بسم الله الرحمن الرحيم، تحية طيبة وبعد: تزوجت في بداية شبابي بامرأة أوربية وأنجبت لي بنتا. وبعد 11 سنة تم طلاقنا، ثم تزوجت بامرأة مسلمة وأنجبت لي 4 أولاد، ومنذ سنتين قررت الإقامة في بلد عربي؛ وذلك حفاظا على ديننا ومن أجل تربية الأولاد تربية صحيحة. المشكلة أن البنت بقيت مع أمها حسب القانون وهي تبلغ الآن الرابعة عشرة من العمر، وأنتم أعلم مني بمدى حساسية هذا العمر.. هل أرجع إلى أوربا؛ لأكون بقرب ابنتي وأحاول أن أصلح ما يمكن إصلاحه؟ وكيف أتخلى عن حلمي في تعليم أولادي العلم الشرعي؟ أفتوني جزاكم الله كل خير.
الأخ الكريم، اسمح لي أن أطرح عليك بعض الأسئلة التي ربما تمثل المشكلة الحقيقية:
ما الذي ذكرك بوضع ابنتك الآن؟.. وما الفرق بين عمر الثانية عشرة الذي اتخذت فيه قرار عودتك من أوربا إلى البلد العربي وعمر الرابعة عشرة؟.. إن حساسية هذا العمر متشابهة في الحالتين.
البنت مع أمها منذ الطلاق، وأنت بجوارها.. فماذا فعلت لها؟ وكيف أثرت؟ وماذا أصلحت؟ وهي مع أمها منذ سنتين؛ فماذا فسد؟ وماذا نقصها؟ وكيف كنت تتواصل معها؟.
والآن بعد غياب السنتين في هذا العمر الحساس ماذا تتوقع أن تجده من ابنتك؟ وما هو تصورك لقدرتك على ممارسة أي دور مع هذه البنت في هذه السن في ظل القوانين الأوربية التي تسمح للبنت أن تشكو أباها في قسم الشرطة لو ظنت أنه يسيء معاملتها أو يجبرها على أمر لا تستسيغه؟
السؤال ليس هو العودة إلى أوربا من أجل البنت أم البقاء في البلد العربي من أجل الأولاد الأربعة.. فهذا طرح للسؤال بطريقة خاطئة، وقفز على المسائل، وتسطيح لها.
إن هذه الأسئلة التي طرحناها عليك هي الأسئلة الحقيقية، وهي أسئلة قد فات زمن الإجابة عليها؛ لأن الخطر على هذه البنت واقع منذ حدوث الطلاق وبقائها في كنف الأم الأوربية ذات الثقافة المغايرة والتصورات المختلفة.
نعم، إن سن الرابعة عشرة سن حساسة، ولكن لا يمكن إخراجها من سياق حياة هذه الفتاة فجأة سواء بالقرب أو البعد عنها.. إن الفتاة تعيش منظومة كاملة من الحياة مع أمها، وهي اليوم وهي تتعامل مع سن الرابعة عشرة ستتعامل في إطار هذا السياق، وفي اتساق كامل معه، ولن تهبط أنت عليها فجأة لتخرجها أو لتصلحها كما تتصور.. إن هذا كان يتطلب منك أن تتنبه لهذا الأمر من أول لحظة، لا نقول بعد الطلاق ولكن ربما قبله.
أن تتزوج هذه الأوربية وتنجب منها وتستأمنها على تربية ابنتك.. لا بد لك إذن أن يكون لك تصور لسياق تضع فيه هذه الفتاة؛ حتى تخرج متسقة مع ثقافتك وهي تربي على يد أم أوربية في وسط أوروبي.. ألم أقل لك: إن السؤال متأخر ربما أربعة عشر عامًا!!.
إننا في بعض الأحيان نطرح الأسئلة ونصفّها في سياق متضاد مع أمور أخرى نتصور بها أننا نرهب بها من نسأله، مثل أن تُخلط الأمور فتوضع في سياق سؤالك عن ابنتك، "وكيف أتخلى على حلم تعليم أولادي العلم الشرعي؟"؛ وذلك حتى ترتاح ضمائرنا ونقول: لقد فعلنا ما علينا ولكن لم نستطع أن نتخلى على حلم العلم الشرعي.. ولماذا لم تحلم لابنتك بتربية عادية إسلامية عندما ولدت أو عندما طلقت والدتها أو عندما عدت للبلد العربي.
اسأل نفسك الأسئلة الصحيحة ولا تخلط الأمور، ولا تحاول أن تجيب على أسئلة فات أوانها وأنت تعرف ماذا تفعل حقيقة وليس من أجل أن تريح ضميرك أو تسكته.