يمس أحد حريته؟!

أقاوم دموعي، وأنا أتذكر الفاروق عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وهو يرسل إلى عامله على مصر (عمرو بن العاص –رضي الله عنه-) وكلاهما صحابي جليل، وكان نجل عمرو قد ضرب شابًّا قبطيًّا؛ لأنه تفوق عليه في سباق خيل، وقال له: (أتسبقني، وأنا ابن الأكرمين)، وحين بلغ عمر هذا انتفض؛ لأن قيمة عليا من قيم الإسلام قد خُدشت وهو الحاكم، ولم يهدأ حتى استدعى عمرو بن العاص وولده والشاب القبطي وأباه، وأعطى السوط للشاب قائلاً: اقتص واضرب (ابن الأكرمين)، والتفت يعنف ابن العاص: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!

أخي.. هذا هو الإسلام الذي انتصر وأدار دفة الحضارة، أما الذي نعيشه نحن، ونمارسه، وندعو الناس إليه، فهو يشبه الطبعة المقلدة، وليس فيه من حقيقة رسالة الإسلام إلا بعض القشور والشكليات نغرق في تفاصيلها، بينما الحقائق الكبرى للدين مذبوحة على قارعة الطريق بأيدينا.

فعن أي إسلام تريدينا أن نتحدث: هدي الله للعالمين، تاريخ العصور الزاهرة، أم هذا الذي نعيشه ونقدمه للناس؟!

يا أخي الكريم.. لا يكون الإنسان إنسانًا بمجرد الميلاد، ولكنه يكون كذلك بمقدار ما يعمر الأرض خليفة عن الله –عز وجل- في الكون فينتج، ويعمل، ويرتقي، ويدافع عن الحرية في كل معركة تخوضها، وهذا من معاني أهل الذمة، فالمسلم مكلف بحرية من في ذمته، والعالم كله في ذمة المسلمين، وهم مطالبون بتحرير إرادة البشر لا تحدي هذه الإرادة ومغالبتها، ولذلك تستفزني مقولة المليار ومائتي مليون مسلم، فما قيمة هذه الجموع إن لم تَعِش حقائق دينها، وتمارس أدوارها؟!

ولذلك فإن فلسطين هي قضية من يدافع عنها، ويعمل لأجلها من أي خلفية كان، والذين وضعوا أنفسهم في مواجهة الجنون الصهيوني درعًا يحمي الرئيس عرفات بوصفه رمزًا أو عيشًا مع الفلسطينيين وسط تهديدات متعددة، هؤلاء وغيرهم في الخارج يدافعون، ويحاولون تغيير الأدمغة الملوَّثة بدعاية الصهاينة، هؤلاء عندي من أنصار فلسطين بأكثر من ملايين المسلمين الذين يبيتون في أحضان العاهرات، أو يظنون غاية دعمهم للقضية أن يضعوا درهمًا أو دينارًا في صندوق تبرع!!

وخذ عندك ملايين أخرى استبد بها الغضب، واشتعل الحماس، وأعلنت استعدادها للموت من أجل القضية، وأبحث وسطهم عن الجادين في هذا القول، ودليل الجدية أن يتواجد لديهم الاستعداد للعيش من أجل فلسطين؛ لأن الموت أحيانًا يكون أسهل من العيش في سبيل قضية وتغيير النفس لأجلها.

الموت بذل لحظة وتستريح، والعيش من أجل قضية هو الجهاد الطويل الذي يحتاج إلى أكثر من مجرد الحماس أو الغضب، وفلسطين تحتاج إلى من يعيش في سبيل قضيتها لتكون شغله الشاغل وهمه المقعد المقيم؛ وذلك لأن المعركة تدور في كل ميادين الحياة قبل أن تنحسم في ميدان القتال نفسه، وميادين معركتنا مع الصهاينة كثيرة منها المعمل، والمصنع والمدرسة، والجامعة، والمزرعة، وورشة التدريب. فهل لدينا الجادون في هذه الميادين أم أنها خاوية إلا من الأشكال والهياكل الفارغة، والشارع يمتلئ بالصارخين المحترقين غضبًا وهتافًا؟!

كم من المسلمين مستعد للصبر في المكاره، والمواصلة على درب البذل، والثبات في سبيل الجهاد؟!

وتذكرت كلمات توزن بالذهب عن التمييز بين رجل الكلام، ورجل العمل، ثم رجل الجهاد، ثم تتألق الكلمات لتفرق بين الجهاد الخاطئ، والجهاد الصحيح، الذي يحقق أعلى النتائج بأقل الخسائر، فضع المليار مسلم على محك هذا الاختبار والتصنيف لتعرف من معنا ومن ليس كذلك.

يا أخي.. تحدثني عن التفكير، وعن العقل، وعن الحرية، فأبكي وأضحك من البلية، وأنا أرى وأسمع ضجيج التهييج والشحن الذي تتنافس فيه صحفنا وفضائياتنا حتى أدخلت نفوس الناس في حالة من الشلل بين مطرقة إثارة المشاعر، وسندان القهر السلطوي لأبسط صور التعبير، ناهيك عن غموض أساليب الدعم، فتاه الناس بين خطابات التخذيل وخطب التهويل والتهليل، وافتقدوا الدليل في ظلمة الليل الطويل.

غابت الإدارة السليمة للغضب، واستثمار الحماس ليكون بناء لشيء يصمد في المعركة القادمة، ونكاد ننسحب إلى مواقعنا القديمة وكأن شيئًا لم يكن، فابحث معي عن العقل، والحرية، والتخطيط، والرشد وسط هذا كله.

أخي.. نحتاج إلى وقفة تأمل، ومراجعة صريحة للذات وللجماعة، ونحتاج إلى أسئلة غير تقليدية، ومناقشات عن المستقبل، وعن إدارة الجهود، وعن معاني الجهاد المطلوب.
ليس التخلف قدرًا، ولا التخاذل طبعًا في جينات العرب، التاريخ يقول هذا، والتحركات الجماهيرية الأخيرة كانت تعبيرًا عنه، وهي تعبير عن وجود حياة في العروق، ولكن التعبير شيء والتغيير شيء آخر.

نحتاج إلى أن نؤسس جهودنا على أرضية الناس؛ لأن الحكومات تبدو كما ترى، والحركات تبدو محاصرة، وعاجزة بالتالي إلا عن المزيد من الكلام، والفعل ما زال دون المطلوب، ولكن البدايات هكذا تكون، فهل لدينا الإرادة، والعزم، والوعي، والعقل لنصارح أنفسنا، وننتقد أعمالنا، وننتقل خطوة إلى الأمام؟!

هل لدينا صدق النية والرغبة، وصلابة القدرة والقوة على أن نحاسب أنفسنا، ونضبط حركتنا فلا نستسلم للغضب، ولا نسترسل في الصراخ، ولا نضيع وقتًا في مطالبة أحد بشيء إلا أنفسنا، وأن نكف عن النداء على الحكام أو النخب، أو الموتى من الأبطال مثل صلاح الدين أو المعتصم؟!

هل ندرك أننا في الساحة وحدنا، ومعنا بعض الأنصار من كل العالم، ولدينا أدوات واضحة، وإمكانات محددة يمكن تطويرها وتنمية آثارها، ومضاعفة مكاسبها لنتقدم في قضيتنا خطوة وخطوات؟!

هل يمكن أن نفصل أنفسنا بخيارنا الانتفاضي عن مسار التسوية المرتقبة، فندع السلام لمن يحلمون به ونتركهم يشبعون به، ويعيشون على أوهامه، ونتفرغ نحن لإعداد أنفسنا وبناء قدراتنا: للتعليم والتعلم، والبناء والاستعداد، والفهم والتخطيط، واستكشاف آفاق جديدة لإعداد العدة التي أمرنا بها الله سبحانه وتعالى؟!! وساعة الحسم قادمة لا محالة.

هذه هي النقطة التي نقف فيها: إما أن نتغيَّر، ونعيش القضية بجد أو نبقى كما نحن فوضى لا سراة لنا:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما**** والماء فوق ظهورها محمول
هذه هي نقطة التحول المطلوب، ونحن فيها إما أن نكون أو لا نكون.. أليس كذلك ؟!!

ولمزيد من التفصيل ، يمكنكم الرجوع إلي المشكلة الأصلية ، وعدد من المشاركات عليها ، ومنها :
نحبها وتكرهنا : فلسطين..آمال وآلام
نحبها وتكرهنا : فلسطين.....مشاركة
نحبها وتكرهنا : فلسطين.. الأصوات والأفعال"مشاركة"

جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة. انقر هنا لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية.

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث